الرئيسية / الافتتاحية / الوضع العام في تونس: “المرجل يَغْلِي”
الوضع العام في تونس: “المرجل يَغْلِي”

الوضع العام في تونس: “المرجل يَغْلِي”

تعيش بلادنا في المدّة الأخيرة على وقع تصاعد وتيرة التحرّكات الاحتجاجيّة الاجتماعيّة. وتجري هذه التحرّكات في العاصمة كما في الجهات والسبب واحد في كل الحالات وهو تفاقم الفقر وتدهور الخدمات العامة والوضع البيئي… لقد خرج المعطّلون عن العمل للتحرّك في أكثر من جهة وخاصة للمطالبة بتنفيذ القانون عدد 18 لسنة 2025 الوارد في قانون المالية للعام الجاري. لكنّ السلطة، ظلّت تتلكّأ في الشروع في تنفيذه. وهو ما دفعهم إلى تنظيم تحرّك وطنيّ بساحة القصبة يوم الخميس 11 جوان الجاري قابلته السلطة بعصا القمع. وهو ما يبيّن أن ليس لها ما تُقدّم للمعطّلين عن العمل عدا الخطب الفارغة وأن ليس لها ما تجيب به عن احتجاجاتهم غير العصا.

ولم يقف الاحتجاج عند المعطّلين عن العمل بل هو يشمل منذ مدة أهالي قابس وبعض مناطق القيروان التي نخرها التلوّث وعمّال البستنة في تطاوين وقفصة التي توقّف فيها إنتاج الفسفاط من جديد على خلفية تحرّكات المنجميّين. كما خرج عمّال ونقابيو القطاع الخاص في صفاقس إلى الشارع بداية الأسبوع الجاري للاحتجاج، وتحرّك مواطنو المكناسي أكثر من مرّة لإعادة طرح مطالبهم وفي مقدّمتها تحسين المرفق الصحي المنهار. وها هي منزل بوزيان تسير بدورها على خطى جارتها لطرح مطالبها الاجتماعيّة العادلة والمجمّدة منذ عقود. وفي ظلّ هذا الظرف القاتم في جهة سيدي بوزيد، جاءت حادثة النقل المروّعة في الطريق الرابطة بين معتمديتي المزونة والرقاب وما سببته من وفاة عاملتين وإصابة 13 أخريات لتؤكّد تراخي سلطة الانقلاب الإجرامي في تنفيذ القانون 51 لسنة 2019 الخاص بنقل العملة الفلاحيين لوضع حدّ لمسلسل الحوادث القاتلة المستمرّ منذ سنوات.

ومن جهة أخرى تحرّك أساتذة التعليم الثانوي في أكثر من جهة (قفصة، القيروان..) احتجاجا على الظروف البائسة التي يجري فيها امتحان البكالوريا الذي ترافق كالعادة مع تصاعد ظاهرة الغشّ التي باتت تلازم الامتحانات في كل درجاتها والمناظرات وآخرها مناظرة “الكاباس” التي تحوّلت قاعاتها إلى “سوق ودلّال” بما وجّه طعنة عميقة لا لمصداقية الشهادات والمناظرات فحسب، بل لمجمل العملية التربوية التي يقع القضاء المبرم على ما بقي فيها لحساب القطاع الخاص الربحي الذي بات منافسا جديا للمدرسة العموميّة.

وتعيش بلادنا أيضا على وقع تحرّكات المحامين الذين دخلوا في سلسلة إضرابات إقليمية ستتوّج يوم 18 جوان بإضراب عام وطني رفضا لواقع مزري يطال مرفق العدالة على مختلف الأصعدة. وقد شهدت تلك الإضرابات الإقليميّة تعبئة مهمّة في قطاع يعود بقوّة لتصدّر معركة الحقوق والحريات. هذه المعركة التي يتّسع مداها بدعوة من الفعاليات السياسية والمدنية المعارضة على خلفية توسع القمع والاستبداد وتوظيف الأمن والقضاء لبسط نفوذ الحكم الفردي المطلق والفاشي وهو ما يشهد عليه تواصل الاعتقالات وصدور الأحكام الجائرة التي تشمل محامين وإعلاميّين ونشطاء.

كل هذه التحركات الاحتجاجية، الاجتماعيّة والسياسيةّ تثبت أنّ القناعة تتعمّق عند أوساط اجتماعية مختلفة بأن الانتظار لن يفيد في شيئ. إنّ المؤشّرات التي تحملها الأرقام الرسميّة حول التضخّم والغلاء وتدهور الخدمات العامّة، فضلا عن البطالة والفقر وتفاقم مظاهر الانحراف والجريمة وانعكاساتها المدمّرة على الفرد والعائلة والمجتمع (الطلاق، الحرقة، الانقطاع المبكر عن التمدرس، العود إلى السجن…)، تتظافر كلّها لتؤكّد فشل سلطة الانقلاب المدوّي في كافة المجالات وهو ما يدفعها إلى تشديد القمع لمصادرة الحقوق والحريات وفي مقدمتها حرية التعبير والاحتجاج فضلا عن استهداف النقابات وأطر الانتظام السياسي والمدني بهدف تصفيتها وتجريد الطبقات والفئات الشعبيّة منها ليسهل تدجينها وإخضاعها.

إنّ “المرجل يغلي” تدريجيّا وهو يهدّد إن عاجلا أو آجلا بالانفجار لأنّ القناعة ما انفكّت تتأكّد بأنّه لا خيار أمام الشعب التونسي الكادح والمفقّر والمقموع، غير النضال لوضع حدّ لحالة التدهور السريع والمريع التي تشهدها بلادنا ومجتمعنا. وما من شكّ في أنّ دور القوى الثورية والتقدميّة هو الانتباه لنبض الحركة والعمل على الانخراط فيها وتوسيعها وتأطيرها لتتحوّل إلى تيّار عام وجارف يستهدف الأسباب العميقة لذلك التدهور الكامنة رأسا في الخيارات الاقتصاديّة والاجتماعية النيوليبراليّة التابعة والريعيّة والفاسدة التي تحرسها منظومة حكم دكتاتوريّة وقمعيّة. إنّ التغيير ينبغي أن يكون شاملا حتّى لا يعاد إنتاج نفس المنظومة السابقة بعناوين وأسماء ويافطات جديدة أو مرسكلة وهو ما يعني ربط الكل تحرّك مباشر بهدف التغيير العام.

إلى الأعلى
×