الرئيسية / صوت الوطن / تصاعد الاحتجاجات مؤشر عابر أم مقدّمة لمرحلة جديدة؟
تصاعد الاحتجاجات مؤشر عابر أم مقدّمة لمرحلة جديدة؟

تصاعد الاحتجاجات مؤشر عابر أم مقدّمة لمرحلة جديدة؟

بقلم :منور السعيدي

ليس من قبيل الصدفة أن تتصاعد في تونس خلال الأشهر الأخيرة موجة من التحركات الاجتماعية والقطاعية في جهات مختلفة من البلاد. وليس من قبيل المصادفة أيضاً أن تتقاطع مطالب المعطلين عن العمل مع مطالب عمال المناولة، وأن يلتقي غضب الفلاحين الصغار مع استياء الأساتذة والعمال وسكان المناطق المهمشة وضحايا التلوث والحوادث المهنية. كارثة المزونة الأخيرة مثال. فحين تتعدد بؤر الاحتجاج وتتباين مواقعها الاجتماعية والجغرافية، لكنها تلتقي حول الشعور نفسه بالظلم والتهميش والحقرة وانسداد الأفق، فإننا لا نكون أمام أحداث منفصلة أو ردود فعل ظرفية، بل أمام مؤشرات أزمة عميقة تضرب أسس النظام الاجتماعي والاقتصادي برمته.

غير أن ما يميّز المرحلة الحالية هو أنها تأتي بعد سنوات من استثمار السلطة القائمة في حالة الغضب الشعبي التي راكمتها منظومة الحكم السابقة بقيادة حركة النهضة وحلفائها. فقد نجح قيس سعيّد في الصعود إلى واجهة المشهد مستفيداً من السخط العارم تجاه عشرية اتسمت بتفاقم البطالة والتهميش والفساد وتردي الخدمات العمومية، مقدماً نفسه باعتباره التعبير السياسي عن إرادة القطع مع تلك المنظومة. واستطاع عبر خطاب شعبوي يقوم على ثنائية الشعب النقيفي مواجهة المنظومة الفاسدةأن يحشد قطاعات واسعة من التونسيين التي كانت تبحث عن مخرج من الأزمة. لكن بدلاً من معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي ولّدت ذلك الغضب، جرى توجيهه تدريجياً نحو معارك سياسية وقضائية وإعلامية تحت عناوين مقاومة التآمرومحاربة الفسادوالتصدي للعملاء والخونة“. وتحولت هذه الشعارات شيئاً فشيئاً إلى أداة لتصفية الحسابات مع الخصوم السياسيين وإضعاف المعارضة وضرب الأجسام الوسيطة من أحزاب ونقابات وجمعيات وهيئات مستقلة، باعتبارها عوائق أمام مشروع الحكم الفردي. غير أن الأزمة الاجتماعية التي استُخدمت سلماً للوصول إلى السلطة لم تختفِ، بل ازدادت حدة بفعل استمرار الخيارات الاقتصادية نفسها وعجز السلطة عن تقديم حلول فعلية لمعضلات الشغل والتنمية والعدالة الاجتماعية. ولذلك فإن عودة الاحتجاجات اليوم تكشف حدود الخطاب الشعبوي الذي نجح في توظيف الغضب الشعبي، لكنه فشل في معالجة الأسباب الحقيقية التي أنتجته.

لقد وصلت تونس إلى مرحلة بات فيها التدهور الاقتصادي يتحول بصورة متزايدة إلى أزمة اجتماعية شاملة. فالأسرة التي كانت بالكاد قادرة على تأمين احتياجاتها الأساسية أصبحت عاجزة عن مجابهة الارتفاع الجنوني للأسعار. والشباب الذي كان يحلم بالترقي الاجتماعي عبر التعليم والعمل صار يواجه انسداداً شبه كامل للآفاق. أما الفئات الشعبية التي تحملت لعقود أعباء السياسات الاقتصادية المتعاقبة، فقد أصبحت أكثر اقتناعاً بأن انتظار الحلول القادمة من فوق لم يعد مجدياً.

إن ما يلفت الانتباه في التحركات الأخيرة ليس فقط عددها أو اتساعها، بل طبيعتها أيضاً. فالمعطلون عن العمل الذين يواصلون الاحتجاج منذ سنوات طويلة لم يعودوا يطالبون بامتيازات استثنائية، بل بحقهم الأساسي في الشغل. وعمال المناولة يطالبون بإنهاء أشكال التشغيل الهش التي تحوّل آلاف العاملين إلى قوة عمل بلا حقوق حقيقية. وعمال الحضائر والقطاع الخاص والفلاحون وسكان المناطق المنكوبة بالتلوث يرفعون بدورهم مطالب تتعلق بالكرامة والأمن الاجتماعي والحق في الحياة الكريمة. وحتى التحركات المرتبطة بالتعليم والصحة والنقل تكشف في جوهرها أزمة نموذج تنموي فشل في تحقيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية.

لقد أثبت التاريخ التونسي مراراً أن تراكم المظالم الاجتماعية يولّد في لحظة معينة انفجاراً سياسياً لا يمكن التنبؤ بتوقيته بدقة، لكنه يصبح أمراً شبه محتوم عندما تتوفر شروطه الموضوعية.

ففي جانفي 1978، لم تكن الحركة النقابية التي قادت الإضراب العام تعبّر فقط عن مطالب مهنية، بل كانت تعكس حالة احتقان اجتماعي عميقة نتجت عن سياسات اقتصادية أفقرت قطاعات واسعة من الشعب. وقد اعتقدت السلطة آنذاك أن القمع قادر على إنهاء الأزمة، لكن الأحداث أثبتت أن جذور المشكلة كانت أعمق بكثير من أن تعالج بالهراوات والمحاكمات.

وفي جانفي 1984، اندلعت انتفاضة الخبز إثر قرار رفع أسعار المواد الأساسية استجابة لوصفات المؤسسات المالية الدولية. يومها خرج آلاف التونسيين إلى الشوارع ليس فقط بسبب زيادة الأسعار، بل لأن تلك الزيادة جاءت لتتوج سنوات من التدهور الاجتماعي والتفاوت الطبقي. وقد سقط عشرات الضحايا قبل أن تضطر السلطة إلى التراجع عن قراراتها. وكانت تلك الأحداث دليلاً واضحاً على أن الشعوب قد تصبر طويلاً على أوضاعها، لكنها حين تبلغ حدود الاحتمال تتحول إلى قوة يصعب كبحها.

ثم جاءت انتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008 لتقدم درساً آخر بالغ الأهمية. فقد انطلقت الحركة من مطالب تشغيل وتنمية محلية بدت للبعض محدودة النطاق، لكن ما منحها قوتها هو أنها عبرت عن شعور جماعي بالغبن والتهميش. ورغم الحصار والقمع والسجون، فإن تلك الحركة نجحت في كشف هشاشة الصورة التي كانت السلطة تحاول تسويقها عن الاستقرار والازدهار. وقد أثبتت السنوات اللاحقة أن ما جرى في الحوض المنجمي لم يكن حدثاً معزولاً، بل كان مقدمة لما سيحدث لاحقاً على نطاق وطني.

أمّا ثورة ديسمبر 2010 – جانفي 2011 فقد كانت المثال الأوضح على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الاحتجاجات الاجتماعية المتفرقة إلى حركة جماهيرية واسعة. فمن سيدي بوزيد إلى القصرين فصفاقس وتونس العاصمة، لم يكن الناس يتحركون بناء على برنامج سياسي موحد، بل تحت ضغط واقع اجتماعي خانق وشعور عميق بانسداد الأفق. وما إن التقت تلك الاحتجاجات المتعددة حتى تحولت إلى قوة قادرة على إسقاط رأس النظام.

هذه الشهادات التاريخية لا تعني أن تونس تتجه حتماً نحو تكرار السيناريوهات نفسها، فالتاريخ لا يعيد نفسه بصورة ميكانيكية. لكنها تؤكد حقيقة أساسية: كل الهزات الكبرى سبقتها دائماً مؤشرات اجتماعية تجاهلتها السلطة أو استهانت بها. وكانت البداية في كل مرة عبارة عن احتجاجات قطاعية أو جهوية بدت للبعض محدودة الأثر، قبل أن تتجمع في سياق عام يصعب التحكم فيه.

واليوم يبدو أن البلاد تعيش من جديد مرحلة مشابهة من حيث تراكم عناصر الاحتقان. فالبطالة ما تزال مرتفعة، والتفاوت الجهوي مستمر، والخدمات العمومية تعرف تراجعاً واضحاً، والمديونية تتفاقم، والقدرة الشرائية تتآكل بصورة متواصلة. وفي المقابل لا تظهر في الأفق سياسات اقتصادية واجتماعية قادرة على معالجة جذور الأزمة. بل إن الخيارات السائدة ما تزال تقوم على تحميل الفئات الشعبية كلفة الاختلالات الاقتصادية، بينما تتواصل الامتيازات والاحتكارات التي راكمت الثروات على حساب الأغلبية.

إن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت الاحتجاجات الحالية ستتواصل أم لا، بل ما إذا كانت ستنجح في التحول من ردود فعل متفرقة إلى حركة اجتماعية أوسع قادرة على فرض ميزان قوى جديد. فالتاريخ يعلمنا أن الأزمات لا تنتج بالضرورة تغييراً تقدمياً. إذ يمكن أن تقود أيضاً إلى مزيد من الإحباط أو إلى إعادة إنتاج المنظومة نفسها بأشكال جديدة مرسكلة إذا غابت القوى القادرة على تأطير الغضب الشعبي وربطه بأفق سياسي واجتماعي واضح.

ومن هنا تبرز المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق القوى الديمقراطية والتقدمية والنقابية والاجتماعية. فالمطلوب ليس الاكتفاء بتسجيل الاحتجاجات أو التضامن معها بصورة موسمية، بل العمل على توحيدها وربطها بالمطالب العامة للشعب الكادح. ذلك أن جوهر الأزمة ليس في هذا القطاع أو ذاك، ولا في هذه الجهة أو تلك، بل في نموذج اقتصادي واجتماعي كامل أثبت عجزه عن توفير الشغل والعدالة والكرامة.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن السلطة تستطيع أحياناً تأجيل الانفجار عبر الوعود أو القمع أو المناورات السياسية، لكنها لا تستطيع إلغاء التناقضات الاجتماعية التي تنتجه. فهذه التناقضات تظل تتراكم تحت السطح إلى أن تجد طريقها للظهور من جديد بأشكال أكثر اتساعاً وحدة. وكلما طال أمد الأزمة من دون حلول فعلية، ازدادت احتمالات انتقال الاحتجاج من مستوى المطالب الجزئية إلى مستوى التشكيك في الخيارات العامة التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع.

لهذا لا يمكن النظر إلى التحركات الاجتماعية الجارية باعتبارها مجرد موجة عابرة ستخمد تلقائياً مع مرور الوقت. إنها تعبير عن أزمة بنيوية تتجاوز المناسبات والقطاعات والجهات. وهي، في الآن نفسه، إنذار سياسي واجتماعي واضح بأن البلاد تقف أمام مفترق طرق حقيقي. فإما الانخراط في مسار تغيير عميق يعيد الاعتبار للشغل والعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة والسيادة الوطنية، وإما مواصلة السير في الطريق ذاته الذي لم ينتج سوى المزيد من الفقر والتهميش والاحتقان.

لقد استغل قيس سعيّد الغضب الشعبي المشروع ضد منظومة الحكم السابقة بقيادة حركة النهضة وشركائها، وهي المنظومة التي ارتبطت في أذهان فئات واسعة من الشعب بالفشل الاقتصادي والفساد والتبعية وتدهور الأوضاع الاجتماعية، ونجح عبر خطاب شعبوي قائم على شيطنة الخصوم ورفع شعارات التطهيرومحاربة الفسادومقاومة التآمرفي تجميع تأييد شعبي واسع مكّنه من تركيز سلطة فردية غير مسبوقة. لكن السنوات التي تلت ذلك أثبتت أن الأزمة لم تكن مجرد أزمة أشخاص أو أحزاب أو مؤامرات، بل أزمة خيارات اقتصادية واجتماعية عميقة لم يقع المساس بجوهرها. ولذلك عاد الغضب الاجتماعي إلى الواجهة من جديد، لا باعتباره حنيناً إلى المنظومة السابقة، بل تعبيراً عن خيبة أمل متزايدة من عجز السلطة الحالية عن الوفاء بوعودها أو تقديم بديل حقيقي للأغلبية الشعبية.

إن ما تشهده تونس اليوم يذكّر بأن التاريخ لا يتوقف عند سقوط منظومة أو صعود أخرى، وأن الشعوب قد تمنح الثقة مرة أو مرتين أو أكثر، لكنها لا تستطيع إلى ما لا نهاية تجاهل واقع البطالة والفقر والتهميش وغلاء المعيشة. ومن هذا المنطلق فإن تصاعد الاحتجاجات الراهنة لا يبدو مجرد مؤشر ظرفي أو رد فعل عابر، بل قد يكون مقدمة لمرحلة جديدة من الصراع الاجتماعي والسياسي، عنوانها الرئيسي البحث عن بديل يقطع مع فشل المنظومات المتعاقبة، سواء تلك التي حكمت باسم الديمقراطية الشكلية والمحاصصة الحزبية، أو تلك التي حكمت باسم الشعب ومقاومة الفساد وانتهت إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها في ظل حكم فردي أكثر تركيزاً للسلطة.

إن المرجلالاجتماعي الذي ظل يغلي تحت السطح طوال السنوات الماضية لم يهدأ، بل ازدادت حرارة مياهه بفعل تواصل التدهور الاقتصادي وانسداد الآفاق أمام ملايين التونسيين. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس إن كان هذا الغليان موجوداً، بل من ستكون له القدرة على تحويله إلى قوة اجتماعية واعية ومنظمة، قادرة على فرض بديل ديمقراطي وشعبي يضع ثروات البلاد وإمكاناتها في خدمة الأغلبية الكادحة، ويفتح لتونس أفقاً جديداً يتجاوز أزمات الماضي وإخفاقات الحاضر.

إلى الأعلى
×