الرئيسية / الافتتاحية / مع تفاقم الأزمة: الشعب وحده قادر على وضع حدّ للسير نحو المجهول
مع تفاقم الأزمة: الشعب وحده قادر على وضع حدّ للسير نحو المجهول

مع تفاقم الأزمة: الشعب وحده قادر على وضع حدّ للسير نحو المجهول

لم يكن الأسبوع المنقضي أسبوعا عاديا إذْ تتالت فيه جملة من الأحداث التي تؤكّد عمق الأزمة التي تردّت فيها بلادنا تحت حكم الشعبويّة الفاشيّة. لقد تواصلت طيلة الأسبوع موجة الحرارة الاستثنائية التي عرّت مرة أخرى الحقيقة البشعة لمنظومة الحكم القائمة التي باتت عاجزة حتى عن تأمين الماء الصالح للشراب الذي يستمر انقطاعه لساعات يوميّا، وهو ذات الأمر الذي يخصّ الكهرباء بما حوّل حياة التونسيين إلى جحيم لا يطاق في حرارة تجاوزت أحيانا الخمسين درجة. ورغم احتجاجات المواطنين/المواطنات في عديد الجهات فإنّ السلطة ظلّت تحرمهم حتى من المعلومة الدقيقة التي تهمّ توقيت الانقطاع ومدته، وهو ما كانت له تداعيات مدمّرة على عديد المهنيّين (مخابز، قصّابين، عطّارة…) الذين عطّلت الانقطاعات آلاتهم وثلّاجاتهم، كما أفسدت بضاعتهم وألحقت بهم خسائر كبيرة. وطالت الانقطاعات المستشفيات والمستوصفات ناهيك أنّ عشرة مواطنين/ات، من مستعملي آلات الأوكسجين لأسباب صحية، توفّوا نتيجة الانقطاعات المتواترة والمستمرة للكهرباء. لقد غذّت هذه الانقطاعات حالة السخط والغضب التي باتت معلنة أكثر من أي وقت مضى. وممّا عزّز ذلك الغيابُ الكامل لمسؤولي الدولة لتقديم التوضيحات الضرورية، وممّا زاد الطين بلة غياب حتى الحاكم بأمره الذي اعتاد الظهور لوحده في مثل هذه المناسبات لتكرار نفس السمفونية حول “المتآمرين والخونة الذين يؤججون الأوضاع وينكّلون بالشعب”، تنصّلا من المسؤولية. وقد غذّى غياب قيس سعيّد الأقاويل والإشاعات التي باتت في عهده المصدر الرسمي لـ”لإعلام السياسي” في بلد يتمّ فيه تكميم الأفواه ويتحوّل الغموض إلى أسلوب حكم للتلاعب بالرأي العام وتلهيته. وبقطع النظر عمّا إذا كان الأمر يتعلق بمرض أو إقامة في المستشفى أو “اعتكاف قصديّ”، فإنّ إدارة الدولة لا تكون على هذا النحو خاصّة مع نظام مِحْوَرُ كلّ تفاصيل الحكم فيه “حاكم أوحد” لم يفكّر حتى في من سيعوّضه في حالة الشغور المؤقّت أو الدائم. لقد غذّى هذا الغياب حالة الحيرة في أوساط الشعب كما في صفوف النخب السياسية والمدنية والثقافية بمختلف نزعاتها حول مستقبل البلاد والخوف من أن يفسح الغموض السائد المجالَ لبعض السيناريوهات الخطيرة ليس أقلها خطورة استيلاء بعض المغامرين على السلطة سواء كانوا من داخل النظام أو من خارجه أو بالتوافق بين الطرفين.

وفي مثل هذا الوضع المتأزّم والغامض تُركت الساحة لـ”بلطجيّة” سلطة الانقلاب ليصولوا ويجولوا وينفثوا سمومهم لا ضدّ منتقدي نظام سعيّد من سياسيين وإعلاميين ونشطاء فحسب بل حتى ضدّ الفئات الشعبية التي تتحرّك دفاعا عن حقوقها الدنيا في الماء الصالح للشراب والكهرباء والدواء وغير ذلك من مستلزمات الحياة اليومية. لقد أصبح هؤلاء السفلة المتكلمين الرسميين باسم السلطة. ومن الجهة الأخرى يتواصل، بشكل “عادي” إصدار الأحكام بالسجن ضد الإعلاميين والسياسيّين والمحامين في قضايا فارغة تُشتمّ منها رائحة تصفية الحسابات والتخويف والترهيب. وفي هذا المناخ الموبوء لم يتردّد أحد نشطاء الحشد الفاشي على الشبكة الاجتماعيّة في نشر فيديو يوم الاثنين 13 جويلية الجاري أصدر فيه “فتوى” بإعدام الأمين العام لحزب العمال، الرفيق حمّه الهمّامي، وعدد آخر من السياسيّين على خلفيّة معارضتهم لقيس سعيّد. والأنكى من ذلك ليس نشر هذا الفيديو الذي تابعه الآلاف في الشبكة الاجتماعيّة فحسب، وإنّما هو عدم تحرّك النيابة العمومية لتتبّع الجاني حتى بعد تقديم المحامين شكاية ضدّه. إن هذا الفيديو المتساوق مع الأحداث المذكورة أعلاه، يُقيم الدليل القطعيّ على حجم التأزّم العام والشامل الذي تعيشه منظومة التخريب الحاكمة التي لا تملك أي إجابة حتّى على مطالب الشعب الحياتية الدنيا سوى الهروب إلى الأمام سواء بتصعيد وتيرة القمع أو بمزيد نشر خطاب الكراهيّة والعنف والإرهاب.

في هذا الإطار تنامى الشعور بشكل لافت، في الأيام الأخيرة، بأنّ الوضع لم يعد يُحْتَمل وخرجتِ الدعوات إلى التغيير من صفوف النشطاء السياسيّين والجمعويّين بمختلف نزعاتهم، إلى صفوف عامّة « الناس ». لقد بات سؤال التغيير هاجسا لمن هم “تحت”، للمكلومين والعطاشى والمفقّرين، سؤال التغيير في مختلف جوانبه سواء التي تهمّ إمكانية حدوث فراغ على رأس الدولة مع ما أحدثه “الحاكم بأمره” من فراغ مؤسّساتيّ يتمثّل في عدم تنصيب المحكمة الدستوريّة التي التزم ببعثها في “القريب العاجل” كبقيّة تعهّداته، أو التي تهمّ شكل هذا التغيير وخاصّة مضمونه إن سيكون لصالح الشعب الكادح والمفقّر أم أنّه سيتمّ في المكاتب المغلقة هنا وهناك، في الداخل والخارج، وبما يضمن مصالح طبقة مصّاصي الدماء والأجهزة المعبّرة عن مصالحها والحامية لها. لقد دخلت الأوضاع في بلادنا طورا متقدّما من التأزّم بما يفتح على كلّ الاحتمالات، فهل سيكون شعبنا وقواه التقدميّة أحزابا وجمعيّات ومنظّمات وشخصيات في الموعد من أجل تفويت الفرصة على القوى الرجعيّة المحليّة والدوليّة، القديمة والجديدة، ومن أجل تصحيح الأوضاع واستعادة الثورة بمطالبها وشعاراتها واستحقاقاتها الديمقراطيّة الشعبيّة؟ إنّ هذا يتوقّف على الجاهزيّة الذهنيّة والسياسيّة والنضاليّة لقوى التقدّم ولجماهير الشعب من عمّال وكادحين ومعطّلين ونساء وشباب ومثقّفين ومبدعين لتكون صفّا موحّدا ببرنامج موحّد وهدف موحّد: كنس الدكتاتورية وتأسيس الديمقراطيّة الشعبيّة.

إنّ المنظومة المأزومة تعزّز كلّ شروط الانتفاضة الشعبيّة، فلتكن القوى الثورية والديمقراطية التقدمية في موعد مع التاريخ حتّى لا يعاد إنتاج منظومة الاستبداد والتفقير والتبعيّة بأشكال جديدة.

إلى الأعلى
×