الرئيسية / أقلام / افتتاحية صوت الشعب: ليبيا: خطوة جديدة نحو الحرب الأهليّة
افتتاحية صوت الشعب:  ليبيا: خطوة جديدة نحو الحرب الأهليّة

افتتاحية صوت الشعب: ليبيا: خطوة جديدة نحو الحرب الأهليّة

يعيش الشعب اللّيبي الشّقيق منذ أكثر من عامين أوضاعا سياسية واقتصادية وخصوصا أمنيّة صعبة ممّا فتح الباب واسعا أمام سيطرة القلق والخوف من المجهول القادم وبدّد تقريبا وبصفة نهائيّة الأحلام والتطلّعات في بناء دولة مدنية ديمقراطية يحكمها الدستور والقانون.
ودون شكّ فإنّ ذلك مرتبط بأمرين أساسيّين أوّلهما يعود إلى التدخّل الامبريالي الاستعماري الذي تمكّن من اختطاف الحراك الشّعبي ضدّ نظام القذافي وترويضه في الوقت المناسب بل في اللحظات الحاسمة من أجل تصفية حسابات مع النّظام القائم آنذاك وفق أهداف ومصالح القوى الاستعمارية دون سواها. وثانيها ضعف الدولة ومؤسّساتها وتفكّك أجهزتها التنفيذية والأمنية أمام تغوّل المئات من الكتائب والجماعات المسلّحة وشروعها منذ مدّة في إدارة المعارك المتفرّقة لإحكام السيطرة وبسط النّفوذ على ما تبقّى من الدولة وكذلك حقول النفط والغاز ومصادر المياه الخ …
ومن نافل القول أنّ دوّامة الصّراعات في ليبيا متداخلة ومعقّدة ومحكومة إلى حدود كبيرة بمصالح اقتصادية وسياسية لقوى أجنبية نهّابة ودوائر إقليمية بالمنطقة. فهي حرب على السلطة وصراع على النفط والثّروات الطبيعية، وهي اقتتال دموي على الهويّة يتداخل بطبيعة الحال مع العصابات القبليّة القائمة بقوّة هناك مضاف إلى كلّ ذلك التّركيز الكبير للتّنظيم الدّولي للإخوان المسلمين ومختلف الجماعات المتشدّدة في العلم للاستفادة القصوى من تفكّك الدّولة المركزيّة ووهنها
بهدف تأمين مواقع آمنة ومحصّنة ليس فقط لحكم الشّعب اللّيبي وإنّما لخلق كلّ الشّروط الماليّة والعسكريّة والبشريّة لتمويل الأعمال الإرهابية في دول الجوار والعالم بأسره.
وبالعودة إلى آخر المستجدّات في ليبيا وبروز حركة «خليفة حفتر » العسكرية تزايدت من جهة الأسئلة حول مستقبل تطوّر الأوضاع هناك ومن جهة أخرى حول طبيعة الحركة وأهدافها الحقيقية
وخصوصا حول قدرتها على إنقاذ ليبيا من مأزقها الخطير. ودون ريب فإنّ هذه الأسئلة وغيرها كثير تعتمل ليس فقط على الساحة الداخلية اليبية وإنّما أيضا على السّاحتين الاقليمية والدولية. ودون شكّ فإنّ استقرار الأوضاع هناك أو دخولها مساحات
تزايد الفوضى والاقتتال لهما تأثيرات مباشرة وقويّة على مجمل المجالات ببلادنا حاضرا ومستقبلا بالنّظر إلى عوامل عديدة ليس في الحسبان حصرها الآن.

والحقيقة أنّ حركة «خليفة حفتر » العسكرية التي انطلقت منذ أيّام بإعلان الحرب على ما وقع تسميته بالجماعات الجهادية والإخوانية بمدينة «بنغازي » وانتقال شرارتها إلى مدن أخرى من بينها العاصمة «طرابلس » لا يمكن بالمرّة لا الاطمئنان والوثوق من شعاراتها المعلنة ولا المراهنة على نجاحها في إنهاء معاناة الشعب اللّيبي ووضع حدّ لفوضى السّلاح وتغوّل الميليشيات ودرء المخاطر على السيادة الوطنية والوحدة الترابية. فهذه الحركة وفق ما يتوفّر من معطيات حتى الآن تبدو على درجة من التّنظيم والتّسليح وهي نقطة جذب واستقطاب لمجموعات عسكرية أخرى قويّة مثل «الصاعقة » و »القعقاع » إضافة إلى تمكّنها من كسب نوع من التّعاطف الشّعبي الذي أثقلته سطوة المليشيات الإسلامية المتشدّدة إ أنها في ذات الوقت تفتقر إلى وضوح البرنامج السّياسي الوطني الشامل والهيكلة العامة تنظيميّا وعسكريّا.
وفوق ذلك فإنّ نقاط غموض شديدة تتعلّق بزعيم هذه الحركة وارتباطاته الخارجية التي ترجّح أن تكون متينة بدوائر سياسية ومخابراتية بمقر إقامته في الولايات المتّحدة الأمريكية طوال أكثر من عقدين. والأهم من ذلك أنّ حركته مهما كانت جاذبيّه الشعارات المرفوعة تتنزّل ضمن تنامي حرب الميليشيات المسلّحة وهي ضمن الأوضاع القائمة من الناحية الموضوعية لا تعدو أن تكون مقدّمة لتأجيج الاقتتال والفتن ومزيد إدخال ليبيا في دوائر الحرب الأهليّة التي لن يغنم من ورائها الشعب
اللّيبي سوى مزيد الدّمار والخراب.
وقد بدأت بعض المؤشّرات عن ارتفاع نسق المواجهات في «طرابلس » ومدن أخرى بالظهور، فأعداد القتلى في تزايد والانفلات الأمني يتوسّع والاستعدادات العسكرية والبشرية جارية على قدم وساق لتأجيج الاقتتال والدّخول من الباب الكبير إلى «الصوملة » التي يصعب الخروج من نفقها في وقت قصير ويعسر التحكّم في تداعياتها بالداخل والخارج. فالساحة اللّيبية تعرف وجود حوالي 1700 فصيلا مسلّحا فيها الجماعات التكفيرية الوهابية وفيها أعيان القبائل وأمراء الحرب وعتاة مجرمي الحق العام وأمام الجميع أكبر سوق للتزوّد بالذخيرة والسلاح حتّى أنّ أغلب التقديرات تذهب إلى أنّ أكثر من 22 ألف قطعة سلاح موجودة دون رقابة هناك.

ووسط هذا التشفّي الكبير يطلّ العسكري المتقاعد «حفتر » مثل الجميع مفتقدا لأيّ شرعية قانونية أو شرعيّة سياسيّة. فهو مثل غيره معتمدا على قوّة السّلاح وبعض الشّعارات الفضفاضة التي تدور حول مقاومة «الإخوان » ومحاربة «المتطرّفين » في انسجام مريب مع استراتيجيات الدّول الكبرى الهادف إلى نهب الثروات وإخضاع الشّعوب تحت يافطة المقاومة المزعومة للإرهاب الذي تقوّى عوده بدعم خفي ومكشوف من تلك الدول نفسها.

                                                                                                                                                                                                                                                          صوت الشعب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×