الرئيسية / صوت الوطن / هل ينفع الإصلاح في ما أفسدته الخيارات؟
هل ينفع الإصلاح في ما أفسدته الخيارات؟

هل ينفع الإصلاح في ما أفسدته الخيارات؟

علي البعزاوي

الحكم في مأزق اليوم، وهو أمام أزمة مضاعفة: فشل وعجز في الاستجابة لانتظارات الشعب الأساسية من شغل وخدمات أساسية وقدرة شرائية وأمن وسيادة على الثروات، وفي معالجة أزمة المالية العمومية باعتبار الاختلال الجوهري بين الصادرات والواردات وبين المداخيل والنفقات واللجوء المتواصل إلى الاقتراض والتداين بنسب فائدة عالية من جهة، والتداعيات الخطيرة للوباء التي مسّت كل جوانب الحياة وخاصة الصحة العامة والغذاء ومواطن الرزق من جهة أخرى.

الأزمة الشاملة والعميقة صعّدت وتيرة الخلافات والصراعات داخل منظومة الحكم ودفعت الجميع معارضة وحكما إلى التفكير والتخطيط للانقضاض على السلطة. الصراع على أشدّه اليوم وهو ينمو ويكبر مع اتساع الأزمة واشتداد وطأتها على عموم الشعب. لكن موازين القوى مازالت مختلّة لصالح الحكم. أمام معارضة واهنة لم تستطع إلى حدّ اليوم لعب دور مهم في استثمار الأزمة.

المعارضة معارضات
المعارضة التونسية متنوعة ومتعددة المشارب، منها من يتفق مع خيارات المنظومة الحاكمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ويسعى مثلها لخدمة كبار السماسرة المحليين ومشغّليهم من الجهات الإقليمية والأجنبية. لكنه يختلف شكلا مع مكوناتها أو مع بعضها ويسعى إلى الاستئثار بالسلطة طمعا في نصيب وافر من كعكة الحكم. وهو ما ينطبق على الحزب الدستوري الحر سليل التجمع المنحل الذي يخطط لعودة النظام النوفمبري المطاح به. ومنها من يختلف مع مقاربات الحكم في التعاطي مع الملفات وله وجهات نظر أخرى لكنه ليس في قطيعة مع المنظومة بل يعمل على ترشيدها وإصلاحها في إطار حكم البورجوازية الكبيرة العميلة المتربعة على عرش السلطة منذ عقود ولم تمسّ الثورة التونسية من سطوتها. وهذا ينطبق على التيار الديمقراطي وحركة الشعب والبيروقراطية النقابية وأحزاب أخرى صغيرة. وهناك معارضة ثورية لا ترى إمكانية لإصلاح المنظومة وتعمل وتراكم من أجل إسقاطها قناعة منها بأنها تشكّل عقبة أمام التقدم والتطور. لكنها تختلف حول سبل تحقيق هذه الأهداف: البعض يراها عبر الانتخابات ومن داخل المؤسسات البورجوازية والبعض الآخر يراها عبر الثورة الشعبية ومن خارجها (المؤسسات).

المعارضة اليمينيّة جزء من منظومة الحكم
إذا انطلقنا من القاعدة الأساسية التي تذهب إلى أنّ معالجة أوضاع البلاد وتجاوز أزمتها المستفحلة تكمن في تغيير نمط الإنتاج ومراجعة الخيارات اللاّوطنية واللاّشعبية للمنظومة الحالية والتي تُعتبر تواصلا لخيارات الحكم النوفمبري فإنّ المعارضة اليمينية غير قادرة على معالجة الأزمة مهما ابتدعت من إصلاحات واتخذت من إجراءات. والنتائج الحاصلة منذ 2012 إلى اليوم تؤكّد هذه الحقيقة. فأغلب الأحزاب اليمينية والإصلاحية ابتدأت في صف المعارضة لتنتهي في قلب المنظومة وأحد أهم ركائزها.

إنّ المواصلة في انتهاج نفس السياسات والخيارات من مراهنة على الاستثمارات الأجنبية وما يرافقها من تسهيلات موجعة وعلى القطاع الخاص دون سواه واستبعاد ممنهج لأيّ دور للدولة وعلى سياسة الاقتراض والتداين من المؤسسات المالية العالمية النهابة مقابل الانضباط لتعليماتها وإملاءاتها الاقتصادية والمالية التي تضرب السيادة الوطنية والإذعان في نفس الوقت للسياسات الامبريالية سواء المتعلقة بالتطبيع مع الكيان الصهيوني وتصفية القضية الفلسطينية أو التي تخطط للهيمنة على مقدّرات الشعب ونهب ثروات البلاد واستغلال كادحيها والتعامل معها كسوق لتصريف إنتاجها ومصب لنفاياتها… ستزيد الأزمة استفحالا وعمقا وستؤبّد الاستغلال والتبعية وتضرب كلّ إمكانية لبناء اقتصاد وطني مستقل ومتوازن. ولا نعتقد أنّ المعارضة اليمينية لها وجهة نظر أخرى متناقضة مع هذه الخيارات الكبرى. وهي في نهاية المطاف وجه من أوجه المنظومة وصراعها هو من أجل السلطة وخدمة مصالح نفس الفئات اللصوصية مع أولوية في خدمة مصالح أطراف أجنبية على حساب أخرى ولا علاقة لها بتغيير نمط الإنتاج والعيش لعموم الشعب.

لا ينفع الإصلاح في ما أفسدته الخيارات
إنّ التضييق على الفساد والعودة به إلى المستوى الذي كان عليه زمن الحقبة النوفمبرية والضغط على المصاريف العمومية في مستوى مؤسسات الدولة والحد من الواردات العشوائية بهدف إعادة التوازن للمالية العمومية رغم أنه إجراء يصعب اتّخاذه في ظلّ المنظومة الحالية وإعادة البنك المركزي لحضيرة الدولة كمؤسسة سيادية وتعليق خلاص الديون الخارجية لفترة من الزمن رغم أنه صعب المنال في ظلّ منظومة التبعية والاستغلال والفساد… هذه الإجراءات وغيرها التي يمكن اتّخاذها من قبل قوى إصلاحية قد تساهم في التخفيف من نسبة العجز في الميزان التجاري وفي منسوب التداين الخارجي بالقياس مع الناتج الداخلي الخام (أكثر من 80% حاليا) وتعيد للدينار البعض من قيمته التقليدية الخ… لكنها ليست كفيلة بالخروج بالبلاد من أزمتها لأنّ هذه الإصلاحات لا توقف سياسة الاقتراض والتداين المشروط ولأنها لا تنهي حكم السماسرة الذين أفسدوا الاقتصاد الوطني وربطوه وثيق الارتباط بعجلة الرأس مال المعولم وخرّبوا مؤسسات الإنتاج وأغرقوا البلاد في التبعية، ولا تعيد تشغيل فائض القيمة الذي يودع في الحسابات الخاصة بالخارج ولأنها، في كلمة، لا تساعد على التأسيس لاقتصاد مستقل يركّز على القطاعات الاستراتيجية من صناعة وفلاحة وبنية تحتية يوجَّه لخدمة الحاجيات الأساسية للبلاد، اقتصاد منتج للثروة وخادم للأغلبية وموفّر للسيادة الغذائية وذو قدرة تشغيلية عالية.

الأزمة في تونس ذات طابع هيكلي أي مرتبطة بجوهر الاختيارات اللاّشعبية واللاّوطنية التي فرضت منذ عقود وهي خادمة لطبقة الكمبرادور على حساب الشعب واستقلال البلاد. ومعالجتها تمرّ حتما عبر وضع حدّ لحكم هذه الفئة المافيوزية لصالح حكم وطني ديمقراطي شعبي قادر على إعادة هيكلة الاقتصاد وإدارة الحكم بما يضمن السيادة الوطنية ومن ضمنها السيادة على ثروات البلاد والسلطة للشعب عبر نظام سياسي ديمقراطي شعبي عماده الانتخاب وحق سحب الثقة والعدالة الاجتماعية بمعناها الواسع، أي عدالة بين الفئات وعدالة بين الجهات مع إصلاح زراعي جذري لصالح صغار وفقراء الفلاحين وإجراءات لصالح البحارة والحرفيين وصغار التجار وخدمات أساسية راقية ومجانية (صحة – تعليم – بيئة…) للجميع.

إنّ هذه المنظومة الجديدة هي القادرة على الخروج بالبلاد من أزمتها وغير هذا مضيعة للوقت وذرّ للرماد على العيون وتأجيل لحلّ الأزمة.

الشعب التونسي بحاجة إلى طور جديد من الثورة يُطيح بمنظومة التبعيّة والاستغلال والفساد ويُرسي منظومة بديلة وطنية ديمقراطية شعبية. فعسى أن تكون ذكرى ثورة 17 ديسمبر 14 جانفي القادمة محطة للوعي بهذه الحقيقة والانطلاق في هذا المسار بمعنويات عالية واستعدادات أكبر.

عاشت الثورة التونسية
تسقط منظومة التبعية والاستغلال والفساد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى