الرئيسية / أقلام / علي بعزاوي: “الفساد يعمّ البلاد”
علي بعزاوي: “الفساد يعمّ البلاد”

علي بعزاوي: “الفساد يعمّ البلاد”

Untitled-1     أكّدت الجبهة الشعبية ضمن برنامجها المستعجل لمعالجة الأزمة الاجتماعية على أهمية مكافحة الفساد والتصدي للتهريب والتجارة الموازية وإصلاح أوضاع المؤسسات المصادرة، بما يفيد الاقتصاد الوطني بثلاث نقاط تنمية من شأنها توفير 100 ألف موطن شغل. لقد كانت الجبهة محقّة في ما ذهبت إليه لأنّ الفساد الإداري والمالي في تونس تفشّى بعد 14 جانفي. وأصبح، مع مرور الوقت، ظاهرة مجتمعية ملموسة تفرض نفسها على الدولة والمجتمع.

مظاهر الفساد في تونس

      تحتل تونس حاليا المرتبة 76 في مؤشر مدركات الفساد لسنة 2015 من بين 168 دولة. وقد اعتبرت منظمة “أنا يقظ” هذا الترتيب كارثيا لم يسبق له مثيل بعد الثورة. لجنة تقصي الحقائق حول الفساد والرشوة قدمت في نوفمبر 2011 تقريرا موثقا بكل التجاوزات يتضمن 11 ألف قضية فساد لمختلف المحاكم التونسية، ولا أحد في تونس يعرف مآل هذا العدد المهول من القضايا باستثناء النزر القليل منها.

    عدد  السيارات الإدارية يمثل بدوره وجها من أوجه الفساد في تونس الثورة. هذا العدد ارتفع بين سنتي 2012 و2015  بحوالي 11 ألف سيارة  ليصل إلى 84 ألف أي بمعدل سيارة لكل ثمانية موظفين مع تكلفة إجمالية تقدّر بحوالي 242 مليار دينار في السنة، دون احتساب السيارات الأمنية والعسكرية، وهو ما يعتبر إهدارا للمال العام خاصة في مثل الظروف التي تمرّ بها البلاد.

ومن أهمّ مظاهر الفساد أيضا ما يسمّى بالفساد الصغير الذي أصبح في تونس ممارسة عادية باعتباره آلية لقضاء الشؤون الخاصة. نسبة كبيرة من التونسيين طبّعوا مع هذا النوع من الفساد الذي أصبح جزءً من ثقافتهم وسلوكهم اليومي، وهو ما يشكّل حاجزا جدّيّا أمام معالجة الظاهرة، في ظل غياب القوانين الرادعة والمراقبة الجدية.

أمّا الفساد الكبير الذي يهمّ كبار رجال الدولة، فهو مستشري في تونس ويتعلق بالصفقات العمومية التي مازالت تخضع إلى قوانين النظام السابق، وبالتهرب الجبائي والتهريب، حيث يمثل الاقتصاد الموازي 53 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي الخام مع غياب إرادة سياسية وإجراءات عملية جدية لإدماجه في الدورة الاقتصادية العادية وبسوء التصرف في المؤسسات العامة والمال العام وغياب الجدية في المحاسبة. ولعلّ مآل جزء من الشركات المصادرة، التي أصبحت بين عشية وضحاها في عداد المؤسسات المفلسة، أفضل دليل على مسؤولية الحكم الجديد في هذا الفساد.

المعهد التونسي للقدرة التنافسية في المسح الذي قام به حول مناخ الأعمال لسنة 2015، أكّد أنّ 29 % من المؤسّسات المستجوبة (1200 مؤسسة شملها الاستجواب) اضطرّت إلى دفع رشاوي للإدارة لتسهيل وتسريع معاملاتها. 49 % من هذه المؤسسات أقرّت أنّ الفساد تفاقم سنة 2015 مقارنة مع 2014. وقد سجّل مؤشّر مناخ الأعمال تراجعا لافتا من شانه التّأثير سلبا على الاستثمار الداخلي والخارجي)

وتعتبر قطاعات الأمن والديوانة والقضاء والصحة – حسب تقارير الجمعية التونسية للمراقبين العموميين- الأكثر فسادا في تونس.

ولعلّ مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية المقدّم إلى مجلس نواب الشعب من قبل رئيس الدولة من جهة وبعض الفصول التي اقترحتها الأغلبية النيابية في ميزانية 2016 والتي من شأنها التشجيع على التهرب الجبائي، تعبّر عن توجّه حقيقي للتطبيع مع الفساد وتشريعه تحت مسوّغات إنعاش المالية العمومية.

 

أسباب الفساد وانعكاساته على البلاد

استشراء الفساد في تونس يعود بالأساس إلى غياب الإرادة السياسية في مكافحة هذه الظاهرة وإلى ضعف الدولة أمام انتشار العصابات في مختلف المجالات، إضافة إلى تبعيّة هياكل الرقابة للسلطة التنفيذية وإلى دورها الديكوري. فالرقابة العامة للمالية تابعة لوزارة المالية ودائرة المحاسبات تحت إشراف رئاسة الحكومة والهيئة العليا للرقابة المالية والإدارية تحت إشراف رئيس الجمهورية والرقابة العامة لأملاك الدولة تعود بالنظر إلى وزارة أملاك الدولة، كما أنّ تقارير هذه الهيئات لا تُنشر للعموم.

ومن مظاهر غياب الإرادة السياسة، التلكّؤ في تطهير مؤسسات الدولة من عناصر التخريب والنهب والفساد حتى تتحمّل مسؤولياتها وتلعب دورها بما ينسجم وأحكام الدستور. وعلى العكس من ذلك، عملت أحزاب الحكم على زرع أتباعها داخل هذه المؤسسات لتوظيفها واستثمارها في التغطية على سرقاتها وجرائمها المختلفة واستغلالها في الحملات الانتخابية. وتعيش هذه المؤسسات، في ظلّ الائتلاف الحالي، على وقع تجاذبات بين مكوناته من أجل اقتسام المواقع داخلها. كما أنّ غياب التشريعات الصارمة، التي تجرّم الفساد المالي والإداري وتوفّر الحماية الجدية للمبلغين عن مثل هذه الجرائم، تتيح بدورها إمكانية تواصل الفساد وممارسته على نطاق واسع. تفشّي الفساد وغياب الشفافية انعكسا سلبا على الترقيم السيادي لتونس الصادر عن الوكالات العالمية ذات الاختصاص. فباتت تقترض بشروط مجحفة ومقابل إملاءات وإخضاعات تضرب في العمق سيادتنا الوطنية وتحول دون بناء اقتصاد قوي ومستقل قادر على إنتاج الثروة وتوفير الشغل القار والعيش الكريم.

أيّ حل نريد؟

الحل يكمن أساسا في دعم أجهزة الرقابة وضمان استقلاليتها الفعلية ومراجعة التشريعات والقوانين القديمة وسنّ أخرى تحمي المبلغين عن الجرائم، إلى جانب ترسيخ ثقافة مقاومة الفساد لدى عموم المواطنين. كما أنه لابدّ من تكريس النزاهة والحوكمة الرشيدة عبر قوانين متلائمة مع الدستور، تحدّد بدقة ووضوح صلاحيات الهيئات الدستورية والسلطة المحلية حتى تلعب دورها في مقاومة الفساد دون موانع مع إعطاء دور أهم لمنظمات المجتمع المدني كي تمارس صلاحياتها كسلطة مضادة. لكن ذلك يبقى مرتبطا بنوعية القيادة السياسية وبالبديل المجتمعي الذي تدافع عنه .هل هي سلطة مستقلة ذات خيارات وطنية في خدمة الشعب وقادرة بالتالي على المضي قدما في مكافحة الفساد، الشرط الضروري لتوفير مناخ ملائم للاستثمار والعمل وإنتاج الثروة مع ضمان الحقوق المختلفة، حقوق أصحاب المال وحقوق الدولة والأجراء على حد سواء، أم أنها سلطة تابعة في خدمة الأقلية الثرية وكبرى الشركات الاحتكارية العالمية، وعاجزة بالتالي عن مكافحة الفساد؟

مقاومة الفساد جزء لا يتجزّأ من استحقاقات ثورة الحرية والكرامة ولا نعتقد أنّ الائتلاف الحاكم الحالي قادر على الذهاب بعيدا في هذه المهمة. لقد بان عجزه وفشله على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وعلى مستوى العلاقات الخارجية ولن يشكّل تعاطيه مع معضلة الفساد استثناء.

 علي بعزاوي ل”صوت الشعب” العدد 198

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

اثنان × أربعة =

إلى الأعلى