الرئيسية / منظمات / أخبار / على ضوء أزمة كورونا وما بعدها: أيّ مستقبل ينتظر البشرية؟
على ضوء أزمة كورونا وما بعدها: أيّ مستقبل ينتظر البشرية؟

على ضوء أزمة كورونا وما بعدها: أيّ مستقبل ينتظر البشرية؟

كثر الحديث في الآونة الأخيرة بالنظر لتداعيات أزمة كورونا وانعكاساتها الصّادمة على الأوضاع الاقتصاديّة والماليّة والصحيّة والاجتماعية والنفسيّة والأخلاقية والتربوية، سواء في الدّاخل المحليّ أو على المستوى الإقليمي والدولي، حول المستقبل وحول ما ينبغي أن تكون عليه حياة البشر خلال الأشهر والسّنوات القادمة. وهناك إجماع تقريبا على أنّ زمن ما بعد كورونا لن يكون مثل الزمن الحالي، وأن العالم مُقدِم على تغييرات جوهرية، كلٌّ يستقرأ الوضع ويتصوّر المستقبل من زاوية نظر طبقيّة. فالمفكّرون البورجوازيّون لهم تصوّراتهم وللثوريّين على اختلاف مشاربهم أيضا تصوّراتهم.

الشّعوب ستلعب دورا في التّغيير

الأكيد أنّ شعوب العالم شرقيّها وغربيّها التي اكتوت بنار وباء كورونا وعاشت الويلات وفُرِض عليها نمط حياة جديد عنوانه “السّجن” المنزلي والتقشّف على مستوى النّفقات والانضباط وكبت المشاعر حتى أن توديع الموتى أو إطلاق صيحات الفرح في لحظات معيّنة ضد القهر والخوف والاكتئاب تتمّ عن بعد، من شرفات المنازل وعبر وسائل الاتّصال الجديدة…الخ، هذه الشعوب التي عاشت مثل هذه الأوضاع وهذه الهزّات لن تقبل العيش كما في السّابق، وباتت مقتنعة اليوم بأنّ نمط الحياة الساّئد لم يعد مُجدِيًا، ولا بدّ من تغييرات على أكثر من واجهة. وستكون مصمّمة وحريصة كلّ الحرص على التّغيير شعورا وقناعة منها بأنّها معنيّة مباشرة بذلك لأن المسألة لا تتعلق بانتخاباتٍ في ظروف عاديّة يلعب فيها المال السّياسي والإعلام المأجور والحملات الانتخابية المموّلة دورا أساسيا، بل بحقيقة ملموسة تؤكّد لكل ذي عقل أن أسلوب الحياة القديم يجب القطع معه، وأنّ المسألة مسألة حياةٍ أو موت وتهمّ الجميع لا فئة بعينها، وأنّ الوقت لم يعد وقتَ لامبالاة بما يجري أو مقاطعة وعزوفٍ مثلما يحصل زمن الانتخابات.

المشهد القادم شعبي وجماهيري بامتياز والكلّ، نساء ورجالا، شبابا وشِيبا، أُجراء وفلاحين وأصحاب مؤسسات، سيُدلون بدلوهم وسينخرطون في معركة التّغيير التي ستدور رحاها في الشّارع لا عبر الصّناديق. ولعلّ العمال في مختلف القطاعات الذين فرضت عليهم مواجهة العدوّ الكوروني مجرّدين من أسلحتهم، حيث سخّرتهم الرأسمالية لمواصلة العمل والدّوس على الحجر الصحّي المفروض على باقي الطبقات والفئات. هؤلاء العمّال الذين جُرِّدوا من حقّهم في التوقّي من أجل الحياة مثل غيرهم وتحمّلوا مسؤولية إعالة المجتمع طيلة الأزمة سيكونون في الصفّ الأول، وهم دائما كذلك، وسيخوضون وسيقودون المعركة من أجل مجتمع خالٍ من القهر الطبقي والاستغلال والوحشيّة الرأسمالية التي تتعاطى معهم من زاوية ما يحقّقون للبورجوازية من أرباح.

ونحن نتابع اليوم في أكثر من مكانٍ، في البلدان الغنيّة والفقيرة على حدٍّ سواء، مشاهد التذمّر والتّململ والاحتجاجات في موجتها الأولى ضدّ تردّي الأوضاع الصّحية والمعيشيّة وعدم تحمّل السلطات الحاكمة لمسؤوليّاتها، فالمشهد القبيح الذي يتابعه الجميع مُكرهين لم يعد مقبولا.

طبيعة التّغييرات القادمة

كلّ الطبقات والفئات أصبحت مقتنعة اليوم بحالة العجز والارتباك التي تعيشها منظومة الحكم في تصدّيها لوباء كورونا وبأهمّية منظومة الصحّة العموميّة، رغم التّخريب الممنهج الذي لحقها طيلة عشرات السنين وتحديدا منذ 1986، وهي لا تزال رغم ذلك اللاعب الأساسي اليوم في الدفاع عن الشّعب ضدّ الوباء. وهي مقتنعة أيضا بأهمية دور الدولة في معالجة التّداعيات ومخلّفات الوباء وما أحدثه من شلل اقتصادي واجتماعي. فالفئات الفقيرة تطالب الدولة بالدّعم وأرباب العمل، صغارا ومتوسّطين وكبارا، يتذمّرون وينتظرون بدورهم تدخّلا من الدولة. في زمن الأزمات الكبرى تعود الدّولة الاجتماعية إلى الواجهة ويعود القطاع العام إلى موقعه الحقيقي ليتحمّل عبء الأزمة، في حين يتراجع القطاع الخاص ويتحوّل من قائد للحياة الاقتصادية في الظروف العادية إلى متسوّل يقتات من فتات الدولة الاجتماعية ويطالبها بضخّ القروض والمساعدات ويطالب بالإعفاءات.

إن السّؤال الذي يطرح نفسه هو التالي: إذا كان القطاع العام وحاضنته الدولة الاجتماعية هما المتدخّلان الأساسيان زمن الأزمات بما في ذلك في الدول الأكثر رأسمالية، فلماذا لا يلعبان هذا الدّور في كلّ الأحوال، خاصة في الظروف العادية خدمة للأغلبية؟ لماذا لا تنظّم حياة المجتمع وفق خيارات وطنية وديمقراطية وشعبية قادرة على توفير العيش الكريم والخدمات الأساسية الراقية، من صحة وتربية وتعليم وثقافة للأغلبية؟ لماذا تفتح الأبواب في الظروف العادية أمام الرأسمال الخاصّ على حساب القطاع العام فيلقى الدّعم والمساعدة من قروضٍ وجبايةٍ مُيسّرة وقوانين وميزانيّات على القياس على حساب مصالح العمّال والشّغيلة عموما وعلى حساب الدولة الراعية، بينما يكون زمن الأزمات عاجزا ومرتبكا وعبئًا على الجميع، وينتقل إلى موقع المتسوّل؟

الأكيد أنّ المسألة تتعلّق باختيارات سياسية واقتصادية واجتماعية طبقيّة وليست عفويّة أو قضاءً وقدرا. والأكيد أنّه بات مطلوبا مراجعة هذه الخيارات وإعادة توزيع الأدوار وتنظيم المجتمع وفق رؤية جديدة تختلف عمّا كان عليه قبل الأزمة.

موازين القوى هي المحدّدة في اتّجاهات تطور الأوضاع

إنّ مآلات تطوّر الأوضاع رهينة الحالة التي عليها نظم الحكم من زاوية قدرتها على تصريف الأزمة ومعالجة مخلفاتها والاستجابة لمطالب الجماهير في الشغل القار والخدمات الأساسية المدعومة والرّعاية الاجتماعية، من جهة، ومدى حضور المعارضة الثورية والتقدميّة ومستوى انغراسها في الأوساط الشعبيّة وقدرتها على الإقناع ببديلها حتى يصبح قوة تغيير حقيقية من الجهة الثانية. الصّراع سيكون مفتوحا والطّرف الأقدر على كسب الجماهير الواسعة لمشروعه هو من سيفرض بديله في المستقبل.

البورجوازية ستحاول مواصلة سيطرتها، إمّا بتقديم التنازلات والاستجابة لبعض المطالب ولو مؤقتا، وهذا يتطلّب منها قدرة على تعبئة الموارد لتنشيط الحياة الاقتصادية وتحقيق نسب نموّ مرتفعة وضمان الأسواق وتوفير مواطن الشغل، أو بالاتّجاه نحو مزيد المركزة وعسكرة الحياة السياسية. وقد يشهد العالم موجة من حروب السّيطرة على النفط والغاز وكل الثّروات الطبيعية وعلى الأسواق، وستمرّ إلى الحكم المجموعات الأكثر فاشيّة ورجعيّة وشوفينيّة حتى تقدر على تأمين مصالح الأقلية المهيمنة اقتصاديا وماليا مقابل فتات للفئات الهشّة والأكثر فقرا. لقد دفعت الأزمة العامّة للرأسمالية إلى الحكم مجموعات شعبويّة ونيوليبرالية متوحّشة، ويمكن لأزمة كورونا أن تدفع مجموعات وأحزاب أكثر فاشيّة وعدوانيّة وانغلاقا.

إن الاشتراكية هي نظريا وبرنامجيّا الحلّ الأكثر ملاءمة لعموم الشّغيلة وشعوب العالم لأنها قادرة على التّنمية الشاملة وخلق الثّروة والتشغيل على نطاق واسع وتوفير الخدمات الأساسية على نفقة الدولة والقدرة على تجاوز أزمات فائض الإنتاج المرتبطة عضويّا بالأنظمة الرأسمالية.

وللتذكير، فإنّ أزمة 1929 التي ضربت العالم الرأسمالي قاطبة لم تمسّ الدولة الاشتراكية السوفيتيّة التي وفّرت الشغل لكل طالبيه يقودها شعار “من لا يعمل لا يأكل”. لكنّ الاشتراكيّة كمشروع تتطلّب وجود أحزاب ماركسيّة منظمة وقادرة على التّعبئة ومنغرسة في صفوف العمال والفلاحين والشباب والنساء، من جهة، ومناخا ملائما للانتصار وطبقة عاملة واعية وجاهزة لقيادة النضال باعتبارها الطبقة الأكثر ثورية في المجتمع، من جهة أخرى.

إن الظروف الموضوعيّة الملائمة التي تتمثّل في عجز الرأسمالية وافتقادها القدرة على التطوّر والاستجابة لمطالب الشّعب المختلفة لا تكفي لضمان انتصار الاشتراكية، التي تبقى، في حالة ضعف العنصر الذاتي، مشروعا للإنجاز. والأكيد أنّ الخطى ستتسارع نحو تكريس هذا المشروع على أرض الواقع لأنّ الرأسمالية لا تخرج من أزمة إلّا لتدخل أزمةً جديدةً أكثر عمقا.

في هذه الحالة

تصبح الجبهات الديمقراطية والتقدّمية الشكل السّياسي والتنظيمي الأفضل لفرض تنازلات على البورجوازية. إن الأحزاب والمنظّمات والفعاليات التقدمية المختلفة الموحّدة والمسلّحة ببرنامج ديمقراطي وطني شعبي قادرة على لعب أدوارٍ مهمّة في هذه المرحلة من تطوّر الرأسمالية. ولنا في الأنظمة الديمقراطية الشعبية في أمريكا اللاتينية، رغم الصعوبات والحصار والاستهداف الامبرياليّ، وفي النظم البورجوازية الديمقراطية الراعية للصحّة والتعليم وغيرها من الخدمات الاجتماعية، النموذج المجتمعيّ الممكن في ظلّ موازين القوى الحالية. وهي مرحلة يمكن الانطلاق منها والمراكمة على طريق التّغييرات الثوريّة.

علي البعزاوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

أربعة × واحد =

إلى الأعلى