الرئيسية / ملفات / الذكرى العاشرة للثورة / الثّورة القادمة، سلسلة الأسباب والنّتائج
الثّورة القادمة، سلسلة الأسباب والنّتائج

الثّورة القادمة، سلسلة الأسباب والنّتائج

حسين الذوادي

تستند الطّبقة المهيمنة في وصف الحركات الاحتجاجيّة دائما إلى القالب التّقليدي الجاهز وهو “نظريّة المؤامرة ” مع إيلاء اهتمام خاصّ بانتقاء جزء من الأحداث وتعميمها على كلّ الرّافضين لسياساتها ويلاحظ في هذا السّياق التّركيز المفرط على توصيف المحتجّين “باللّصوص، والمخرّبين وغير ذلك ممّا يخدم الطّبقة المهيمنة. وطبعا فإنّ هذه الأحكام الأخلاقيّة المجرّدة تنحرف بالرّأي العامّ عن القضيّة الأساسيّة وهي الواقع المادّي المنتج لهذه القضيّة الأخلاقيّة في حدّ ذاتها، وهذا نموذج جاهز منذ فترة حكم بورقيبة إلى اليوم، وهي في كلّ الحالات تحاول ترسيخ نتيجة مسطّرة بشكل مسبق مفادها أنّ “المقدّس في خطر” من جهة أنّ القضايا الأخلاقيّة هي في نهاية المطاف إحدى أوجه ” المقدّس” الّذي يمثّل استثمارا ثابتا لهؤلاء.

والسّؤال المطروح هنا:”من المسؤول عن وجود كلّ هذه الظّواهر السّلبيّة، وهل أنّ إيقاف الاحتجاجات وتجريمها كافيان لصنع مجتمع من الملائكة؟” قطعا إنّ من مزايا الاحتجاجات أنّها تُحدث الرّجّة اللازّمة بكشف ما هو كامن في سياق عشر سنوات من الحكم الّذي شرعن وجوده بمقولات “الدّين والأخلا ” وغيرها من المفاهيم الّتي لم تحدّ من تنامي أعداد المعطّلين والمهمّشين وظواهر السّلب، والاغتصاب والانتحار والتّسرّب المدرسي، والإرهاب والتّهريب والسّوق الموازية. وهي نتيجة حتميّة لمصالحة اللّصوص السّابقين وإعادتهم إلى المشهد بقوّة، وبالتّالي فإنّ تحليل الوضع الحالي لا ينبغي أن ينطلق من النّتائج بل من أسبابها. وهي أساسا نمط الحكم الّذي أنتج شروط الاحتجاج والثّورة. فبمرور الوقت، ازدادت سرعة وتواتر الأحداث المرتبطة بالغضب الشّعبي تجاه محصّلة السّنوات العشر التّالية لهروب الديكتاتور بن على، وكلّ ذلك جعل أكبر إنجازات حكومات ما بعد النّظام السّاقط هو تلميع صورة النّظام السّابق وإتاحة الفرصة لإعادة فواعله إلى المشهد السّياسي. فانتشرت في هذا السّياق مفاهيم “تحقيق أهداف الثّورة” و”حماية الثّورة” وغيرها من المصطلحات والعبارات الّتي انطلقت من واقع أنّ الانقلاب على الثّورة يتمّ بشكل ممنهج من داخل صالونات الحكم البرجوازيّة، وتزامن هذا مع تصنيف تونس بؤرة لتبييض الأموال والتّهرّب الضّريبي، إضافة إلى رهن البلاد بالدّيون الّتي لم تظهر لها أيّة نتيجة ملموسة على أرض الواقع سوى إعداد ميزانيّات تزيد إثقال كاهل الشّعب بأزمات أشدّ وقعا. وبالتّالي فإنّ لحظة اندلاع الاحتجاجات أصبحت نتيجة واقعيّة وهي لم تكن بحاجة إلى مبرّر جائحة كورونا لاندلاعها في أيّ وقت، لأنّ وضع الشّعب لم يكن أفضل حالا قبل تفشّي هذا الوباء. فالوصول إلى هذه النّقطة لم يحدث دفعة واحدة. بل انطلق منذ تحويل الثّورة إلى تاريخ متنازع عليه بين الهامش “17 ديسمبر” وبين المركز “14 جانفي”.

ويحمل التّاريخان إرثا من التّناقض بين مراكز القرار السّياسي البرجوازي، ومراكز التّهميش الّتي عبّرت عنها رئيسة بلدية باردو سنة 2019 بعبارة “وراء البلايك”. وهذه العبارة مازالت تختزن ما يوصف به اليوم المحتجّون من الأحياء الشعبيّة في كلّ الجهات، فهي لا تختلف في ضمنيّاتها عن توصيف “المشاغبين، متعاطي المخدّرات، المنحرفين وغير ذلك من النّعوت الّتي تروّجها الطّبقة المهيمنة ضدّ المحتجّين. وطبعا فإنّ هذا التّوصيف يغالط الرّأي الشّعبيّ العام ويصرف نظره عن الاستياء الخطير من الطّبقة الحاكمة وسببه الإفقار المطلق والنّسبي للسّكان، الّذين لم يعودوا يرغبون في تحمّل الشّعور بالاضطهاد، وقبول تعمّق التناقض بينهم وبين الطّبقة المهيمنة وأتباعها. فكان مطلب الاحتجاج حتميّا لأنّه ليس لديهم ما يخسرونه سوى قيودهم بعد أن وصلوا أخيرا إلى نقطة حرجة. فقد ساهمت الطّبقة المهيمنة بشقّيها الحداثوي والإسلاموي في وضع أساس الشروط المسبقة للاحتجاجات والّتي تكمن في مزيد الحطّ من وضع المهمّشين وتأزيم وضعهم الاقتصادي، وجعلهم يلاحظون بشكل سلبي الازدهار المتزايد للطّبقة الحاكمة وعائلاتهم وللمحتكرين والمهرّبين ومسامير نظام بن علي الّذين لم يخرجوا فعليّا من الحكم ومن مراكز التّأثير والقرار، ممّا أدّى إلى نشوء التّوتر الاجتماعي وتعمّقه وخاصّة بعد انكشاف التّحالف المعلن وغير المعلن مع لوبيّات الفساد في مختلف المجالات وعدم نجاعة الخطابات المهدّئة ومفاهيم “الحوار الوطني” و“المصلحة الوطنيّة” و“الوضع الاقتصادي الحسّاس” وغيرها من المخدّرات الخطابيّة الصّوريّة المجرّدة، الّتي أدّت إلى نتيجة عكسيّة بحكم أنّها لم تغيّر ظروف المهمّشين بل أجّلت الانفجار الشّعبي العامّ الّذي قدّم مؤشّرات سابقة على أنّه قادم لا محالة، وخاصّة مع تركّز الشّرط الثّاني وهو أنّ النّمو المستمرّ لرفاهيّة الطّبقة الحاكمة أصبح “اتّجاها” يصعب للغاية التّخلّي عنه. وفي هذه الحالة وعندما تصبح الطّبقة الحاكمة قادرة على تحقيق انتعاشها فقط على حساب احتياجات الشّعب وتوقّعاته ودفعه إلى تنازلات متزايدة بلا هوادة، تتضخّم مشاعر عدم الرّضا وحالة الإحباط حتّى بين الموالين.

وبما أنّ الوعي الجماهيري يدرك ديناميكيات الاتّجاهات الاقتصادية وغيرها من منظور الاحتياجات والحقوق، فإنّ النّتائج المؤاتية بشكل موضوعي غالبا ما تكون مصحوبة بزيادة عدم الرضا وتنامي مؤشّرات القهر والحقد الطّبقي. وبالتّالي ففي الحالة الّتي يعاني فيها جزء كبير من سكّان البلاد من شعور خاص بالفجوة بين الأهداف وطرق تحقيقها، وعندما تكون الأهداف الموضوعيّة إمّا غير قابلة للتّحقيق بالوسائل القانونيّة، أو يكون احتمال تحقيقها ضئيلا للغاية فإنّ المطالب تتحوّل إلى حركة احتجاجيّة واسعة تواجهها الحكومات المفلسة من ناحية الإنجاز بمقولة “فرض القانون”، وهو نفس القانون الّذي يلزمها بتطبيق الدّستور الّذي لم تطبّق منه شيئا، وبالتّالي، تصبح الطّبقة المهيمنة عاملا قويّا في تكوين إمكانات الاحتجاج، باعتبار أنّها تشكّل صورة مادّية عن التّناقض بين القول وبين الفعل أثناء الدّعاية الانتخابيّة، وبينها وبين الشّعب وخاصّة الجزء الكبير من ناخبيها، رغم محاولات ترويج معيار خاصّ لها في الحكم وفي العلاقة بالشّعب عبر أدواتها المروّجة لخياراتها الخاصّة وتبريرها.

غير أنّ كلّ ذلك يفقد وقعه خاصّة بعد أن يكشف الواقع المادّي أنّ المفقّرين ليسوا بورجوازيين مؤجّلين. وهكذا تصبح الاحتجاجات إلى حد كبير نتاج التّوقّعات المتزايدة لتلبية الاحتياجات المواطنيّة وليس تلبية مطالب الحكومات. ولهذا فإنّ الشّباب الّذين لا يرون أنفسهم أدوات للاستعمال الحكومي في الظّروف الحاليّة، هم الذين يلعبون الدّور الأكثر نشاطا في الاحتجاج بحكم أنّهم يرون أنّ المعطّلين من أصحاب الشّهادات العليا ومنهم الدّكاترة يحتجّون نهارا ويخوضون إضرابات الجوع وبقيت حالتهم على ما هي عليه في مقابل ازدهار حياة المحتكرين والعرّافين والمشعوذين وغيرهم من باعة الوهم ومستثمري آلام المهمّشين، وتكمن خصوصيّة هذا الوضع في ترسيخ “شعور” رافض يمكّن المتعاطفين من درجة صلابة تتيح لهم البروز في شكل أولي لجبهة نضال ضد الطّبقة الحاكمة وتضعهم على نقطة التّحوّل إلى المعارضة السّياسيّة. وهذا يفترض إيجاد عامل آخر من عوامل الاستمراريّة والنّجاح وهو تحويل “الشّعور الرّافض” إلى “وعي ثوريّ” وذلك يستحقّ التأكيد بشكل خاص بوسيلة واحدة هي التّنظّيم والتّأطير، لمزيد توضيح الأهداف وإحداث ترابط قويّ بين مطالب الاحتجاج وأساليبه. ففشل تحقيق أهداف الثّورة يعود حتما إلى غياب هذا العنصر الحيويّ، وقد أثبت الواقع اتّساع الفجوة بمرور الوقت بين ثورة كانت من صنع شباب لم تتحقّق توقّعاتهم وبين طبقة مهيمنة اِستثمرت غياب تنظيم الثّورة ضدّ بن علي، وعملت على إنشاء قوالب نمطية سلوكيّة مشتركة وقيم ومعايير تخدمها وتشوّه التّنظيمات الثّوريّة الأقرب للشّعب.

وتمثّل الاغتيالات السّياسيّة الموجّهة لرموز ومناضلي الجبهة الشّعبيّة في تجربتها السّابقة مثالا واضحا لهذا الأمر، “شكري بلعيد، محمد البراهمي، مجدي العجلاني، محمد بالمفتي” إضافة إلى التّهديدات الموجّهة ضدّ الرّفيق حمّة الهمّامي وغيره من مناضلي الجبهة الشّعبيّة آنذاك. وبالتّالي فإنّ تأطير المطلبيّة الشّعبيّة وتنظيمها ليس مجرّد استجابة للتّغيرات السّريعة الحاصلة بل هو التزام في صلب مبادئ الصّراع الطّبقي ومواجهة الخيارات اللاّوطنيّة في مختلف المجالات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافيّة وخاصّة أنّ الواقع يقدّم إجابات حقيقيّة عن بؤس التّمشّيات والخيارات السّياسيّة الحاصلة والّتي أنتجت احتجاجات نامية ديناميكيا تفترض عملية مكثّفة لتغيير أساليب وأشكال الإدارة السّياسيّة المفلسة بما أنتجته من بنية اجتماعيّة غير متوازنة في جميع المجالات. فأساليب التّكييف والأقلمة مع واقع متردّ وطلبات الإصلاح لم تعد مجدية في حالة تضخّم فيها اغتراب الشّعب عن الطّبقة الحاكمة وأساليبها في إدارة البلاد، ولهذا فإنّ حدوث ثورة مكتملة، مسألة تكاد تكون محسومة للغاية بسبب انضواء نسبة كبيرة من الشّباب في الهيكل الدّيموغرافي بتوقّعات غير محقّقة لنيل الحقوق وزيادة الرّفاهيّة.

وتستبطن الاحتجاجات صورة واضحة للبنية الاجتماعيّة المستقبلية بعد تغيير النّظام السّياسي، قائمة على تغيير جذري لمبادئ العلاقات بين النّاس، والعلاقات الطّبقية، والقوى الإنتاجيّة، وعلاقات الإنتاج، وتوسيع فعل الشّعب في العملية السّياسية. فقد انكشف زيف ادّعاءات الأطراف الّتي حكمت بعد هروب بن علي وأنّ دعاياتها الانتخابيّة القائمة على القول إنّ هدفها الأساسي هو العمل على تحقيق أكثر إنصافا للتّوازن بين الجهات والمواطنين أصبحت مسألة دالّة على التّعجيل برحيلها لأنّها لم تفعل أكثر من تحقيق التداخل بين مصالح النّظام السّابق ومصالحها وبين كلّ الجوانب السّلبية، لتحفيز الحقد الطّبقي، خاصة أثناء كشفها عن أنّ مصالحها لا تنفصل مطلقا عن مصالح أدوات النّظام السّابق. وإذن إنّ الطّبقة الحاكمة وأساليب الحكم طيلة العشريّة السّابقة هي الّتي أنتجت كلّ الاحتجاجات وكلّ المظاهر السّيئة في البلاد وكلّ أسلوب حكم يحمل في داخله بذور بقائه أو انهياره، فلا يمكن انتظار نتائج صحيحة بمقدّمة خاطئة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×