الرئيسية / صوت العالم / الثورة والثورة المضادة في السودان وتونس: نقاط التقاطع، نقاط الأمل
الثورة والثورة المضادة في السودان وتونس: نقاط التقاطع، نقاط الأمل

الثورة والثورة المضادة في السودان وتونس: نقاط التقاطع، نقاط الأمل

علي الجلولي

يعرف السودان الشقيق منذ أسبوع أحداثا جساما ومنعرجا في المسار الثوري الذي انطلقت حلقته الأخيرة في ديسمبر 2018 وأطاحت بحكم عمر البشير الذي جمع أسوأ وأفظع سمات الحكم في عصرنا ومنطقتنا، فهو حكم عسكري نتج عن انقلاب ضباط منذ 1989 استمر من خلاله عمر البشير حاكما فرديا طيلة ثلاثة عقود، وهو أيضا حكم إخواني احتكم لرؤية الإخوان المسلمين وارتبط بهم ونفذ مشروعهم الرجعي القروسطي والذي لم ينعكس على السودان إلا بمزيد الفقر والبؤس وتمزيق النسيج الاجتماعي الذي انتهى بالبلاد إلى الانقسام بين شمال مسلم وجنوب مسيحي (في أغلبية كليهما)، وانتهى بالشمال إلى التفكك العرقي والطائفي والحروب الأهلية التي ثبّتت معادلة أنّ السودان هو من أثرى البلدان العربية والإفريقية من جهة مقدراته وهو من أكثرها فقرا وجوعا من جهة الواقع. وقد كان الجوع والفاقة هو القادح لانتفاضة الرغيف التي انطلقت شتاء 2019 ليقابلها نظام البشير كالعادة بالحديد والرصاص لكن إرادة شعب السودان العظيم انتصرت وقوّضت حكم الطاغية. 

قصّة السودان مع العسكر

ولئن تمكنت الثورة الشعبية السودانية من دكّ النظام الدكتاتوري وضرب رأسه، فإنها لم تقدر على ضرب كل أسس الدكتاتورية وخاصة جهازها العسكري الذي التجأ إليه الشعب الأعزل لحمايته من رصاص ذات الجهاز وكانت اعتصامات ميدان القيادة العامة التي سقط فيها مئات الشهداء برصاص المؤسسة العسكرية، لكن تطور الأوضاع انعكس على النظام بانقسامه فقام العسكر بحسم موضوع السلطة لصالحه وأعلن الإطاحة بالبشير و “الانتصار للشعب”. وقد فرضت يقظة الشعب إزاحة جزء من رموز الاستبداد في عهد البشير وخاصة وزير دفاعه الذي وضع يده على السلطة الجديدة، لكن الأمر لم يتجاوز ساعات تدخلت فيها المؤسسة العسكرية مرة أخرى لاستيعاب الوضع الجديد من خلال تكليف عبد الفتاح البرهان قائد الأركان برئاسة المجلس العسكري الذي استلم السلطة. في تلك الأوضاع تحركت القوى الثورية التي قادت مسار الثورة منذ بدايته ممثلة في تحالف “قوى الحرية والتغيير” الذي يضم أهم فعاليات المعارضة الديمقراطية التي كافحت مع بعضها عقودا، وكذلك “تجمع المهنيين السودانيين” الذي يضم أهم الاتحادات النقابية والمهنية مثل الطلبة والمحامين والمهندسين والأطباء….، إضافة إلى الفاعل الميداني النشيط وهو “تنسيقيات لجان المقاومة” المنتشرة في أهم المدن والأحياء والتي تشكلت منذ سنوات في معمعان النضال ضد نظام البشير. لقد رفضت هذه القوى سرقة الثورة من قبل من قامت ضدهم وانفتح مسار ثوري جديد انتهى باتفاق اقتسام السلطة بين العسكر والقوى المدنية، وهو اتفاق فرضته موازين القوى وخاصة الدور الانتهازي لبعض القوى الوازنة التي التحقت متأخرة بالثورة (حزب الأمة أساسا…) وكذلك تذبذب وارتباك بعض القوى المناضلة مثل حزب البعث والناصريين الذين قبلوا بنصف الحل واقتسام السلطة مع الجيش الذي لم يتوان عن توجيه رصاصه للثوار. وانطلق المسار السياسي  الذي لم ينته فقط باتفاق اقتسام السلطة في إطار “مجلس السيادة” ذي التركيبة المشتركة العسكرية والمدنية، بل انتهى أيضا إلى انقسام المكون المدني ممثلا في “قوى الحرية والتغيير” إذ انسحبت بعض القوى الرافضة لتواجد العسكر وخاصة هيمنته على المجلس من خلال المهمات التي واصل احتكارها وعلى رأس هذه القوى الحزب الشيوعي، وأيضا تجمع المهنيين ولجان المقاومة التي رفضت أيّ مساومة مع المؤسسة العسكرية التي كانت على الدوام عنوانا لاضطهاد الشعب وإذلاله. 

 لقد تصرف الثوار السودانيون عموما بحكمة وحنكة في بلد ممزق وفيه فوضى السلاح وأجزاء مهمة من أرضه محكومة من عصابات وأمراء حرب ظلوا يحتكمون للقبيلة والعرق ويضعون يدهم على أجزاء مهمة من مقدرات البلاد مثل النفط شرقا وجنوبا، والموانئ على ضفاف البحر الأحمر، والحدود مع 6 بلدان يعيش أغلبها حروبا بما يحول الحدود إلى فضاء شاسع للتجارة الموازية والتهريب والإرهاب…، ورغم الانسحاب من هيئات الحكم الجديد والأطر المساندة لها خاصة بعد انخراط الجزء المشارك من قوى الحرية والتغيير في منطق اقتسام الكعكة والمواقع، فإنّ القوى الثورية ركزت معركتها مع المكون العسكري الممثل الواقعي للدولة العميقة وللمصالح الطبقية الرجعية التي ظلت تنهب السودان، وقد برز هذا المكون تدريجيا باعتباره الحاكم الفعلي والمتحكم في القرارات الأساسية بما فيها الشروع في التطبيع مع الكيان الصهيوني تحت إشراف مصري/إماراتي/سعودي، وكذلك إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة من موقع التابع والمنفذ الذليل لأجل سحب اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، هذه القائمة التي ظلت الولايات المتحدة تعتمدها معيارا لسياساتها وعلاقاتها الخارجية القائمة على الإخضاع. علما وأنّ المكون العسكري ضمّ في صفوف ممثليه عناصر أيديها ملطخة بداء السوادنيين مثل البرهان الذي خدم سنوات رئيسا للجنة الأمنية ذات اليد الطولى في القمع والقهر وهي التي جمعت كل أجهزة القمع العسكري والأمني، وكذلك “حميدتي” الرجل الثاني الذي ارتبط اسمه بعصابات “الجنجويد” التي نظمت الإبادة العرقية في إقليم دارفور ثم في كل السودان حتى خارجه إذ تحولت هذه العصابات شبه النظامية إلى مرتزقة في ليبيا واليمن والصومال، و”حميدتي” كما يعرفه السودانيون هو رمز للنفوذ السياسي والاجتماعي  من خلال عائلته الثرية والمتنفذة.

ولئن نص الاتفاق السياسي على تقسيم الفترة الانتقالية التي تمتد على ثلاث سنوات إلى جزأين، الأول بقيادة عسكري (هو البرهان) وثاني ينطلق في نوفمبر 2021 بقيادة الشق المدني ويستمر عاما ونصف ينتهي بتنظيم انتخابات عامة تحول السلطة كليا إلى المدنيين بعد استكمال بعث المؤسسات الانتقالية وهي أساسا المحكمة الدستورية والبرلمان التأسيسي الذي يصوغ الدستور الجديد. ولما اقترب موعد تسليم السلطة بدأ المكون العسكري في بعث رسائل التراجع بما في ذلك تحريك بعض الملفات وبعض الجهات لإرباك عملية التحول. وقبل موعد التسليم بأيام قليلة تحركت المدرعات فجر يوم 25 أكتوبر لإيقاف العملية السياسية وإحالة كل مقود الحكم للعسكر بحكم “فشل المكون المدني” الذي تم إيقاف العديد من مسؤوليه بمن فيهم رئيس الحكومة عبدالله حمدوك الذي لازال إلى الآن قيد الإقامة الجبرية مع أهم وزرائه.

السلطة هي محور الصراع

لقد هدفت ثورة الشعب السوداني إلى افتكاك السلطة لصالح الشعب ، ولئن نجحت في إسقاط رأس النظام فإنّ النظام لم يسقط وهو الحال في تونس. لقد تم خلع البشير وبن علي بفعل ثورات شعبية عارمة، لكن كلمة الحسم والتوقيع النهائي لطورها الأول لم يكن بيد الثوار ولا تعبيراتهم السياسية والتنظيمية، لقد كان توقيع الخلع بيد فاعلين آخرين من الأنظمة التي ثارت ضدها الشعوب، لقد أعلن عن إسقاط البشير وزير دفاعه أحمد عوض بن عوف  (وهو في الآن ذاته صهره) ثم تولى الأمر البرهان أحد رموز النظام السابق، وأعلن عن فراغ موقع بن علي وزيره الأول محمد الغنوشي، وعوضه رئيس برلمانه فؤاد المبزع. وفي البلدين لم تكن القوى الثورية قادرة على أكثر مما فعلت، فقد كانت منهكة وضعيفة، صحيح أنها التحمت بالثورة منذ أول لحظاتها وصحيح أنها آمنت بها وعملت من أجلها وضحت وكافحت ودفعت الفاتورة، لكنها في اللحظة الحاسمة لم تكن جاهزة ومهيأة للعب الدور القيادي الحاسم. في إطار ذلك تسللت قوى أخرى وطبعت الأحداث والتطورات بطابعها، هذه القوى كانت في أغلبها قوى إصلاحية ورجعية وهو ما خلق مساحات واسعة للنظام القديم طبقات وخيارات وتنظيمات وحتى فاعلين، أن يرتب بيته القديم ويعدل ساعته على المستجدات ويركب الموجة ويتربع على المشهد، وهو تقريبا ما وقع في تجربتي السودان وتونس. هاتان التجربتان اللتان كانت الأكثر قربا للمسارات الثورية التي طمحت لها الشعوب العربية والتي لوثتها الرجعية المحلية والإقليمية والدولية وانتهت إلى حروب أهلية وتدمير ممنهج للبلدان والمجتمعات مثلما صار في ليبيا وسوريا واليمن. لقد خلق السودان وتونس أملا للحركة الثورية، ففي البلدين لعبت القوى التقدمية السياسية والنقابية والمدنية، ولعب الشباب وخاصة النساء (الكنداكات في السودان والحرائر في تونس) دورا نشيطا وفاعلا رغم حجم الإمكانيات التي تتمتع بها الرجعية والدولة العميقة. ورغم ضراوة المعارك ضد العسكر وأمراء الحرب والمنظومة المجتمعية الرجعية في السودان، وضد حركة النهضة وسلالات الدولة العميقة والنظام القديم في تونس (من حزب النداء إلى الحزب الدستوري الحر)، ورغم أهمية المكاسب المحققة هنا وهناك على درب دك الاستبداد والدكتاتورية، فإنّ المعركة مازالت متواصلة طالما لم يتم حسم مسألة السلطة التي تبقى قلب الرحى في كل المعارك الطبقية والسياسية. وإنّ مواصلة المسك واحتكار السلطة من قبل الطبقات والقوى الرجعية في البلدين يعني أنّ مسارا من النضال المعقد يجب خوضه، فالرجعية المحلية لا تتحرك منعزلة عن مصالح الرجعية الإقليمية والدولية، فتونس مثل السودان هما أكثر من أيّ وقت مضى مسرحان لتدخلات واضحة وسافرة، فقبل ساعات من تنظيم انقلاب البرهان كان “فيلتمان” في الخرطوم، ولمن لا يعرف  ” فيلتمان” فهو عراب السياسة الأمريكية في المنطقة والماسك بكل التفاصيل والخيوط، والأشقاء في لبنان وفلسطين يذكرون تدخلاته السافرة في تفاصيل التفاصيل حتى لحياة الأحزاب المحلية. كما أن الترحيب الواسع ب”الحركة التصحيحية” السودانية في الكيان الصهيوني كاف لوحده لرفض هذه الحركة/الانقلاب ومناهضتها وهو ما قام به أحرار السودان وحرائرها.

*الانقلابات منافية لتطلعات الشعوب.

لاحظ العديد من الفاعلين والمراقبين التشابه الكبير لخطاب منفذي انقلابي تونس والسودان. فكليهما انزعج من توصيف حركته بالانقلاب واعتبر أن الانقلاب لا يقوم به الحكام فلا يعقل أن ينقلب الحاكم على نفسه، وفي هذا القول مغالطة كبرى لان الانقلابات في السابق وفي الحالتين التونسية والسودانية، قام به شق من منظومة الحكم ضد شق آخر. المنظومة في تونس مدنية لكن الصراع بين مكوناتها بلغ درجة كسر العظام وكان منتظرا، بل حتميا أن يحسم أحدهما الصراع بوسائل غير مدنية أي اعتمادا على الأجهزة العنيفة للدولة (العسكر والبوليس)، و هو ما فعله قيس سعيد الذي قاد حملة مركزة قبل تحركه بأشهر مفادها أنه رئيس القوات المسلحة العسكرية والأمنية، وليس فقط العسكرية كما ذهب لذلك خصومه من منظومة الحكم (الأغلبية البرلمانية والحكومة)، لذلك كان بلاغه مساء 25 جويلية من داخل اجتماع جمعه بقادة الأمن والجيش مزدانين ببزاتهم العسكرية، في الآن ذاته قامت هذه الأجهزة بتنفيذ كل الأوامر الاستثنائية التي قررها سعيّد. أما المثال السوداني فهو أقرب للأمثلة الكلاسيكية التي عاشتها العديد من البلدان العربية والإفريقية في تاريخها المعاصر. فيما كان انقلاب سعيد أقرب ل”النموذج التونسي” في الانقلاب، أي الانقلاب الأبيض والسلس والناعم أي دون بزات عسكرية لرأس الانقلاب مثل الانقلاب الطبي سنة 1987 الذي تم اعتمادا على تأويل الدستور، وهو ما اتجه إليه سعيّد الرئيس المنتخب الذي لم يكن قانعا منذ ما قبل وصوله إلى قصر قرطاج بما يعطيه دستور 2014 من صلاحيات ظل يسعى لتوسيعها ودخل حربا مع بقية مكونات المنظومة الحاكمة تحت هذا العنوان لذلك كان قراره الأول والأساسي إلى الآن هو مسك كل الصلاحيات وقد مثل إصدار الأمر 117 ليوم 22سبتمبر 2021 ذروة تكريس هذا التوجه وهذا الطموح، فتحت عنوان “الحركة التصحيحية” وتخميرة الخطاب الشعبوي والأخلاقوي المدعي للتعفف والطهورية والزهد، تُحتكر اليوم كل السلطات بما أعاد تونس لما قبل دستور 1861 الذي قنن “المجلس الأكبر” كهيئة استشارية،  و مع أنه قد أصبح لدينا اليوم “الحاكم بأمره” بالتمام والكمال، فان إجراء واحد لصالح الشعب والوطن لم يصدر حتى الآن، وأن الملفات الكبرى التي بنى الخطاب الشعبوي القيسوني “مشروعيته” حولها لم تفتح وليس ثمة من مؤشر واحد على إمكان فتحها عدا الجمل الطنانة التي تبثها صفحة الرئاسة بمناسبة مقابلته لأي مسؤول. وهاهي ثلاثية تُطوى والبلاد على حافة الإفلاس والشعب على أبواب المجاعة. ثلاثية تنقضي دون أي بصيص لأمل سعى أنصار سعيد ومفسرو خطاباته إلى زرعه ولو بكثير من التعسف على الوقائع العنيدة.

 كما اتجه خطاب الانقلاب في كلا البلدين إلى ادعاء أن القرار محلّي بالتمام والكمال، وهو ما تفنده الوقائع والمعطيات، فالبرهان مرتبط ارتباطا عضويا وحتى وظيفيا بالرجعية الإقليمية وأساسا المحور المصري/السعودي/الاماراتي، وعلاقته المتينة غير خافية بالكيان الصهيوني، والأخبار القادمة من السودان تؤكد أنه كان يتواصل مع مبعوثي الكيان في الخرطوم دون علم المكون المدني وأجزاء من العسكر ويتخذ القرارات الخاصة بكل أشكال التطبيع بل هو متسرع في تنفيذها. كما أن معلومات تروج أن أعضاء  عسكريين من مجلس السيادة قد زاروا القاهرة ساعات قبل التحرك وهو ما راج أيضا حول الإسناد المباشر لتحرك سعيد في تونس يوم 25 جويلية من قبل النظام المصري فضلا عن الإماراتي. وليس خاف على أحد سياسة مصر في المنطقة وهي التي ظل حكامها منذ زمن بعيد ينظرون للسودان على أنها حديقة خلفية، كما أن سياستها اليوم مع السيسي في المنطقة “الشرق أوسطية” والشمال افريقية هي سياسة اللاعب الإقليمي الصاعد الذي يجب أن يكون حاضرا في مختلف المعادلات الجيو-بوليتية وهو ما يفسّر الدور المصري في ليبيا والاتجاه نحو لعب دور نشيط في منطقة المغرب و تونس أساسا. تونس التي ناقش سعيد تفاصيل أوضاعها مع كل مندوبي الدول والمؤسسات الخارجية (كي لا نقول الامبريالية مراعاة لمشاعر أنصاره) إلا مع الشعب التونسي وفعالياته من أحزاب ومنظماته ، وحتى “الحوار” الذي ينوي تنظيمه (بضغط خارجي أساسا) فسيكون مع الشباب والشعب وعبر المنصات الالكترونية(؟؟؟).

نقطة فاقعة تجمع البرهان بسعيد وهي معاداة الأحزاب واعتبارها المسؤولة عن الفساد والخراب وإضاعة الوقت في الصراعات حول المواقع، هكذا دون تفريق ولا تدقيق ولا تنسيب للأمر، والأحكام التعميمية كما نعلم هي أحد أهم ميزات خطاب المغالطة. وفي الحالتين ثمة استثمار لحالة السخط والإحباط من أحزاب الحكم (وخاصة في تونس) لإقناع الجماهير الواسعة أن المسؤول عن بؤسها هي هذه الأحزاب، وليس الخيارات الطبقية والسياسية لأحزاب بعينها هي أحزاب البرجوازية باعتبارها الطبقة المهيمنة، وأن تعبيرات الشعب الكادح بما فيها الأحزاب والنقابات والمنظمات لا مسؤولية لها في تدهور أوضاع البلاد والناس. إن العداء للحزبية يؤسس لتصحير الفضاء العام الذي لا يفيد إلا الفاشية بنزعاتها ومظاهرها المختلفة، العسكرية منها مثل السودان بادعاء أن الحل الوحيد لإنقاذ البلاد هو حكم العسكر، والمدنية منها بادعاء أن إنقاذ تونس يتم عبر “الديمقراطية القاعدية على قاعدة الاقتراع على الأفراد واعتماد القرعة لتشكيل التمثيل الوطني” وهو اتجاه فوضوي ستكون له تبعات مدمرة للبلاد ونسيجها المدني .

إن فشل منظومتي الحكم في تونس والسودان لا يستحق مجهودا خارقا للتدليل عليه، فالأمر فاقع وظاهر، فأوضاع الجماهير التي انتفضت وثارت لم تتغير فعليا وان تغيرت فنحو الأسوأ خاصة في ما يهم المعيشة والقوت والشغل باعتبارها المقومات الأساسية للكرامة البشرية، وحتى منجز الحريات على أهميته وضرورته فانه تعرض ولا يزال للتهديد والمصادرة لان الطبقات المسيطرة لا تريد لضحاياها من الطبقات المفقرة والمهمشة أن تستفيد من مساحة الحرية العامة للاحتجاج وتنظيم الرفض والمقاومة، لذلك ثمة اليوم مجهودات كبرى تبذل من قبل الأبواق الإيديولوجية للنظامين للربط بين الحرية والفوضى، وليس أخطر على شعوبنا اليوم من اتساع نطاق وتأثير فكرة أننا لا نريد الحرية بل نريد القوة، وأن اتساع نطاق الحرية يضيق من مجال تدخل الحاكم، هذا الحاكم الذي يجب أن يحتكر الفضاء العام ويصادر الحريات كي يقدر على تنفيذ برنامجه. إنها فكرة خطيرة لا تؤسس إلا للفاشية والدكتاتورية، وهاهي مؤسسات سبر الآراء في تونس تنشر نتائج “استطلاعاتها” التي مفادها مساندة الأغلبية لقيس سعيد رئيسا، وللحزب الدستوري سليل حزب التجمع المخلوع، كأغلبية برلمانية. والمشترك بين سعيد وحزب الدستور هو رفض الحرية وحمل لواء الاستبداد. كما أن تنظيم اعتصام أمام القصر الرئاسي السوداني للمطالبة بإخراج المدنيين من الحكم وإحالته كليا للعسكر، لا يمكن أن يكون أساسا للديمقراطية والسيادة الشعبية، بل هو أساس لتيار فاشي متنامي يستغل سخط الشعب السوداني لتمرير الحربوشة الأخطر وهي حربوشة حكم العسكر الذي حكم السودان أكثر من نصف قرن ودمره وحرمه من كل شروط التقدم والتطور.

*من حق تونس والسودان استعادة ثورتهما.

إن استهداف تجربتي تونس والسودان يجد تفسيره في ضرورة القضاء على بصيص الأمل أمام الشعوب العربية كي تدفن آمالها في التغيير تكريسا للقاعدة الرجعية أن العرب لا يساسون إلا بالعصا. إن الحركات الثورية والتقدمية في البلدين مطروح عليها اليوم مهمات مركبة ومعقدة، فمن جهة عليهما الدفاع على فكرة الحق في التغيير والحق في الديمقراطية والحرية والحياة المدنية ضمن دساتير تحررية تكرس المساواة والعدالة والدولة المدنية القائمة على تفريق السلط والمستندة إلى المشروعية الشعبية لا إلى مشروعية العسكر ولا المنقذ . ومن حقها أيضا وأساسا تغيير الخيارات القائمة التي لم تجلب للشعبين والبلدين سوى التبعية والتفقير والتهميش، ومن حقها أيضا العدالة الاجتماعية في إطار التوزيع العادل للثروة تكريسا لمبدأ السيادتين الوطنية والشعبية. ان سيرورة الثورات الوطنية الشعبية الديمقراطية في بلداننا تتعرض اليوم للاستهداف من قبل الطبقات السائدة وحزامها الاجتماعي والسياسي والإيديولوجي، وأيضا من قبل الوعي المغلوط الذي مسّ فئات شعبية وتعبيرات فكرية وسياسية أولى أن تنحاز لشعوبها. إن الأوضاع في بلدينا وفي إقليمنا هي أوضاع معقدة وصعبة، لكن لا خيار أمام شعوبنا وقواها الثورية والتقدمية إلا الإصرار والعناد تفويتا لفرص الإجهاز النهائي على السيرورة الثورية التي قدمت فيها شعوبنا النفس والنفيس دفاعا عن غد أفضل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

واحد × واحد =

إلى الأعلى