الرئيسية / صوت الوطن / الزيادات في الأجور بين الدعاية والحاصل الصافي
الزيادات في الأجور بين الدعاية والحاصل الصافي

الزيادات في الأجور بين الدعاية والحاصل الصافي

بقلم علي البعزاوي

مقدمة

أقرّت الحكومة التونسية زيادة عامة في الأجور بنسبة 5% من الأجر الأساسي مع سريانها بمفعول رجعي ابتداء من 1 جانفي 2026، وتمتد إلى سنة 2028 وتشمل موظفي القطاع العام والقطاع الخاص والمتقاعدين. وهي تهدف حسب مزاعم الحكومة إلى “تكريس مفهوم الدولة الاجتماعية وتحسين القدرة الشرائية”. وقد أقرت الحكومة هذه الزيادة من جانب واحد مغيبة الطرف النقابي رفضا منها كما هو معلوم لأي دور للأجسام الوسيطة.

فهل لبّت هذه الزيادة انتظارات الشغالين وعالجت بالفعل تدهور القدرة الشرائية التي اهترأت كما لم يحدث في السابق، وهل كرّست بالفعل الدور الاجتماعي للدولة مثلما تزعم الشعبوية اليمينية الحاكمة؟

ما قُدِّم باليمنى يسحب باليسرى

يعيش الأجراء وعموم الفئات الشعبية على وقع الزيادات الجنونية في الأسعار التي مسّت كل السلع والمواد الحياتية للمواطن بسبب ارتفاع معدلات التضخم، وهو تضخم مستورد يعود بالأساس إلى تبعيّة الاقتصاد المحلي للدوائر الرأسمالية العالمية تمويلا وإنتاجا ويتأثر بأزماتها بأكثر حدة ممّا يحصل في دول المركز.

قبل تناول مسألة علاقة الأجور بالأسعار ومدى اختلالها لفائدة الأخيرة وتداعيات ذلك على القدرة الشرائية الحقيقية لا بدّ من الإشارة إلى ثقل الأعباء الجبائية والاجتماعية المسلطة على الأجراء بسبب ميزانية السلخ الجبائي المعتمدة وبسبب تدهور الخدمات الاجتماعية ما يضطر المواطن إلى اللجوء إلى خدمات القطاع الخاص وإلى الاقتراض والتداين لتغطية نفقات الصحة والتعليم وغيرها. ثمّ إن الزيادة في الأجور التي أُقِرّت تخضع للاقتطاع لفائدة الصناديق الاجتماعية والأداء على الدخل وهذا يؤدّي بطبيعة الحال إلى تآكلها وعدم مساهمتها في تحسين القدرة الشرائية.

إن هذه الزيادات المبتورة في الأجور عرضة أيضا للتبخر بسبب الزيادات النارية في الأسعار. والأرقام الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء تؤكد ذلك. فخلال شهر أفريل المنصرم شهدت المواد الغذائية ارتفاعا بنسبة 8.2% والغلال الطازجة ارتفاعا بنسبة 19.2% والدواجن ولحم الضأن ارتفاعا بنسبة 16.1% ولحم البقر ارتفاعا بنسبة 12% والأسماك الطازجة ارتفاعا بنسبة 11.9%… هذا إلى جانب الملابس والأحذية التي شهدت بدورها ارتفاعا بنسبة 9.3% ومواد التنظيف بنسبة 4.8%.

فماذا بقي من الزيادات الأخيرة في الأجور وهل ستساهم فعلا في تحسين القدرة الشرائية مثلما تدعي الحكومة ؟

الواضح أن هناك اختلال بين الأجور، وهي أجور بؤس من جهة وبين التكاليف الحقيقية للمعيشة المرتبطة بدورها بارتفاع الأسعار من جهة أخرى. الخلل بطبيعة الحال مزمن وهيكلي نظرا لارتباطه بالخيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة المبنية أساسا على استغلال الأجراء لتوفير أقصى الأرباح لأصحاب المال والأعمال المحليين والأجانب مقابل الضغط على الأجور وتحرير الأسعار ورفع الدعم ودهورة الخدمات التي هي سياسات وإجراءات عملية لا تغيب عن أي مشروع ميزانية.

إن الزيادات الأخيرة في الأجور مثلها مثل سابقاتها لا تعالج المسألة من جذورها ولا توفر الحد الأدنى لمعالجة التدهور المزمن في القدرة الشرائية لعموم المواطنين وهي قناعة راسخة لدى الأجراء ولدى عموم المواطنين وباتت حديث القاصي والداني.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا أقرّت الحكومة هذه الزيادات والحال أن ميزانية الدولة تعيش عجزا وهي مضطرة لمزيد التداين داخليا وخارجيا وتعبئة الموارد لتغطية العجز الحاصل ؟

الأسباب الحقيقية للزيادة في الأجور

إن الزيادات الأخيرة في الأجور مجرد ذرّ للرماد في العيون لأنها زيادات لا تغطي ولو نسبة قليلة من تدهور القدرة الشرائية الذي بات أمرا ملفتا للانتباه وليس بحاجة لأرقام ونسب للتأكد منه لأنه أمر ملموس مرتبط بظروف معيشة الأغلبية الساحقة من المواطنين. لكن الحكومة اضطرت لعدة أسباب سياسية واجتماعية وأمنية لهذه الزيادة رغم أنفها.

أولا لمواصلة التسويق لشعار الدولة الاجتماعية الذي ترفعه الشعبوية اليمينية الحاكمة بمناسبة وبدون مناسبة. وهو شعار يؤكد من وجهة نظرها انتماءها للفئات الشعبية ودفاعها عن مطالبها وانتظاراتها دون وسائط. فالشعب يريد العيش والقائد الأعلى يعرف ما يريد الشعب ويحدد حاجياته ومطالبه ونسبة الزيادات الكفيلة بتلبية حاجاته.

ثانيا لـ “كفّ الشغب” بسحب البساط من تحت أقدام أي احتجاجات ممكنة منظمة أو عفوية. والتجربة أكدت أن أخشى ما تخشاه الشعبوية اليمينية الحاكمة هو الاحتجاجات الشعبية علما وأن تدهور الأوضاع الاجتماعية في تونس المتمثل في غلاء المعيشة والتهاب الأسعار وتدهور الخدمات إلى جانب التضييق على الحريات أثار تذمر فئات اجتماعية واسعة ودفع بعضها للاحتجاج (تحركات في الشارع ووقفات – إضرابات قطاعية…).

ثالثا لسحب البساط من تحت أقدام الاتحاد العام التونسي للشغل العائد إلى الواجهة بعد نجاحه في عقد مؤتمره الأخير. إن زيادة من جانب واحد ودون تشريك المنظمة الشغيلة من شأنه بثّ الوهم حول إمكانية تجاوز هذا الجسم الوسيط. والحاكم بأمره قادر على الاستجابة لانتظارات الشغيلة دون الاستماع إلى ممثليها مهما كانت شرعيتهم وتمثيليتهم. وهو إجراء من شأنه المساعدة على تهميش وتحييد المنظمة الشغيلة وضرب أسباب تواجدها وشرعيتها. الخطوات في هذا السياق بدأت مع رفض الحوار مع المنظمة وممثليها وطنيا وجهويا وانتهى بهذه الزيادة في الأجور من جانب واحد مرورا بوقف الاقتطاع المباشر الذي كان له وقع سيء على أوضاع المنظمة المالية والإدارية.

رابعا للمساهمة في تنشيط الاقتصاد بتشجيع وتوسيع الاستهلاك الذي يعتبر أحد مقومات النهوض الاقتصادي لكن فات النظام القائم أن زيادات في الأجور بهذه النسب لا تشجع على توسيع الاستهلاك ولا تساهم بالتالي في تنشيط الاقتصاد. وكل ما يمكن أن تساعد عليه هو خلاص البعض من ديون الأجراء.

الشغيلة بحاجة إلى سياسة أجور وأسعار جديدة

الأكيد أن الشغيلة التونسية هي عصب المجتمع التونسي وإحدى مكوناته الأساسية وعنوان تقدمه أو تخلفه. فإذا كانت الشغيلة مهمشة ومحرومة ويمارس عليها الاستغلال في أبشع مظاهره لصالح أرباب العمل المدعومين سياسيا واقتصاديا وقانونيا من طرف دولة الكمبرادور فإن الأغلبية في المجتمع ستشعر بالاضطهاد والغبن وبأن الدولة ليست دولتها وستعمل بشتى الطرق على تغيير واقعها نحو الأفضل وهذا ما يتم سواء عبر المنظمات الاجتماعية أو الأحزاب التي تعبر عن مصالح هذه الأغلبية. وهذا ما يحصل اليوم في تونس ولو بطرق وأساليب بطيئة بحكم حالة الجزر العامة وضعف الأحزاب والمنظمات المعنية بالتغيير والنصيرة للأغلبية المضطهدة.

أمّا إذا كانت الشغيلة تتقاضى أجورا تراعي تكاليف العيش وتتمتع بالخدمات الأساسية الراقية من صحة وتعليم وخدمات بيئية مجانا، وهو ما يحصل في الدول الاجتماعية ويغيب عن بلادنا، فإن دورها سيكون أكثر إيجابية وستعمل على تطوير الإنتاج وخلق الثروة وبالتالي توسيع إمكانيات التشغيل وتحسين وتطوير الخدمات. وفي هكذا مناخ اقتصادي واجتماعي يشعر الشغالون بانتمائهم لهذه الدولة ويعملون جادين على الحفاظ عليها والنهوض بها.

إن الدولة التونسية الحالية لا يمكنها أن تكون نصيرة للأغلبية الشعبية لأنها ببساطة دولة في خدمة مصالح البورجوازية الكمبرادورية ومشغلي هذه البورجوازية العميلة من الدول والشركات والمؤسسات الاستعمارية. وكل الإجراءات الاجتماعية التي تتخذها ومن ضمنها الزيادات في الأجور وتحسين الخدمات تتم من زاوية الحفاظ على دولة الاستعمار الجديد وتبرير بقائها وبقاء القائمين على أمرها في السلطة. وبهذا المعنى تظل الإجراءات الاجتماعية المتخذة شكلية وغير ذات معنى ولا تلبي الحاجة.

إن الشغيلة التونسية وعموم الأغلبية الشعبية بحاجة إلى منظومة جديدة وطنية وديمقراطية وشعبية تعيد هيكلة المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا برد الاعتبار لهذه الأغلبية حتى تستفيد من خيرات بلادها وتنعم بالشغل والعيش الكريم وتتقاضى أجورا تغطي حاجياتها وتتمتع بخدمات اجتماعية راقية ومجانية وتنعم أيضا بالحرية سواء بالتعبير عن هواجسها وأفكارها أو بالانتظام في جمعيات ومنظمات وأحزاب تعبر عن مصالحها إضافة إلى حقها الأساسي في الاحتجاج السلمي الذي يضمنه الدستور والقوانين الأساسية لا المراسيم. وهذا يقتضي بدوره إعادة تنظيم الاقتصاد بما يكرس هذه الخيارات:

  • اقتصاد وطني مستقل عن كل أشكال التبعية،منتج للثروة وذو قدرة تشغيلية عالية، اقتصاد موجه لخدمة الحاجيات الأساسية للشعب قادر على ضمان الاستقلال الغذائي والاكتفاء الذاتي في كل المجالات.
  • اقتصاد يتركز أساسا في القطاعات الاستراتيجية من صناعة وفلاحة وبنية تحتية وخدمات أساسية.
  • اقتصاد يعتمد على تمويلات ذاتية مع إمكانية التعويل على الدول العربية الصديقة وخاصة الدول الجارة لتونس لبعث مشاريع مشتركة قادرة على خدمة كل الأطراف سواء من خلال توفير السلع الضرورية أو من خلال توفير الشغل لطالبيه إلى جانب الاستغناء عن التوريد الذي أصبح مكلفا سياسيا ويصعب الحصول عليه خاصة زمن الأزمات والتوترات مثلما هو حاصل اليوم.
إلى الأعلى
×