الرئيسية / صوت الوطن / العنف المدرسي في تونس: إفلاس المنظومة التربوية وأزمة الدولة
العنف المدرسي في تونس: إفلاس المنظومة التربوية وأزمة الدولة

العنف المدرسي في تونس: إفلاس المنظومة التربوية وأزمة الدولة

بقلم حمّادي المثلوثي

أصبح العنف المدرسي في تونس خلال السنوات الأخيرة من أكثر الظواهر التي تثير قلق العائلات والمربين والرأي العام. فلم تعد حوادث العنف بين التلاميذ أو ضد الإطار التربوي أحداثًا معزولة، بل تحوّلت إلى ظاهرة متكرّرة تكشف أزمة عميقة داخل المدرسة التونسية. وقد بات من المألوف سماع أخبار عن شجارات داخل المعاهد وصلت الى استعمال السلاح الأبيض في بعض الأحيان، أو اعتداءات على الأساتذة، أو تخريب للمؤسسات التربوية، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل أصبح العنف نتيجة مباشرة لفشل العملية التربوية في تونس؟

إنّ المدرسة التونسية، التي كانت في فترة من الفترات فضاءً للترقي الاجتماعي وصناعة النخب ونشر قيم الحداثة والمعرفة، تعيش اليوم أزمة متعددة الأبعاد: أزمة اقتصادية واجتماعية، وأزمة سياسية، وأزمة تربوية وثقافية، وأزمة ثقة في المستقبل وفي جدوى التعليم نفسه.

إن العنف المدرسي في تونس لم يعد يقتصر على بعض السلوكات الفردية المعزولة، بل أصبح ظاهرة يومية تتخذ أشكالًا متعددة ومتزايدة الخطورة. فهناك العنف اللفظي بين التلاميذ أو تجاه المدرسين، والعنف الجسدي داخل الأقسام أو في محيط المؤسسات التربوية، إضافة إلى ظواهر التنمر والسخرية والإقصاء الاجتماعي وتخريب الممتلكات والتجهيزات المدرسية. كما ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في ظهور أشكال جديدة من العنف الرقمي، حيث تتحول بعض الخلافات المدرسية إلى حملات تشهير وتنمر إلكتروني.

ولا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد. فارتفاع نسب البطالة والفقر والتفاوت الجهوي وتدهور القدرة الشرائية كلها عوامل ساهمت في خلق حالة من الاحتقان داخل المجتمع، انعكست بشكل مباشر على سلوك التلاميذ داخل المدرسة. فالطفل أو المراهق الذي يعيش في بيئة يسودها التوتر والعنف والحرمان يصبح أكثر قابلية لممارسة العنف أو اعتباره وسيلة عادية للتعبير عن الغضب والإحباط.

لكن الأزمة لا تقتصر على الجانب الاجتماعي فقط، بل ترتبط أيضًا بالسياق السياسي العام الذي تعيشه تونس خلال السنوات الأخيرة. فقد ساهمت حالة الانسداد السياسي وضعف الثقة في المؤسسات وتنامي الخطاب الشعبوي في تعميق حالة التوتر داخل المجتمع. فالخطاب الشعبوي، القائم غالبًا على تبسيط المشاكل المعقدة، وتأجيج الانفعالات، وتقسيم المجتمع «الشعب الصالح» و«الخصوم» أو «الأعداء»، ساهم في نشر ثقافة التشنج والعنف الرمزي. كما ساهم الخطاب السياسي القائم على التخوين ووصم المعارضين بـ«الخونة» و«المتآمرين» و«عملاء الخارج» في تعميم ثقافة الإقصاء ورفض الاختلاف، بما جعل العنف الرمزي جزءًا من الحياة السياسية واليومية. وعندما يصبح العنف اللفظي والتخوين والتحريض جزءًا من الخطاب السياسي والإعلامي اليومي، فإن المدرسة تتأثر حتمًا بهذا المناخ العام، باعتبارها جزءًا من المجتمع وليست معزولة عنه.

كما أن غياب الاستقرار السياسي وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة جعلا قطاعات واسعة من الشباب تعيش حالة من فقدان الأمل في المستقبل، وهو ما ينعكس داخل المدرسة في شكل لامبالاة أو عدوانية أو رفض للسلطة التربوية. فالمدرسة لا تستطيع أن تزرع قيم الحوار والمواطنة في مجتمع يزداد فيه الاحتقان والانقسام والتوتر السياسي.

ومن جهة أخرى، شهدت المدرسة التونسية نفسها تراجعًا واضحًا في دورها التربوي والثقافي. فقد أصبحت العملية التعليمية في كثير من الأحيان تركز على الامتحانات والأعداد والنجاح الشكلي، بينما تراجع الاهتمام ببناء شخصية التلميذ وتنمية حسه النقدي وترسيخ قيم الحوار والاحترام. وتحولت المدرسة بالنسبة إلى عدد من التلاميذ إلى فضاء للضغط النفسي والملل بدل أن تكون فضاءً للتكوين والإبداع والانفتاح.

وزادت صعوبة الوضع بسبب تدهور البنية التحتية للمؤسسات التربوية، خاصة في الجهات الداخلية والأحياء الشعبية، حيث تعاني عديد المدارس والمعاهد من الاكتظاظ ونقص التجهيزات واهتراء الفضاءات التربوية وغياب الأنشطة الثقافية والرياضية. وهذه الظروف لا تساعد على خلق مناخ تربوي سليم، بل تساهم في إنتاج التوتر والعنف والشعور بالتهميش.

وفي المقابل، شهدت العلاقة بين التلميذ والمربي تغيرا واضحا خلال السنوات الأخيرة. فقد تراجعت مكانة المدرسة وهيبة الأستاذ داخل المجتمع، وأصبح كثير من المدرسين يشعرون بالإرهاق وفقدان التقدير المعنوي، في حين ينظر بعض التلاميذ إلى المؤسسة التعليمية باعتبارها فضاءً للقمع والانضباط لا فضاءً للحوار والتكوين. كما أن اعتماد بعض أساليب العقاب أو الإهانة أحيانًا يساهم في تعميق القطيعة بين التلميذ والمدرسة.

إنّ تنامي العنف داخل المؤسسات التعليمية يكشف في العمق أزمة المنظومة التربوية نفسها. فالمدرسة لم تعد قادرة بالقدر الكافي على أداء وظائفها الأساسية المتمثلة في التربية على المواطنة، وغرس قيم المواطنة و الاحترام والتسامح، وتحقيق الاندماج الاجتماعي، وفتح آفاق مستقبلية واضحة أمام الشباب…وعندما يفقد التلميذ شعوره بالأمان والانتماء والأمل داخل المدرسة، يصبح العنف أحد أشكال التعبير عن الرفض والإقصاء.

كما أن تعدد الإصلاحات التربوية الجزئية المسقطة والمتسرعة، دون وجود رؤية وطنية واضحة وشاملة للتعليم، ساهم في تعميق الأزمة بدل حلها. فالمنظومة التربوية في تونس تحتاج اليوم إلى إصلاح حقيقي يعيد الاعتبار للمدرسة العمومية ويحسّن ظروف التعليم ويوفر الإحاطة النفسية والاجتماعية للتلاميذ، ويمنح الثقافة والرياضة والأنشطة الفكرية مكانتها داخل الحياة المدرسية.

ولا يمكن أيضًا تحميل المدرسة وحدها مسؤولية الظاهرة، لأن التربية مسؤولية جماعية تشارك فيها الأسرة ووسائل الإعلام والمجتمع بأكمله. فمقاومة العنف تقتضي نشر ثقافة الحوار والاحترام والتضامن داخل المجتمع، بدل ثقافة الإقصاء والسخرية والعنف الرمزي المنتشرة في الحياة اليومية وفي الفضاء السياسي والإعلامي.

بالمحصلة:

إنّ العنف المدرسي في تونس ليس مجرد انحراف سلوكي عابر، بل هو مرآة تعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتربوية التي تعيشها البلاد. فالمدرسة التي كانت يومًا أداة للتحرر والترقي الاجتماعي أصبحت تواجه تحديات تهدد دورها ووظيفتها الإنسانية والتربوية.

ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون فقط عبر العقوبات والإجراءات الأمنية، بل من خلال مشروع إصلاحي شامل يعيد للمدرسة التونسية دورها الحقيقي كمؤسسة لبناء الإنسان الواعي والقادر على الحوار والنقد والإبداع والمشاركة في بناء مجتمع أكثر عدالة واستقرارًا.

إلى الأعلى
×