بقلم : علي الجلولي
تمّ يوم 23 جوان التصريح بنتائج الدورة لامتحان البكالوريا والتي تقدم إليها 154.928 مترشحا في مختلف الجهات من أصل 162.435 مسجلين في بداية العام، وقد توزع المترشحون على سبع شعب دراسية، كما توزعوا على القطاعين العمومي (83%) والخاص (12%) ومترشحين فرديين (5%). وقد نجح في الدورة الأولى 55.259 مترشحا، وهو ما يمثل 35.67% من مجموع المترشحين، فيما تأجل إلى دورة المراقبة 50.236 مترشحا أي 32.43% من المترشحين، أما البقية وهم 49.433 أي 31.9 % فقد أخفقوا في الحصول على شهادة البكالوريا لهذا العام.
وفي قراءة أولية للنتائج الصادرة، في انتظار قراءة كاملة بعد الإعلان عن نتائج دورة المراقبة يوم 12 جويلية القادم، يمكن اعتبار أن النتائج عكست حقيقة الوضع التربوي والاجتماعي في بلادنا، فالأرقام العامة أو في تفاصيلها تكشف حجم الخلل الذي ينخر المنظومة التربوية على مختلف الأصعدة.
ضعف نسبة النجاح كمعضلة
إن تمكن35.67% فقط من تلاميذ البكالوريا من النجاح في الدورة الأولى هو عدد ضعيف في كل الحالات. فإذا كان هذا الامتحان الوطني منظورا إليه من زاوية كونه تتويجا لمسار تعليمي استمر لمدة 13 عاما متتالية من التعليم الأساسي فالإعدادي فالثانوي، فنجاح ثلث المترشحين فقط لا يعدّ دليلا على سلامة وضعنا التربوي، كما أن إخفاق ثلث المترشحين (31.9%) منذ الدورة الأولى يعد مؤشرا ذا دلالة يؤكد حجم الخلل الذي يمسّ النظام التربوي التونسي. إن عدد المتحصلين على شهادة البكالوريا في الدورة الأولى منظورا إليه من العدد الجملي للتلاميذ أو مقارنة بعدد الملتحقين بمقاعد الدرس منذ 13عاما، أي نسبة من تمكن من بلوغ الجامعة، فإن هذه النسبة تعتبر مفزعة لضعفها، علما وأن نسبة النجاح في البكالوريا التونسية تعتبر من أضعف النتائج عالميا، رغم اختلاف نظم التعليم والتقييم، ففي فرنسا استقرت نسبة النجاح في السنوات الأخيرة بين 85% و95%، وهو ذات الوضع في إيطاليا وألمانيا، وفي محيطنا تتراوح نسبة النجاح في البكالوريا بين 60% و70% في المغرب، وهي أقرب إلى النسب الجزائرية. وفي كل الحالات لا يعتبر ضعف النتائج دليلا على الصرامة والجدية كما يريد البعض من المسؤولين تسويقه، فمقابل النسب الضعيفة ثمة تصاعد للغش، كما أنه ثمة معطيات إحصائية مفزعة عن تدهور المستوى في اللغات وفي المواد العلمية والإنسانية.
الاختلال الجهوي كخاصية جوهرية لخارطة النجاح والفشل
ويظل الاختلال الجهوي خاصية تطال كل مناحي الحياة في بلادنا. ويعبّر هذا الاختلال عن الخلل البنيوي الجوهري والعميق الذي يطال المنوال الاقتصادي الاجتماعي. فالجهات المحرومة تتأثر نتائجها سلبا بضعف البنية الأساسية والإمكانيات المادية والبشرية. وهذه الجهات طبعا لا ينقصها لا الذكاء ولا الاستعداد للتفوق. لقد عبّرت قائمة الأوائل وطنيا في مختلف الشعب الدراسية عن مفارقة الخارطة التربوية المختلة، فقد حاز تلاميذ من ثلاث جهات في الشمال الغربي على المرتبة الأولى في شعب الآداب (جندوبة) والرياضيات (الكاف) والعلوم التقنية (سليانة)، فضلا عن المرتبة الأولى وطنيا لمجمل الشعب (الكاف). لكن كل جهات الشمال الغربي كانت في مؤخرة الترتيب وجميعها دون نسبة النجاح الوطنية. علما وأن 16 مندوبية فقط من أصل 26 تجاوزت النسبة الوطنية. والجهات العشرة هي جهات الشريط الغربي شمالا ووسطا وجنوبا، وهي تباعا: سيدي بوزيد، باجة، القيروان، الكاف، زعوان، توزر، سليانة، قفصة، القصرين وجندوبة. وقد حافظت مندوبيتا صفاقس1 وصفاقس2 على صدارة الترتيب، ومندوبية مدنين للعام الثاني على التوالي على المرتبة الثالثة. إن جهات الكوكبة الأولى ظلت تقريبا على حالها، أي جهات الساحل وتونس الكبرى والوطن القبلي مع حركية جزئية في الترتيب وتقارب كبير في النسب. علما وأن الاطلاع على ترتيب المعاهد في كل جهة يكشف أكثر بشاعة الوضع المزري، فمن جملة 32 معهدا في مندوبية قفصة، حازت 4 معاهد فقط على نسب نجاح تجاوزت النسبة الوطنية، وهي: المعهد النموذجي، معهد ابن خلدون سيدي عيش، معهد 18حانفي بالرديف ومعهد ابن راشد قفصة. ولم تتجاوز نسبة النجاح 3.33% في معهد بلخير بنجاح تلميذين فقط من أصل 60 مترشحا. علما وأن مثال جهة قفصة ينطبق على كل الجهات تقريبا بما فيها تلك التي تتصدر الترتيب، بما يؤكد حقيقة الاختلال بين الجهات، وداخل كل جهة باعتبار ذلك خاصية جوهرية لنمط التنمية الرأسمالي.
الخلل بين الشعب وانعكاساته المدمرة
يتضح هذا الخلل من خلال مؤشرين متلازمين، الأول هو التفاوت الواضح في عدد المترشحين بين الشعب، والثاني هو تفاوت نسب النجاح. أما المؤشر الأول فيكفي إلقاء نظرة على الجدول التالي لتقسيم المترشحين:

إن المعطيات الإحصائية الواردة في الجدول تؤكد وجاهة ما يروج في الوسط التربوي بكون شعبة الرياضيات مثلا تشارف على الانقراض، ولا أدل على ذلك غياب تدريسها في عديد المعاهد، كما أن تضخّم عدد منتسبي شعبة الاقتصاد والتصرف الذي يمثل ثلث المترشحين لا يعكس في الحقيقة عناية خاصة بهذا المسلك الدراسي الهام والضروري، فالوسط التربوي يعي جيدا حقيقة هذا التضخّم الذي يرتبط للأسف بضعف النتائج، كما يرتبط بتقلص آفاق عدد غير قليل من التلاميذ حين يختارون توجيههم المدرسي المرتبط أساسا بالتقييم الجزائي، ولا أدل على ما نقول سوى ضعف نسب النجاح غالبا في هذه الشعبة، ويشمل التضخّم الكمي أيضا شعبة الآداب التي تستقطب حوالي سدس (6/1) المترشحين. وللإشارة فإن شعبتي الآداب والاقتصاد أصبحتا مرتبطتين في التمثل الاجتماعي بالفشل ومحدودية الآفاق، وهما مرتبطتان عند اللفيف الأوسع من الوسط التعليمي بضعف النتائج، وهو ما تؤكده نسب النجاح التي بقدر ما تكون عالية أو في الأسوأ متوسطة في باقي الشعب، فإنها تكون محدودة في الشعبتين.
لئن تمكن 79.41% من مترشحي شعبة الرياضيات من انتزاع نجاحهم منذ الدورة الأولى، فيما تأجل 14.23%، بما يعني أن نسبة الراسبين هي 6.36% فقط. وفيما بلغت نسبة النجاح في شعبة الرياضة 70.32% وبلغت نسبة المؤجلين 26.36% بما يعني أن الرسوب لم يشمل إلا 3.32% من مترشحي الدورة الرئيسية، فإن هذه المؤشرات تنقلب رأسا على عقب في شعبتي الآداب والاقتصاد والتصرف. ففي شعبة الآداب لم يتجاوز عدد الناجحين 24.24% من المترشحين، ولم يتجاوز عدد المؤجلين 41.22%، بما يعني أن نسبة الراسبين بلغت 34.54%، أي ثلث (3/1) المترشحين. وفي شعبة الاقتصاد والتصرف لم يتجاوز عدد الناجحين في الدورة الأولى 26.22%، وقد تأجل 32.70%، بما يعني رسوب 41.08% منذ الدورة الرئيسية. أما شعب العلوم التجريبية والتقنية والإعلامية ولئن استقطبت مع بعضها حوالي 40% من المترشحين (66.647)، فإن تفاوت النتائج بينها تبدو متقاربة عموما مع أسبقية لشعبة العلوم الإعلامية بنسبة نجاح 44.02%، مع 28.51% مؤجلين، أي رسوب 27.47% (أكثر من الربع)، وهو ما يعتبر نسبة مرتفعة بمعايير زمننا الراهن، وهو ما يؤشر إلى الخلل العميق الذي يطال البنية الأساسية اللازمة لهذه الشعبة، وهو ذات الوضع لشعبتي العلوم التقنية والتجريبية، وهي شعب تستوجب مخابر ووسائل عمل خاصة تغيب أو تكاد في أغلب معاهدنا. لذلك يعتبر نجاح 42.27% فقط من مترشحي العلوم التجريبية و37.62% في العلوم التقنية نسبة محدودة ودون ما تنتظره البلاد من عقول ويد عاملة مختصة. علما وأن نسب الرسوب من الدورة الأولى طالت 27.5% من منتسبي هذه الشعب، إذ رسب منذ الدورة الأولى 27.05% من مترشحي شعبة العلوم التجريبية و27.99% من مرشحي العلوم التقنية و27.47% من شعبة علوم الإعلامية.
إن هذه القراءة في الأرقام التي رشحت عن الدورة الأولى تبيّن حجم الخلل الذي يطال المنظومة التربوية من جهة أحد مرتكزاتها الأساسية وهو التوزع حسب المسالك والشعب الدراسية باعتبارها نموذج التوزع لا لميولات المتعلمين وقدراتهم فحسب، بل أيضا لاتجاهات السياسة التربوية من جهة تجاوبها واستجابتها لحاجيات البلاد والمجتمع.
هجوم القطاع الخاص غول يهدد المدرسة العمومية
انتبه متتبعو الشأن التربوي إلى تمكّن تلميذ من التعليم الخاص (جهة بنعروس) من حيازة المرتبة الأولى وطنيا في شعبة الاقتصاد والتصرف، وهي سابقة نعتقد أنها ستتكرر كثيرا في المستقبل القريب بعد الغزو الكبير الذي باتت تشكله المعاهد “الراقية” (hight school) والتي تستقطب جزء متناميا من نخبة التلاميذ من ذوي الإمكانيات المادية العالية وحتى المتوسطة، وهي ظاهرة باتت تتمدد في أغلب جهات البلاد، وباتت تنافس جديا المؤسسة العمومية في النتائج. وبطبيعة الحال فإن هذا القطاع الطفيلي يتغذى من أزمة المدرسة العمومية التي باتت عاجزة عن تأمين مستوى تمدرس محترم على مختلف الأصعدة (البنية التحتية،الانضباط…)، علما وأن نسبة متصاعدة من الناجحين في امتحان البكالوريا والذين يتعرضون لغربال مناظرة التوجيه الجامعي، يلتحقون بالتعليم الجامعي الخاص خاصة في الشعب شبه الطبية والهندسية والتقنية والتكنولوجية التي باتت تنتصب في قلب كل المدن الكبرى وتستقطب الآلاف شريطة القدرة على الدفع.
وفي المحصلة فإن نتائج الدورة الرئيسية لامتحان البكالوريا كشفت مرة أخرى عن تعمّق مرض المدرسة العمومية، واستفحال أزمة منظومة التعليم التي باتت في وضعية معقدة متظافرة مع ما تعرفه البلاد من خلل يمسّ كل جونب حياة التونسيين.
صوت الشعب صوت الحقيقة
