الرئيسية / عربي / بعد سنوات من المبادرات المحلية والدولية والأممية.. هل تقترب الأزمة الليبية من الحل؟
بعد سنوات من المبادرات المحلية والدولية والأممية.. هل تقترب الأزمة الليبية من الحل؟

بعد سنوات من المبادرات المحلية والدولية والأممية.. هل تقترب الأزمة الليبية من الحل؟

بقلم سمير جراي

بعد سنوات من الانقسام، وتعدد المبادرات المحلية والدولية، تبدو ليبيا اليوم أمام مشهد سياسي مختلف عن السنوات الماضية. فبينما اعتاد الليبيون على مبادرات أممية وإقليمية ودولية تنتهي غالبا إلى الفشل أو التعثر، تتقاطع في هذه المرحلة ثلاثة مسارات سياسية رئيسية، لكل منها أدواته ورؤيته وأهدافه.

الأول تقوده بعثة الأمم المتحدة عبر الحوار المهيكل، والثاني يتمثل في لجنة الحوار المصغرة (4+4) التي حققت خلال الأيام الماضية تقدماً ملحوظاً في تونس، أما الثالث فهو المسار الأمريكي الذي يقوده مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، والذي بات يثير اهتماماً متزايداً داخل ليبيا وخارجها.

ويبقى السؤال الأهم: هل اقتربت ليبيا فعلا من إنهاء أزمتها؟ أم أن ما يحدث مجرد جولة جديدة من التنافس بين المبادرات الدولية؟

ثلاثة مسارات تتحرك في وقت واحد

للمرة الأولى منذ سنوات، لا تتحرك العملية السياسية في ليبيا عبر مسار واحد، بل عبر ثلاثة مسارات متوازية.

الأول هو المسار الأممي التقليدي الذي تقوده الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه، والذي يقوم على الحوار الوطني المهيكل، ومحاولة بناء توافقات واسعة تشمل مختلف القوى السياسية.

أما المسار الثاني، فهو لجنة الحوار المصغرة (4+4)، التي جاءت كآلية أكثر عملية لمعالجة الملفات الفنية التي عطلت الانتخابات، وعلى رأسها القوانين الانتخابية واستكمال تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. وقد أعلنت البعثة الأممية هذا الأسبوع أن اللجنة توصلت إلى توافق بشأن قانون الانتخابات الرئاسية، بعد أن كانت قد أنجزت سابقا تفاهمات حول قانون الانتخابات البرلمانية، وهو تطور يُعَدّ من أهم الإنجازات السياسية منذ سنوات.

ويبقى المسار الثالث، وهو الأكثر إثارة للجدل، المبادرة الأمريكية التي يجري العمل عليها بقيادة مسعد بولس، والتي تقوم على فكرة مختلفة نسبيا، إذ لا تبدأ بالانتخابات، وإنما بتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية أولا، ثم الانتقال تدريجيا إلى بناء نظام سياسي جديد وصولا إلى انتخابات نهائية.

لماذا تختلف المبادرة الأمريكية؟

إذا كانت أغلب المبادرات السابقة ركزت على إجراء الانتخابات باعتبارها نقطة البداية، فإن المقاربة الأمريكية تبدو معاكسة تقريبا.

فوفق التسريبات المتداولة، تنطلق الخطة من الاعتراف بواقع الانقسام القائم، والعمل على إدارة هذا الواقع عبر تقاسم منظم للسلطة بين القوى الرئيسية، بدلا من محاولة تجاوزه دفعة واحدة.

ويرى مؤيدو هذه الفكرة أن جميع المبادرات السابقة اصطدمت بحقيقة بسيطة، وهي أن الأطراف الليبية لم تكن مستعدة للتخلي عن نفوذها مقابل انتخابات غير مضمونة النتائج.

ومن هنا جاءت المقاربة الأمريكية القائمة على منح جميع القوى الرئيسية ضمانات سياسية وأمنية قبل الانتقال إلى أي استحقاق انتخابي.

لكن هذا الطرح نفسه يثير انتقادات واسعة، إذ يعتبر معارضوه أنه قد يكرس مبدأ المحاصصة ويمنح شرعية دائمة للنخب السياسية والعسكرية الحالية، بدلا من إعادة السلطة مباشرة إلى الشعب عبر الانتخابات.

لماذا قد تنجح هذه المبادرة الآن؟

هناك عدة عوامل تجعل البعض يعتقد أن الظروف الحالية تختلف عن السنوات الماضية.

أول هذه العوامل هو تغير الموقف الأمريكي. فواشنطن تبدو هذه المرة أكثر انخراطا من أي وقت مضى، ليس فقط دبلوماسيا، وإنما أيضا عبر اتصالات أمنية واستخباراتية مباشرة مع مختلف الأطراف الليبية والإقليمية.

كما أن التحركات المتزامنة لرؤساء أجهزة الاستخبارات الإيطالية والتركية والمصرية بين طرابلس وبنغازي خلال الأيام الماضية أعطت انطباعا بأن هناك تنسيقا دوليا واسعا يجري خلف الكواليس لدعم أي تسوية محتملة.

العامل الثاني يتمثل في الإرهاق الداخلي. فبعد سنوات طويلة من الانقسام، أصبحت غالبية القوى السياسية تدرك أن استمرار الوضع الحالي يهدد الجميع اقتصاديا وأمنيا.

أما العامل الثالث فهو التقارب النسبي في ملفات كانت تمثل سابقا خطوطا حمراء، مثل الميزانية الموحدة، واتفاقات التنمية، والتنسيق العسكري المحدود، والتقدم في ملف القوانين الانتخابية.

كل ذلك يجعل البيئة السياسية أقل توترا مما كانت عليه قبل سنوات.

لكن… هل يكفي ذلك؟ الإجابة ليست بسيطة، وفيها تعقيدات كثيرة، فالمشكلة الليبية لم تكن يوما غياب المبادرات، بل غياب الإرادة السياسية لتنفيذها.

وقد شهدت البلاد منذ عام 2011 عشرات المؤتمرات والاتفاقات، من الصخيرات إلى برلين وتونس وجنيف وغيرها، لكن معظمها تعثر عند مرحلة التنفيذ.

ولهذا فإن نجاح أي مبادرة جديدة لن يتوقف على جودة نصوصها، بل على استعداد الأطراف الليبية لتقديم تنازلات حقيقية.

وهنا تبرز نقطة مهمة، فحتى الآن لا تزال تفاصيل المبادرة الأمريكية غير معلنة رسميا، وما يتم تداوله يعتمد أساسا على تسريبات ومصادر مطلعة، وهو ما يترك مساحة واسعة للتأويل والجدل.

من يستطيع تعطيل المبادرة؟

رغم الزخم الدولي، فإن أي مشروع سياسي في ليبيا يظل رهينة مواقف الفاعلين المحليين.

فبعض القوى ترى أن المبادرة الأمريكية قد تقلص نفوذها السياسي، بينما تخشى أطراف أخرى أن تؤدي إلى إعادة توزيع السلطة بصورة لا تخدم مصالحها.

كما أن هناك اعتراضات على فكرة تقاسم السلطة باعتبارها قد تؤجل الاحتكام المباشر إلى صناديق الاقتراع.

ولا يمكن أيضا تجاهل أن التنافس الدولي نفسه قد يمثل أحد أبرز عوامل التعطيل إذا لم تستطع القوى الخارجية الحفاظ على توافقها الحالي.

هل أصبحت الانتخابات أقرب؟

المثير للاهتمام أن المسارات الثلاثة، رغم اختلافها، تلتقي عند نقطة واحدة، وهي ضرورة الوصول في النهاية إلى انتخابات عامة. فاللجنة المصغرة تعمل على إزالة العقبات القانونية أمام الانتخابات. والبعثة الأممية تسعى إلى بناء توافق سياسي أوسع. أما المبادرة الأمريكية فتطرح حكومة موحدة ومؤسسات موحدة كمرحلة انتقالية تسبق الانتخابات. وبذلك، فإن الخلاف الحقيقي لم يعد حول مبدأ الانتخابات، وإنما حول الطريق المؤدي إليها.

هل المبادرة الأمريكية هي الفرصة الأخيرة؟

قد يكون من المبكر وصفها بأنها الفرصة الأخيرة، لكنها بلا شك تمثل واحدة من أكثر المبادرات طموحا منذ سنوات.

فهي تحظى، وفق المعطيات الحالية، باهتمام أمريكي مباشر، وبتفاعل من عدد من الدول المؤثرة، كما تتزامن مع تقدم نسبي في المسار الأممي، وهو ما قد يجعلها أكثر قابلية للحياة مقارنة بمحاولات سابقة. لكن في المقابل، فإن نجاحها سيظل مرهونا بثلاثة شروط أساسية:

أولها، استمرار التوافق الدولي وعدم تحوله إلى صراع نفوذ جديد. وثانيها، قبول الأطراف الليبية بتنازلات متبادلة بعيدا عن منطق الغلبة وثالثها، تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات تنفيذية ضمن جدول زمني واضح وملزم.

بين الواقعية والمخاوف

قد تكون المبادرة الأمريكية أقرب إلى الواقعية من حيث اعترافها بموازين القوى القائمة، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات مشروعة حول مستقبل الديمقراطية، وحدود تقاسم السلطة، وإمكانية إنتاج نخبة سياسية جديدة بعيدا عن الوجوه التقليدية.

كما أن نجاحها، إن تحقق، لن يكون بالضرورة نهاية للأزمة، بل قد يكون بداية لمرحلة انتقالية جديدة تحتاج إلى إدارة دقيقة حتى لا تتحول إلى محطة أخرى في سلسلة المراحل الانتقالية التي عرفتها ليبيا طوال السنوات الماضية.

وفي النهاية، تبدو ليبيا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، فإما أن تنجح المسارات المتوازية ـ الأممية والأمريكية والليبية ـ في الالتقاء عند نقطة مشتركة تؤسس لدولة موحدة ومؤسسات مستقرة، وإما أن تعود البلاد إلى دائرة الانقسام التي استنزفتها لأكثر من عقد.

والأكيد أن الأشهر القليلة المقبلة ستكون حاسمة، لأنها ستكشف ما إذا كانت التحركات الدولية الحالية تمثل بداية حل حقيقي، أم مجرد محاولة جديدة ستضاف إلى قائمة المبادرات التي لم تكتمل.

إلى الأعلى
×