بقلم : عمر الهمامي
لم يعد زحف “الحشرة القرمزية” المدمّر في أريافنا المفقّرة مجرّد آفة بيئية عابرة أو أزمة جهوية معزولة، بل استحال اليوم رسميا نكبة وطنية عارمة، ومأساة طبقية وجريمة تقصير مكتملة الأركان تضاف إلى سجلّ السياسات الفاشلة التي تنتهجها سلطة القرار ضد سيادتنا الغذائية وأرزاق كادحينا. فبين عشيّة وضحاها، امتدّ الوباء كالنار في الهشيم ليعلن خارطة بؤس ممتدة من حقول القيروان والقصرين إلى تلال باجة وأريافها، محوّلا حقول التين الشوكي – التي كانت شريان الحياة الاقتصادي وملاذ الأمن الغذائي والعلَفي الأخير لآلاف العائلات الفلاحية المفقرة – إلى أرض محروقة وهياكل نخرة ميتة، في حين تحوّل ليل البروليتاريا الريفية وسكان المداشر في طول البلاد وعرضها إلى كابوس حقيقي، بعد أن داهمت جحافل الآفة غرف النوم ومضاجع الأطفال مستغلة “الحلول السلحفاتية” لوزارة الفلاحة.
رأس المال يُهجّر الفلاح.. والوباء يلتهم “بترول الفقراء“
على مدى عقود، صمد “الهندي” كخط دفاع وحيد في وجه قسوة المناخ وجفاء الدولة، ولُقّب عن جدارة بـ“بترول الفقراء” و“سلطان الغلة” نظرا لكونه مصدر رزق موسمي أساسي وعلفا مجانيا لمواشي صغار المزارعين. اليوم، يواجه الفلاح التونسي مكسور الجناح معركة بقاء غير متكافئة أمام طوابير من “الضلف” المتعفن الذي كسا الربوع بلون أبيض كئيب، ليجد صغار المنتجين أنفسهم بين مطرقة تراكم الديون وسندان الإفلاس والجوع المحدق، بعد أن تخلت السلطة عن واجبها الحمائي والدعم اللوجستي، تاركةً إياهم يواجهون الموت الاقتصادي بمفردهم دون آليات تعويض أو مساندة ميدانية فعلية ترتقي لحجم هذه النكبة الوطنية الشاملة.
غزو البيوت وليالي الرعب: عندما يُسلب الكادحون أبسط حقوق السكينة
الكارثة لم تحبس نفسها في حدود الحقول، بل امتدت لتلتهم السلم الاجتماعي والسكينة اليومية داخل المنازل، حيث تعيش الأرياف المنسية على خطى القيروان والقصرين وصولا إلى الشمال شكلا قسريا من حظر التجوال الليلي. مع هبوط الظلام، يضطر الأهالي لإطفاء كافة الأنوار وإغلاق النوافذ بإحكام لمنع تسلل أسراب الذكور المجنحة المنجذبة للضوء، مما يفرض عليهم قضاء ليالٍ طويلة في عتمة خانقة وأرق دائم خوفا من اللسعات والنهش المتواصل لأجساد الأطفال. هذا الجحيم اليومي والتوتر النفسي المتصاعد يبرزان عمق الهوة بين شعارات السلطة المركزية والواقع المرير لمواطنين باتوا يعيشون “حصارا بيولوجيا” ينتهك حرمة مساكنهم، مستخدمين مبيدات تقليدية بدائية لا تسمن ولا تغني من جوع أمام زحف الوباء العابر للمدن.
وعود “الدعسوقة” الفاشلة والارتجال الإداري الممنهج
تتعالى صيحات الاستنكار من المكاتب النقابية الفلاحية وممثلي الشغيلة، تنديدا بالبروتوكولات الارتجالية والشحيحة لوزارة الفلاحة ومندوبياتها الجهوية التي وقفت عاجزة أمام تمدد الوباء من وسط البلاد إلى شمالها. ورغم الدعاية الإعلامية المرافقة لإطلاق دفعات من “الدعسوقة المفترسة” كآلية مكافحة بيولوجية، إلاّ أنّ سرعة انتشار الآفة فضحت عقم الآلة الإدارية وبطء حركتها الميدانية مقارنة بتسارع الوباء الذي يكتسح الغطاء النباتي للبلاد. إنّ إنقاذ ما تبقّى من الثروة الوطنية للتين الشوكي يتطلب إعلان “حالة طوارئ زراعية وبيئية قصوى” على مستوى وطني، وضخّ اعتمادات مالية عاجلة لتوفير معدات الاقتلاع والردم الميكانيكي السريع، بدلا من سياسة البلاغات الجافة والتعتيم.
صرخة الرفض: تنظيم الصفوف لانتزاع الحقوق
أمام هذا الاستهتار الرسمي برزق الفقراء وسكينتهم، لم يعد الصمت مقبولا ولا الانتظار مجديا. فالأزمات لا تُحل بالبلاغات الإدارية الجافة المسقطة فوق مكاتب العاصمة. إننا ندعو فلاحينا الكادحين، وعائلاتنا المفقّرة في المداشر والأرياف المنهوبة، إلى كسر جدار الصمت وتنظيم الصفوف في لجان دفاع شعبي ونقابي محلية وجهوية. لقد حان الوقت لرفع الصوت عاليا بوجه وزارة الفلاحة وكل أجهزة السلطة عبر تحركات احتجاجية سلمية، ميدانية ومباشرة، لانتزاع الحق في التعويض العادل، وفرض المداواة الفورية الشاملة، ووقف هذه المقصلة البيولوجية. إنّ الحقوق لا تُعطى بل تُنتزع، ولن نسمح بأن يدفع الكادحون فاتورة الارتجال الإداري جوعا وأرقا!
صوت الشعب صوت الحقيقة
