بقلم فتحي المرايحي
تشهد العلاقة بين السلطة والمحاماة في تونس توتراً متصاعداً تجاوز منذ فترة طويلة حدود المطالب المهنية والقطاعية. فالمواجهة القائمة اليوم لا تدور حول مسائل مادية أو إجرائية تخص المهنة فحسب، بل تتصل بأسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة ومستقبل الحريات ومكانة القانون في تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع. لذلك تنظر المحاماة إلى ما يجري باعتباره شأناً وطنياً عاماً يمس أسس النظام السياسي أكثر مما يمس أوضاع المحامين المهنية.
وقد برز هذا التوتر بشكل لافت من خلال الإضراب العام الوطني الذي نفذته المحاماة يوم 18 جوان 2026 والذي شمل مختلف محاكم الجمهورية بما رفع فيه من شعارات وبما أدلي فيه من تصريحات، ولم يُقدَّم هذا التحرك بوصفه مجرد وسيلة ضغط لتحقيق مطالب مهنية، بل باعتباره موقفاً احتجاجياً ضد ما تعتبره هيكل المهنة تراجعاً للحوار المؤسساتي وتهميشاً لدور الفاعلين المدنيين في إدارة الشأن العام. فالإضراب جاء ليعبر عن أزمة ثقة متنامية بين السلطة وهيئة المحامين، وليؤكد أن الخلاف القائم يتجاوز الملفات القطاعية ليطال أسلوب الحكم وآليات اتخاذ القرار.
ويعود جانب مهم من هذا الخلاف إلى نظرة المحاماة للتحولات التي عرفتها المؤسسات الدستورية خلال السنوات الأخيرة. فالمحامون يعتبرون أن استقلال القضاء يمثل حجر الزاوية في دولة القانون، وأن أي مساس بالضمانات التي تحمي استقلاليته ينعكس مباشرة على حقوق المواطنين وعلى مبدأ المحاكمة العادلة. ومن هذا المنطلق أبدت المهنة تحفظاتها على جملة من الإجراءات التي مست البنية المؤسسية للقضاء، معتبرة أن غياب التوازن بين السلطات يهدد أحد أهم المكاسب التي قامت عليها التجارب الديمقراطية الحديثة كما تثير المحاماة مسألة غياب المحكمة الدستورية باعتبارها مؤسسة محورية في حماية الدستور وضمان احترام حدوده من قبل مختلف السلطات. فالدولة الحديثة لا تقوم فقط على وجود القوانين، بل أيضاً على وجود مؤسسات قادرة على مراقبة مدى انسجام هذه القوانين والقرارات مع المبادئ الدستورية. لذلك ترى المحاماة أن استمرار الفراغ في هذا المجال يحرم النظام السياسي من إحدى أهم آليات التعديل والتوازن.
ولا تنحصر مخاوف المهنة في الجانب المؤسساتي، بل تشمل أيضاً واقع الحريات العامة وحق الدفاع. فالمحاماة تعتبر أن استقلال المحامي ليس امتيازاً مهنياً وإنما ضمانة للمواطن نفسه. ذلك أن حق الدفاع لا يمكن أن يمارس بصورة فعلية إذا كان المحامي معرضاً للضغط أو الخشية من تبعات ممارسته لدوره. ولهذا تواصل المهنة التأكيد على ضرورة توفير مناخ قانوني يضمن حرية العمل المهني ويحافظ في الوقت نفسه على مبدأ خضوع الجميع للقانون.
غير أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في هذه الملفات القانونية والدستورية، بل في طبيعة العلاقة التي أصبحت تربط السلطة بالأجسام الوسيطة. فالمحاماة، مثلها مثل المنظمات الوطنية والأحزاب السياسية والجمعيات المدنية، تؤمن بأن الديمقراطية لا تقتصر على الانتخابات، وإنما تقوم أيضاً على الحوار والتفاوض والتوازن بين مختلف مكونات المجتمع. وفي المقابل يرى كثير من المراقبين أن السلطة الحالية تتبنى تصوراً يقوم على علاقة مباشرة بينها وبين الشعب، بما يقلص من أهمية الهياكل الوسيطة التي تضطلع بأدوار التمثيل والتأطير والرقابة.
ومن هنا يمكن فهم أسباب التوتر القائم بين السلطة وهيئة المحامين، كما يمكن فهم الصعوبات التي طبعت علاقة السلطة بعدد من الفاعلين الوطنيين وفي مقدمتهم الاتحاد العام التونسي للشغل والأحزاب السياسية. فالمسألة لا تتعلق فقط باختلاف في المواقف أو المصالح، بل باختلاف في تصور إدارة المجال العام وموقع المؤسسات المستقلة داخله.
وفي هذا السياق تطرح المحاماة نقداً أوسع للمنظومة السياسية القائمة، معتبرة أن الخطاب الشعبوي الذي يهيمن على المشهد السياسي يميل إلى تقديم المؤسسات الوسيطة باعتبارها عبئاً على الإرادة الشعبية لا ضمانة لها. وتخشى المهنة أن يؤدي هذا التصور إلى إضعاف التعددية السياسية والمدنية وإلى تركيز السلطة في مركز واحد، بما يهدد التوازنات الضرورية لأي نظام ديمقراطي.
لذلك لا ترى المحاماة أن معركتها الحالية معركة فئوية أو نزاعاً مهنياً محدوداً، بل تعتبرها جزءاً من معركة أوسع تتعلق بالدفاع عن دولة القانون والمؤسسات. وهي تنطلق في ذلك من إرث تاريخي جعلها على امتداد عقود فاعلاً أساسياً في الدفاع عن الحريات العامة وحقوق الإنسان واستقلال القضاء.
وفي النهاية، تبدو الأزمة الراهنة أكبر من خلاف بين السلطة والمحامين. إنها تعبير عن جدل عميق حول النموذج السياسي الذي تتجه إليه البلاد: هل ستكون تونس دولة تستند إلى التوازن بين السلطات واستقلال القضاء والحوار مع القوى الاجتماعية والمدنية، أم دولة تتراجع فيها أدوار المؤسسات الوسيطة لصالح مركزية القرار السياسي؟ ذلك هو السؤال الحقيقي الذي يقف خلف هذا الصراع وهو سؤال حسمته أغلب مكونات المشهد السياسي والاجتماعي التونسي بكون تونس تعيش الاستبداد والحكم الفاشي في ظل منظومة الشعبوبة، والمحاماة، كما عبر عن ذلك طيف كبير من المحامين، تقدم نفسها اليوم باعتبارها طرفاً يدافع عن الضمانات القانونية والمؤسساتية التي تمنع عودة الحكم الفردي وتحفظ للمواطن حقه في الحرية والعدالة والكرامة، باعتبار أن قوة الدولة لا تقاس بحجم السلطة التي تتركز في يد الحاكم، بل بقدرة مؤسساتها على حماية الحقوق وضمان التوازن بين مختلف مراكز النفوذ داخل المجتمع. وتبعا لذلك فإن منظومة الحكم الشعبوي تعيش أحلك ظروفها وهي تزداد ضعفا ويضيق حولها الخناق يوما بعد يوم باتساع دائرة الاحتجاجات الشعبية وتفجر موجات الرفض القطاعية من إعلام ومنظمات وطنية (النساء الديمقراطيات، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، الاتحاد العام التونسي للشغل…) لذلك فالمتوقع في قادم الأيام هو مزيد الاهتزازات في صلب هذه المنظومة إن لم نقل أفولها.
صوت الشعب صوت الحقيقة
