الرئيسية / صوت العالم / الإمبريالية الأمريكية: من وهم النصر المطلق إلى وقائع الإخفاق الكبير
الإمبريالية الأمريكية: من وهم النصر المطلق إلى وقائع الإخفاق الكبير

الإمبريالية الأمريكية: من وهم النصر المطلق إلى وقائع الإخفاق الكبير

بقلم عمّار عمروسية

أكدّت وقائع العدوان الهمجي الصهيو-أمريكي على “إيران” زيف الوعود الانتخابية للحزب الجمهوري وزعيمه “ترمب” الذي أدار وجهه لناخبيه وأهمّ داعميه من لوبيات المال والسياسة مثل “ماغا” مستبدلا شعار حملته الانتخابية الأخيرة “أمريكا أولا” بـ”إسرائيل أولا” بما يعنيه من انغماس غير محدود في سلسلة حروب إجرامية بالمنطقة والإقليم كانت من بين ضحاه “إيران” التي تعرّضت طوال الأشهر الأخيرة إلى فصول عدوانات متلاحقة بأشكال مختلفة ووسائل متباينة بهدف القضاء على الدولة الإيرانية وتفكيك نسيجها المجتمعي وتفتيت وحدتها الجغرافية.

لقد وضع “هتلر الجديد” عصرنا الحالي وقائد إمبراطورية الغزو والاحتلال جميع إمكانات الأخيرة العسكرية والمالية والديبلوماسية الخ… لتصفية الحساب مع شعوب المنطقة وقوى المقاومة لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد المتساوق بالطول والعرض مع الحلم التاريخي للصهيونية ونعني بطبيعة الحال “إسرائيل الكبرى”، الأمر الذي جعل انطلاقة العدوان منذ لحظاته الأولى مدارا لسيل من التساؤلات وحتى حملات التشكيك التي طالت ليس فقط محبّي السلام وأعداء الحرب وإنما بعض مراكز النفوذ السياسي والإعلامي التي كانت عبر عقود قلاعا قوية للإسهام النشيط المباشر أو غير المباشر في السياسات الاستعمارية.

فالحرب على “إيران” انطلقت بالأساس وفق حسابات أمريكية / صهيونية دون مراعاة حيثيات كثيرة تتعلّق بمسائل كثيرة فيها سياقات تغيّرات الأوضاع الدولية والاقليمية، زيادة عن مطامح الشعوب ومصالح الدول.

جميع تلك الأمور وغيرها أيضا كانت غائبة. فمحركات حرب الـ40 يوما على الشعب الإيراني كانت من جهة تلبية لنوازع الهيمنة الفجّة لدى اليمين الفاشي الماسك بمقاليد الحكم في “أمريكا” والمنتشي بفائض القوّة الزائدة بعد نجاح اختطاف الرئيس الفنزويلي “مادورو” وترويض نظامه ومن جهة أخرى صلف الكيان الصهيوني المختلطة بمصالح “نتنياهو” الشخصية وتحالفه مع كواسر الصهيونية “بني غفير” و”سموتريتش”.

فالعدوان في مختلف أطواره (القصف الجوي والبحري، الحصار الاقتصادي، المفاوضات) منذ اللحظة الأولى وضع لنفسه سقف أهداف عالية فيها ليس فقط إسقاط النظام بل الإجهاز على الدولة وتدمير المشروع النووي والقضاء على الصواريخ والمسيّرات وسحق فصائل المقاومة بالمنطقة!!!

تحت هذه العناوين نحت كل من “ترمب” و”نتنياهو” خطابهما السياسي والإعلامي وتبادلا المهمّات والأدوار في واحدة من أكثر الحروب وحشية واستبقا برعونة غير مسبوقة نهايات العدوان مبشّرين بالنصر المطلق غير مكترثين بمجريات الحرب وانعطافاتها الحادة.

لقد ألهبا مختلف وسائل الإعلام السمعية والبصرية بتفوّقهما الميداني وأوغلا في مديح جيوشهما وترسانتهما الحربية.

فاخر “ترمب” بطائرات الشبح والأف 15 و35 وصواريخ “توماهوك” و”باتريوت” ورادارات “ثاد” وأثنى “نتنياهو” على جهاز استخباراته و”الموساد” و”مقلاع داوود” و”القبة الحديدية”.

أدارا ثنائي الإجرام معركة الإعلام بوصفهما قائدا أركان جيوشهما وفق مقتضيات كيّ وعي شعوب المنطقة والحطّ من معنوياتها.

كذب “ترمب” كما لم يحدث واجترح “نتنياهو” بطولات وهمية لترميم صورته التي اقترنت بالإخفاقات والهزائم على ساحات عديدة.

تناوبا صباحا مساء على فبركة الإنجازات وتحقيق الانتصارات الزائفة، وتقاسما الأدوار وفق حسابات جميعها يصبّ في كسر الروح المعنوية للشعب الإيراني وقواته المسلّحة التي جاءت وقائع الميدان العسكري ونتائج مسار المفاوضات الشاقة والمعقدّة لتنصفا بشكل جليّ صواب سردية النصر الإيراني التي ارتكزت منذ الوهلة الأولى على جملة من الثوابت، أوّلها ضرورة الصمود وتحمّل أعباء العدوان مهما كانت التضحيات، وثانيها حسن تنشيط الديناميكية الداخلية لأضلع المواجهة وتفعيلها في تناغم كبير أعطى نموذجا ناجحا في تكريس مقولة “الشعب، القوات المسلحة والسلطة”، وثالثها تحريك ساحات المقاومة بالمنطقة وتثوير فعالياتها وفق أوضاعها الخاصة في بلدانها، ورابعا المهارة في توظيف عاملي الوقت والأرض بمختلف تضاريسها وخصائصها لإسناد ملحمة الصمود الأسطوري في منازلة ترجح فيها موازين القوى على جميع الأصعدة بشكل رهيب لصالح قوى العدوان الوحشي.

واليوم بعد أن وضعت الحرب أوزارها وتكشّفت حقائق كل من الميدان الحربي والديبلوماسي لم يعد من العسير على أيّ متابع نزيه تحديد الجهة المنتصرة ضمن تزاحم السرديات وتناقضاتها مع الوعي منذ البداية باختلاف مفهوم النصر في الحروب غير المتناظرة عن مثيله في المنازلات التقليدية.

فشل العدوان في تحقيق أهدافه:

دخلت الولايات المتحدة الأمريكية وقاعدتها المتقدمة “إسرائيل” الحرب بأهداف محدودة تمّ الإفصاح عنها مرارا وتكرارا ضمن قصف إعلامي متواتر وبأسلوب فيه الكثير من العنجهية والصلف خرج عن سياق المألوف في مثل هذه العدوانات التي كثيرا ما تخفّت وراء توظيف يمزج بين التلاعب بأساسيات القانون الدولي والشرعية الدولية وغيرهما من ذرائع “تطوير المجتمعات والنهوض بأوضاعها الفكرية والثقافية…” الخ من ترسانة الإرث الكولونيالي.

فحرب الـ40 يوما وما أعقبها من تعديّات عسكرية وخنق اقتصادي جاءت عارية ودون مساحيق كما يقال، فهي – أي الحرب – لتقويض النظام والدولة وإعادة إيران إلى العصر الحجري كما أعلن كل من “نتنياهو” و”ترمب”. وهي على لسان الأخير “عمل من أجل السيطرة على النفط الوفير لإيران والاستثمار في أراضيها الخصبة والشاسعة جدا”!!! الخ.

مرّت أشهر من تشغيل تلك الأسطوانة التي افتضح أمرها تقريبا منذ الأيام الأولى للعدوان، حيث كانت مع مطلع كل فجر جديد تأتي وقائع استمرار سقوط صواريخ إيران البالستية والانشطارية زيادة عن مسيّراتها على كامل أرض فلسطين المحتلة ومجمل القواعد العسكرية الأمريكية بدول الخليج العربي والأردن.

بالتوازي مع ذلك كان التلاحم بين النظام وشعبه بمختلف أعراقه وقومياته وتوجهاته السياسية يزداد صلابة وتماسكا على الأقلّ وفق علوية الدفاع عن الوطن وسيادته تماشيا مع مبدإ تغليب التناقض الرئيسي على ماهو ثانوي. فالنظام الذي كان هدفا للسحق تجاوز جميع الضربات المؤلمة التي أصابت الكثير من قياداته التاريخية في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والعلمية وأمكن له سدّ الشغور في أعلى المراتب بالجمهورية الإسلامية حيث تمّ بسرعة عجيبة قطع الطريق أمام هذيان “ترمب” الذي بلغت به الوقاحة حدّ نيّته تكليف مرشد جديد يحمل المواصفات النموذجية لإدارة إيران الخاضعة والذليلة وفق تصوّر هتلر عصرنا الراهن.

دون شك نجحت العمليات الاستخبارية الصهيو-أمريكية في عمليات الاغتيال وبرز على واجهات الكثير من مؤسسات السلطة وجوه جديدة. غير أن النظام ذاته ظلّ قائما منتهجا نفس الخيارات ممسكا مقود إدارة شؤون الميدان والديبلوماسية تحت مبدإ الدفاع عن السيادة الوطنية ونبذ كل أشكال المساومات الرخيصة. فالنظام الذي سعى كل من “نتنياهو” و”ترمب” إلى سحقه أو في أحسن الحالات ترويضه وتغييره مثلما زعم الأخير هو نفسه من يدير شؤون الحرب والسلم فهو من خلال “قاليباف” رئيس البرلمان و”عراقجي” من أدار المسار التفاوضي وانتهى في اجتماع “سويسرا” الأخير إلى بلورة ورقة الإطار التفاوضي التي انتزعت في أحد بنودها ليس فقط الاعتراف بمشروعيتها وإنما وضعها في مرتبة الند للولايات المتحدة الأمريكية وحصّنها من محاولات التدخل الخارجي. حيث ورد في البند الثاني “تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية باحترام سيادة كلّ منهما وسلامة أراضيها والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية”.

لقد نقلت وثيقة التفاهم الإطاري في بنود كثيرة من نقاطها 14 “إيران” إلى بوتقة الدول الأساسية ليس فقط في المجال الإقليمي وإنما على الساحة العالمية وتحديدا شرق آسيا. فالنظام الذي خضع إلى حرب وحشية وضغوطات اقتصادية رهيبة على امتداد عقود خرج بفضل صمود شعبه وبسالة قواته المسلّحة بمكاسب كثيرة فيها نوع من الإقرار الضمني بسيادته على مضيق “هرمز” زيادة عن انتزاع شرعية لوحدة ساحات المقاومة بالمنطقة وهو ما يجد ترجمته في النقطة الأولى حيث ورد “الإعلان الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما في ذلك لبنان”. فمحور المقاومة وتاجه “حزب الله” الذي كان في عين العاصفة الهمجية أحرز نوعا من الحصانة ومشروعية الوجود التي مازال يلزمها الكثير من التصميم والتضحيات لترسيخها في وجه الغطرسة الصهيونية ومحاولات التصفية التي تقودها سلطة “عون/سلاّم” العميلة بدفع من الأنظمة العربية العميلة وبعض القوى الغربية.

إنّ مذكرة التفاهم المعلنة منحت “إيران” مكاسب مالية كثيرة منها إقرار صندوق لإعادة الإعمار ليس مستبعدا أن يكون من خزائن دول الخليج زيادة عن الشروع في تسريح بعض الأموال المجمدة ورفع كل العقوبات المسلطة على البترول وبعض المنتجات الأخرى.

إلى الأعلى
×