الرئيسية / صوت العالم / أي مستقبل لعلاقة الولايات المتحدة بالكيان الصهيوني بعد إمضاء مذكرة التفاهم مع إيران
أي مستقبل لعلاقة الولايات المتحدة بالكيان الصهيوني بعد إمضاء مذكرة التفاهم مع إيران

أي مستقبل لعلاقة الولايات المتحدة بالكيان الصهيوني بعد إمضاء مذكرة التفاهم مع إيران

بقلم علي البعزاوي

مقدمة

أمضي الرئيسان الأمريكي والإيراني إلكترونيا مذكرة التفاهم التي تتضمن 14 بندا والتي يتم بموجبها إعلان وقف الحرب في كل الجبهات وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية ووقف الحصار البحري على إيران وتعبئة 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران، إضافة إلى الإفراح عن أموال إيران التي حجزتها الولايات المتحدة الخ… والدخول في مفاوضات لمدة أقصاها ستون يوما قابلة للتجديد للنظر في القضايا التي اندلعت بسببها الحرب على إيران وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني.

مذكرة التفاهم التي رعاها الوسيط الباكستاني غاب عن المفاوضات بشأنها الكيان الصهيوني ولم تقع استشارته ولم يشارك في ضبط بنودها وإبداء الرأي بشانها. واكتفى ترامب بإرسال نسخة إلى رئيس وزراء الكيان يوم الأربعاء 17 جوان للاطلاع.

وقد أسال تغييب الكيان الصهيوني الكثير من الحبر: انتقادات للمذكرة من طرف مسؤولين وإعلاميين ومختلف وسائل إعلام الكيان الصهيوني حيث تركز الحديث عن تنكر ترامب لنتنياهو وضرب مصالح إسرائيل الاستراتيجية، إلى جانب الانتقادات التي وجهت لنتنياهو شخصيا باعتباره المسؤول عن كل ما جرى وأساسا مراهنته على ترامب الذي تم جره للعدوان على إيران وإقناعه بأن إسقاط نظام الملالي ممكن خلال بضعة أيام.

من خارج الكيان الصهيوني ذهب بعض الملاحظين والمتابعين إلى القول بأن ترامب تخلى عن نتنياهو وأن الولايات المتحدة بقيادة ترامب تبحث فقط عن مصالحها الاستراتيجية ولو على حساب الكيان خاصة بعد أن صرح ترامب بأن “إسرائيل كانت ستزول لولا الولايات المتحدة” وأن نتنياهو خطط لإفساد الاتفاق بهجومه على الضاحية الجنوبية لبيروت وهدم المنازل والعمارات في الجنوب اللبناني بدل تتبع عناصر حزب الله بطرق أخرى…

فهل يمكن القول أن الامبريالية الأمريكية تخلت عن الكيان الصهيوني لتتركه لمصيره؟

وللجواب عن هذا السؤال لا بدّ من التطرق لتاريخية العلاقة بين الامبريالية والصهيونية.

حقيقة العلاقة بين الكيان الصهيوني والامبريالية

الجميع يعرف أن الامبريالية الغربية والأمريكية هي من زرع وثبت الكيان الصهيوني اللقيط وأنشأ له دولة على الأراضي الفلسطينية بعد قتل وتهجير الفلسطينيات والفلسطينيين من ديارهم ومصادرة أراضيهم وممتلكاتهم. والهدف من تأسيس الكيان هو تسخيره لخدمة الأجندات والمصالح الامبريالية في منطقة استراتيجية غنية بالنفط والغاز، ومنع الأقطار العربية من تحقيق وحدتها المنشودة من طرف شعوبها لأنها (الوحدة )عنصر قوة وأداة لتمكينها من الاستقلال والسيادة على الثروات  الطبيعية التي تزخر بها المنطقة.

وفي هذا السياق لعب الكيان الصهيوني بمعية الامبريالية أدوارا قذرة لبث الفتن بين الطوائف داخل الدول العربية وبين دول المنطقة (الصراعات السنية الشيعية، الصراعات الإسلامية المسيحية – أقباط مصر والإسلاميين مثالا، محاولات تحريك الملف الكردي هنا وهناك وملف الأقلية الدرزية خاصة في سوريا، مساعدة الإرهابي التكفيري أحمد الشرع على الاستيلاء على السلطة في سوريا والدور الاستخباراتي والعسكري الذي لعبه الكيان الصهيوني إلى جانب الجيش التركي..).

وبذلت الامبريالية الأمريكية من جهتها جهودا مضنية لتسليح الكيان الصهيوني وتمكينه من كل أسباب التفوق وسوقت له سياسيا حيث اعتبرته النموذج الديمقراطي في المنطقة الذي يجب الاقتداء به. وكان إطلاق المساعدات والقروض وبيع الأسلحة للدول العربية مشروطا بالتطبيع وربط علاقات اقتصادية وتجارية مع الكيان، علانية وفي سرية حسب ظروف كل نظام.

كما شنت الامبريالية حروبا ضد مصر (العدوان الثلاثي) والعراق وسوريا وأخيرا إيران دفاعا عن أمن الكيان وبهدف تمكينه من أسباب التفوق على كل المستويات.

كما أطلقت الامبريالية شعار الشرق الأوسط الجديد، شرق أوسط خاضع يكون التفوق فيه للكيان الصهيوني باعتباره الذراع الطولى للإمبريالية في المنطقة.

إذن العلاقة بين الطرفين – الامبريالية من جهة والكيان الصهيوني من جهة أخرى – تاريخية تحكمها مصالح استراتيجية، والطرفان بحاجة لبعضهما البعض من أجل بسط الهيمنة واستغلال الثروات والمقدرات بقطع النظر عمن يدير الحكم في الولايات المتحدة سواء “الديمقراطيون” أو “الجمهوريون”.

السفير الأمريكي لدى الكيان الصهيوني يمحو تصريح ترامب

بعد انطلاق الانتقادات داخل الكيان الصهيوني وعلى إثر تصريح ترامب أكد السفير الأمريكي المعتمد لدى الكيان أنه “لولا إسرائيل لما كانت الولايات المتحدة موجودة”. وبهذا قام بإصلاح “خطأ ترامب”. وفي الحقيقة كلا التصريحين، تصريح ترامب القائل بأنه “لولا الولايات المتحدة لما وجدت إسرائيل” وردّ السفير الأمريكي، يثبتان حقيقة العلاقة الاستراتيجية الوثيقة بين البلدين، فلولا الامبريالية الأمريكية لما صمد الكيان الصهيوني ولما بقي على قيد الحياة وهذا ثابت تاريخيا. لكن في نفس الوقت الكيان الصهيوني باعتداءاته المتكررة على جيرانه وقضمه للأراضي واحتلاله لأخرى والدور الذي لعبه في التفتيت والتقسيم وإذكاء النعرات الطائفية والأعمال الاستخباراتية… ساهم في خدمة المصالح الامبريالية وضمان تفوقها على باقي الامبرياليات الصاعدة (الصين) والعائدة (روسيا). فالأدوار بين الطرفين تتكامل والمصالح الاستراتيجية متوافقة لكن ثمة مصالح آنية وظرفية متعارضة أحيانا. فترامب بحاجة لإمضاء اتفاق مع إيران وتثبيت وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية لأسباب تتعلق بالانتخابات النصفية بعد أن تراجعت شعبيته بسبب الحرب على إيران التي ساهمت في غلاء الأسعار وتكاليف المعيشة وفاقمت الأزمة… أما نتنياهو فهو بحاجة لمواصلة الحرب خاصة على لبنان وتشديد وتيرتها لاجتثاث المقاومة اللبنانية أو على الأقل إضعافها والضغط من أجل نزع سلاحها وتأمين المستوطنين في شمال فلسطين المحتلة… تمهيدا للفوز في انتخابات الكنيست القادمة وتجنب الملاحقات القضائية التي ستنتهي به إلى السجن بكل تأكيد.

إن العلاقات التي تربط الامبريالية الأمريكية بالكيان الصهيوني هي علاقات استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها من الطرفين ومستقبلهما مرتبط وثيق الارتباط بصمود هذه العلاقة ونجاح كل طرف في لعب دوره على الوجه الأكمل مع الاستفادة القصوى بطبيعة الحال من تواطئ الرجعيات العميلة المنخرطة في خدمة المشروع الامبريالي الصهيوني سياسيا وماليا. فهذه الدول تنفق بسخاء وتستجيب لأوامر الامبريالية وتخدم أجنداتها. وقد وصل بها الأمر إلى التآمر على المقاومة والمساهمة في الإعداد لتصفيتها أملا في التخلص من تأثيرها على الوضع الداخلي لكل قطر. لكن الشعوب العربية منحازة للمقاومة وداعمة لها وهناك وعي بصدد التشكل والتوسع مفاده أن الرجعيات العميلة مقصرة تجاه المقاومة بل متواطئة مع الكيان الصهيوني حيث تمده بالغذاء والمحروقات وتتغافل عن مرور الأسلحة نحو موانيه علما وأن مستوى التبادل التجاري بين الكيان الصهيوني ودول البحرين والإمارات والمغرب والأردن ومصر ارتفع كثيرا كما لم يحصل زمن الاستقرار والهدوء. وهو ما ساعد الكيان الصهيوني على “الصمود” أمام الحصار المفروض من طرف الحوثيين الذين منعوا دخول ووصول السلع المختلفة إلى موانيه عبر البحر الأحمر.

الامبريالية والصهيونية مشروعان معاديان للشعوب ولهما مصلحة مشتركة في الهيمنة على المنطقة وإخضاع شعوبها ونهب ثرواتها. إن فك الارتباط معهما والنضال ضدهما واجب قومي لا مفر من تحقيقه إذا أرادت الشعوب العربية التحرر والانعتاق والوحدة ودخول التاريخ من بابه الكبير. أمّا انتظار قطيعة قد تحدث بين الامبريالية والكيان الصهيوني أو المراهنة على سلطة صهيونية ديمقراطية بدلا عن الجبهة اليمينية الحاكمة حاليا فكمن يحرث في البحر.

 

إلى الأعلى
×