الرئيسية / صوت الوطن / حين تتحول الماركسية إلى ثرثرة هيغلية وابتذال سياسي
حين تتحول الماركسية إلى ثرثرة هيغلية وابتذال سياسي

حين تتحول الماركسية إلى ثرثرة هيغلية وابتذال سياسي

ردا على المدعو سامر بن عبد السلام

بقلم منور السعيدي

نشر المدعو سامر بن عبد السلام مؤخرا تعليقا مطولا على مقال للرفيق حمة الهمامي على صفحات جريدة صوت الشعببعنوان حول الأحكام الصادر في قضية الجهاز السرّي“:

القضاء التابع والوظيفي يسيء إلى القضايا العادلةخصصه للتدليل على حد زعمه على مجانبة حمة لمنهج التحليل الماركسي لا فقط في هذا الموضوع (موضوع المحاكمات الأخيرة ومسألة المحاكمة العادلة) وإنما في عموم تحاليله سواء وردت باسمه، حمة الهمامي، أو باسم حزب العمال.

والحقيقة أن هذا النص الذي كُتب تحت غطاء الدفاع عن الماركسية كشف عن مأزق نظري عميق لدى صاحبه الذي سبق له أن نسب نفسه للتيار التروتسكي في تونس ونصب نفسه ممثلا وحيدا دون سواه للماركسية. فمنذ السطر الأول، يسقط النص في واحدة من أكثر أمراض هذا الصنف من الأدعياء كلاسيكية: استبدال التحليل المادي الملموس باستعراض فلسفي متعالٍ، وتحويل الجدل من أداة لفهم الواقع إلى أداة لفظية لتبرير كل شيء ونقيضه.

ينطلق الكاتب من مسألة المحاكمة العادلة باستحضار هيغل، وكأنه بصدد إلقاء درس في المنطق لا بصدد خوض صراع سياسي حول قضية سياسية ملموسة. يتحدث عن أن المفهوم يحمل نقيضه، وأن المحاكمة لا يمكن أن تكون عادلة صرفة أو غير عادلة صرفة، ثم يتوهم أن هذا العمق الفلسفي هو عين الماركسية. لكن هنا بالضبط يبدأ الانحراف عن المادية الجدلية نحو المثالية المجردة.

لقد حسم لينين هذه المسألة دون غموض حين قال: التحليل الملموس للواقع الملموس هو الروح الحية للماركسية.

هذه العبارة وحدها كافية لنسف البناء النظري الذي يحاول الكاتب تشييده. فالماركسي لا يتعامل مع الجدل كألعاب لغوية مجردة، بل يسأل: ما هو التناقض الرئيسي؟ ما موقع الظاهرة داخل ميزان القوى؟ ولصالح أي طبقة يعمل هذا المسار؟

أما القول إن وجود عناصر لا عادلة داخل المحاكمة لا يجعلها محاكمة لا عادلة، فهو كلام صحيح على مستوى البداهة، لكنه لا يقول شيئاً سياسياً. السؤال الحقيقي ليس هل كل ظاهرة تحتوي تناقضاً، بل ما الطابع الغالب؟ ما الجوهر السياسي؟ هل نحن أمام مسار قضائي تُحترم فيه الضمانات الأساسية، أم أمام جهاز يُستخدم ضمن صراع سياسي لتصفية الحسابات؟

هنا يهرب الكاتب من التحديد إلى الضباب، ومن التحليل إلى التجريد.

والمفارقة أنه يتهم غيره بالتفكير الميكانيكي، بينما نصه كله غارق في ميكانيكية معكوسة: كل من يتحدث عن محاكمة عادلة أو ضمانات قانونية يصبح فوراً ليبرالياً برجوازياً. هذا ليس تحليلاً ماركسياً، بل اختزال دوغمائي ساذج.

ولا يمكن المرور على ابتذال السجال السياسي دون التوقف عند المصطلح الذي استعمله الكاتب في حق الرفيق حمّة الهمامي: موش وقتو. هذا التعبير وحده يكشف انحداراً واضحاً في مستوى النقاش. فعندما يعجز المرء عن مجابهة خصمه سياسياً ونظرياً، يلجأ غالباً إلى التهكم الشعبوي والتهجم الشخصاني. وفاته أن مثل هذا الأسلوب علاوة على أنه يتعارض تمام التعارض مع ما يدعيه من أنه حامي حمى الماركسية ويكشف عن درجة من الإسفاف والصبيانية فإنه ليس بمقدوره أن يقلل من قيمة القامة السياسية والمناضلة التي يتمتع بها الرفيق حمة وحزب العمال لا في تونس فقط بل وفي الوطن العربي ككل.

هذا ليس أسلوباً ماركسياً في السجال، بل سلوك برجوازي صغير قائم على السخرية والازدراء بدل النقد السياسي الجاد.

الماركسياللينيني لا يحارب الأشخاص بالألقاب السوقية، بل يحارب الخطوط السياسية بالتحليل الصارم والنقد المنهجي. وحين يتحول النقاش من نقد خط سياسي إلى التنابز بالأوصاف الساخرة، فذلك لا يعكس في الغالب قوة فكرية، بقدر ما يكشف ضعفاً نظرياً يجري تعويضه بالعدوانية اللفظية.

وهذا الانحدار في اللغة ليس معزولاً عن الانحراف النظري نفسه، بل هو انعكاس مباشر له؛ إذ غالباً ما يقود الفقر التحليلي إلى تعويضه بالصخب اللفظي.

حين نصل إلى حديث الكاتب عن القضاء، تصبح الأزمة أوضح. نعم، القضاء في المجتمع الطبقي ليس محايداً. نعم، الدولة ليست مؤسسة فوق الطبقات. هذه من أبجديات الماركسية. لكن استنتاجه من ذلك أن الشيوعيين لا ينبغي أن يناضلوا من أجل استقلال القضاء النسبي أو من أجل الضمانات الإجرائية هو استنتاج دوغمائي وسطحي.

كتب ماركس بوضوح: السلطة التنفيذية للدولة الحديثة ليست سوى لجنة لإدارة الشؤون المشتركة للبرجوازية بأسرها.

هذا صحيح، لكنه لا يعني أبداً أن كل تناقض داخل مؤسسات الدولة عديم القيمة السياسية. بالعكس، الماركسي يناضل داخل كل تناقض، ويستخدم كل هامش ديمقراطي لتعميق الصراع الطبقي وكشف حدود النظام القائم.

ولهذا قال لينين: من لا يناضل في ظل الرأسمالية من أجل الديمقراطية الكاملة لن يكون قادراً على النضال من أجل الاشتراكية.

هذه النقطة وحدها تكفي لدحض منطقه المفلس نظريا من وجهة نظر ماركسية. فالدفاع عن الحريات الديمقراطية، وعن الضمانات القانونية، وعن الحد من تعسف الدولة، ليس سقوطاً في الليبرالية كما يتوهم، بل هو جزء من الصراع نفسه.

ثم نصل إلى أكثر أجزاء النص تضخماً: حديثه عن ميزان القوى. فجأة يتحول الخطاب إلى حديث حماسي عن التعبئة الجماهيرية، والهيمنة، والصراع الحاسم مع الإسلاميين. وهنا يظهر مرض بعض من ينسبون أنفسهم للماركسية أو للتيار التروتسكي في أوضح صوره: كلما غاب التحليل الواقعي ارتفع منسوب البلاغة الثورية الكاذبة.

يتحدث الكاتب عن الهيمنة وكأنها مسألة إرادة ذاتية، وكأن المطلوب فقط أن يكون اليسار الثوري هو الطرف الأقوىوينتهي الأمر. لكن السياسة ليست أمنيات.

السؤال الذي تجاهله بالكامل هو: كيف؟

كيف تُبنى هذه الهيمنة؟ كيف تُبنى الكتلة السياسية؟ كيف يُبنى الحزب؟ كيف تُنظم الجماهير؟

هنا نجد فراغاً كاملاً.

غرامشي فهم هذه المسألة بعمق حين قال: الأزمة تتكون تحديداً من أن القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد.

وقال أيضاً: السيطرة لا تقوم على القسر وحده بل على القيادة الفكرية والأخلاقية.

الهيمنة لا تُنتجها الشعارات، ولا تُخلق بالصراخ عن فرض الحقيقة“. الهيمنة تُبنى عبر التنظيم الطويل، والعمل السياسي المتراكم، وبناء القيادة داخل المجتمع.

أما في هذا النص، فالحزب غائب، والتنظيم غائب، والعمل الجماهيري غائب، ولا يبقى إلا الصخب والإسهال البلاغي.

وهنا يظهر الفرق بين الماركسياللينيني والدعي الماركسي الخطابي: الأول يبني أدوات السلطة، والثاني يتحدث عنها.

أما النقطة الأخيرة فهي الأكثر دلالة على سطحية الطرح: مراقبة المعجم السياسي وكأن ماركسية النصوص تُقاس بعدد مرات ظهور كلمات مثل الصراع الطبقيوالبنية التحتيةوالبرجوازية الصغيرة“.

هذه نظرة شكلية وفقيرة.

الماركسية ليست قاموساً لغوياً. الماركسية منهج تحليل.

وجود كلمات مثل العدالة والقانون لا يجعل الخطاب ليبرالياً، تماماً كما أن تكرار كلمات مثل البروليتاريا والتناقض لا يجعل الخطاب ثورياً.

ماركس نفسه حسم هذه المسألة حين قال: “ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم.

جوهر الماركسية ليس اللغة التي تستخدمها، بل الموقع الذي تنطلق منه والمنهج الذي تعتمده في التحليل.

في النهاية، المفارقة أن النص الذي أراد صاحبه تقديمه بوصفه فضحاً لليبرالية ينتهي كفضح صريح للتروتسكية الخطابية نفسها: مثالية فلسفية بدل المادية، إرادوية بدل تحليل موازين القوى، خطاب ثوري مرتفع النبرة بدل بناء التنظيم، وثرثرة نظرية بدل سياسة ثورية فعلية.

لقد حذر لينين مراراً من الثورية اللفظية المنفصلة عن الواقع، لأنه كان يدرك أن أخطر ما يواجه الحركة الثورية ليس فقط العدو الطبقي المباشر، بل أيضاً أولئك الذين يغطون عجزهم السياسي بضجيج أيديولوجي كثيف.

وباختصار: هذا النص لم ينجح في كشف سقوط غيره في الليبرالية، بل كشف سقوط صاحبه في الشكل الأكثر كلاسيكية من الانحراف المفضوح عن الماركسية؛ حيث تصبح البلاغة بديلاً عن التحليل، والشعار بديلاً عن التنظيم، والصخب بديلاً عن السياسة الثورية الحقيقية.

في النهاية، لا يبدو كل هذا الاستعراض النظري سوى محاولة مكشوفة للهرب من السؤال السياسي المركزي. فكل هذا الجمباز الفكري، والتبلعيط السياسي، ليس غايته توضيح التناقضات أو تعميق التحليل، بل الالتفاف على الموقف المطلوب بوضوح.

المسألة هنا ليست سجالًا فلسفيًا حول الجدل، ولا مباراة في استعراض المفاهيم والمصطلحات. المسألة أبسط وأوضح: ما هو الموقف السياسي الصريح من سلطة الانقلاب؟ وما هو الموقف من المحاكمات السياسية؟ وما هو الموقف من توظيف القضاء كأداة داخل الصراع السياسي لتصفية الخصوم وإعادة هندسة المجال العام؟

هنا تحديدًا يسقط خطاب المدعو سامر بن عبد السلام في التهرب والمراوغة. فبدل الإجابة الواضحة، يختبئ وراء الضباب النظري، وبدل إعلان موقف سياسي صريح، يغرق في ثرثرة فلسفية لا تنتج سوى التشويش.

والحال أن الصمت عن توظيف القضاء، أو تغليفه بإنشاء نظري متضخم، ليس حيادًا كما قد يُراد له أن يبدو، بل هو في جوهره شكل من أشكال التطبيل السياسي غير المعلن. لأن أخطر أشكال الاصطفاف ليست تلك التي تُقال بصراحة، بل تلك التي تُخفى وراء اللغة الملتوية والادعاء الزائف للعمق النظري.

لهذا، فإن جوهر الأزمة في ما كتبه سامر لا يكمن فقط في ضعفه النظري أو ارتباكه السياسي، بل في كونه يحاول استبدال الموقف السياسي الواضح بضباب لغوي كثيف. لكن السياسة، خاصة في اللحظات الحاسمة، لا تُحسم بالبلاغة ولا بالاستعراض، بل بالمواقف الواضحة: مع من؟ وضد من؟ ولصالح أي مشروع سياسي؟

وهذا بالتحديد هو السؤال الذي تهرّب منه النص من أوله إلى آخره.

إلى الأعلى
×