الرئيسية / صوت العالم / الفاشية في أوروبا تتقدم في الشارع وفي صناديق الاقتراع
الفاشية في أوروبا تتقدم في الشارع وفي صناديق الاقتراع

الفاشية في أوروبا تتقدم في الشارع وفي صناديق الاقتراع

بقلم كوثر الباجي

عرّف ديميتروف الفاشية في تقريره الرئيسي أمام المؤتمر السابع للأممية الشيوعية (الكومنترن)، بوصفها  الدكتاتورية الإرهابية العلنية لأكثر عناصر رأس المال المالي رجعيةً وشوفينيةً وإمبريالية. 

وما شهدته أوروبا في خريف 2026 – فوز انتخابي لحزب “البديل من أجل ألمانيا” AfD في سكسونيا-أنهالت، وصعود حزبي “فوكس” و”شيغا” في شبه الجزيرة الأيبيرية، وحشد شعبي غير مسبوق حول تومي روبنسون، وتحالف بين بارديلا وفاراج في بريطانيا – لا يمكن فهمه فهمًا صحيحًا إلا في ضوء هذا التحليل الطبقي. فالأمر ليس حادثًا عرضيًا في الاقتراع العام، ولا مجرد تعبير عن “غضب شعبي” كما يردد المعلقون البرجوازيون، بل هو استجابة منظمة من قِبل شريحة من رأس المال لأزمة بنيوية عجزت عن إدارتها بالطرق المعتادة.

الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الديمقراطية الاجتماعية، وصناعة الفاشية الشرعية

في سكسونيا-أنهالت، حصل حزب “البديل من أجل ألمانيا” على أكثر من 44 بالمئة من الأصوات، بينما خسر الاتحاد الديمقراطي المسيحي أكثر من نصف قاعدته الانتخابية في هذا الإقليم الذي يحكمه منذ أكثر من عشرين عامًا. ومن السذاجة قراءة هذه النتيجة باعتبارها مجرد عقوبة انتخابية عابرة. فمنذ سنوات، عمل الاتحاد الديمقراطي المسيحي بقيادة فريدريش ميرتس على تطبيع التصويت المشترك مع حزب “البديل” في أكثر من إقليم ألمانيا، بما في ذلك في الغرب. وهذه آلية كلاسيكية طالما رصدتها الحركة الشيوعية: فاليمين البرجوازي التقليدي، العاجز عن احتواء أزمة الرأسمالية الألمانية بوسائله الخاصة، يفتح الباب تدريجيًا أمام نسخته الأكثر تطرفًا، ثم يتظاهر لاحقًا بالصدمة – و”الزلزال” الذي أعلنه ميرتس أقرب إلى موقف إعلامي منه إلى صدق حقيقي، فقد توقفت فصائل الدولة الحاكمة منذ زمن طويل عن اعتبار “الحاجز الصحي” أكثر من مجرد ورقة دعائية انتخابية.

أما مضمون البرنامج الفوري لحزب “البديل” – مطاردة المهاجرين غير الشرعيين، وأشغال شاقة مقنّعة لطالبي اللجوء، وفصل عنصري مدرسي لأطفال اللاجئين وذوي الإعاقة – فليس مجرد استفزاز عنصري عابر، بل يعبر على الوظيفة الاجتماعية الكلاسيكية للفاشية: تحويل الغضب المشروع للجماهير المفقرة بفعل أزمة الرأسمالية نحو كبش فداء عرقي، بدلًا من توجيهه نحو علاقات الإنتاج والطبقة التي تستفيد منها. وكون هذا الإجراء يستحضر مباشرة سياسات الإبادة النازية ،فالفاشية، في صورتها التاريخية كما في تجلياتها المعاصرة، احتاجت دومًا إلى تصنيف فئة من البشر بوصفها زائدة، بيولوجيًا أو اجتماعيًا، عن حاجة “الجسد الوطني”، لصرف الانتباه عن علاقات الاستغلال الحقيقية.

أما الرد الشعبي في الشارع – بين 5 آلاف و14 ألف متظاهر في برلين، و2500 في فرانكفورت، بتنظيم من حركتي “كامباكت” و”جمعة من أجل المستقبل” – فيستحق أن يُحيّى كردة فعل سليمة مناهضة للفاشية . لكنه يحمل في طياته حدود المعاداة الأخلاقية البحتة للفاشية، تلك المعاداة العابرة للطبقات:إذ تقتصر على حشد التعبئة العاجلة لمواجهة الأعراض فحسب، دون أن تتصدى للأسباب الجذرية.

فالمطالبة بحظر حزب “البديل” عبر القضاء – كما طولب بذلك في فرانكفورت – تراهن على جهاز الدولة البرجوازي نفسه لحسم تناقض ساهم هذا الجهاز في إنتاجه أصلًا. وقد أثبت تاريخ الحركة العمالية، من ألمانيا 1933 إلى إسبانيا 1936، أن التنظيم المستقل للطبقة العاملة، على أرضيتها الطبقية الخاصة لا على أرضية “الدفاع” المجرد عن “المؤسسات الديمقراطية”، هو وحده القادر على دحر الفاشية دحرًا دائمًا.

ولا يمكن استحضار هذا الدرس التاريخي دون التذكير بالثمن الباهظ الذي دفعته الحركة الشيوعية الألمانية نفسها حين تبنّت، قبل 1933، أطروحة “الفاشية الاجتماعية” التي وضعت الحزب الديمقراطي الاجتماعي في خانة واحدة مع النازية، فشلّت بذلك إمكانية جبهة عمالية موحدة قادرة على وقف صعود هتلر وهو لا يزال قابلًا للإيقاف. لم يصحح المؤتمر السابع للأممية الشيوعية، بقيادة ديميتروف نفسه عام 1935، هذا الخطأ إلا بعد فوات الأوان بالنسبة لألمانيا، حين أقرّ بضرورة “الجبهة الموحدة من القاعدة” بين الشيوعيين والاشتراكيين الديمقراطيين وسائر القوى العمالية، بصرف النظر عن الخلافات البرنامجية، أمام الخطر الفاشي المباشر. وهذا الدرس بالذات هو ما يغيب اليوم عن يسار أوروبي غارق، في جزء كبير منه، إما في وهم “الجبهة الجمهورية” مع أحزاب النيوليبرالية التي أنتجت الفاشية أصلًا، أو في انعزالية  تترك الميدان فارغًا لليمين المتطرف وحده.

أيبيريا: الحنين إلى الديكتاتورية سلاحًا ضد البروليتاريا

وإذا كانت الحالة الألمانية تكشف آلية إنتاج الفاشية من داخل جهاز الدولة البرجوازي نفسه، فإن الطرف الجنوبي من القارة يقدّم نسخة موازية، أكثر وضوحًا في استدعائها للماضي الديكتاتوري.  ففي إسبانيا والبرتغال، يزدهر حزبا “فوكس” و”شيغا” عبر إحياء صريح للحنين إلى الفرانكوية والسالازارية – وهما ديكتاتوريتان كانتا، ولا بد من التذكير بذلك، أداتين مباشرتين في يد البرجوازية الأيبيرية لسحق الحركة العمالية والفلاحية المنظمة عسكريًا. لذا فليس مصادفة  أن تعود هذه التشكيلات إلى الظهور تحديدًا في اللحظة التي تعجز فيها الرأسمالية الإسبانية والبرتغالية عن الحفاظ على معدلات أرباحها، وتبحث، كما في سائر أنحاء القارة، عن صمام تحويلي للصراع الاجتماعي.

وتُظهر واقعة سبتة – حيث استُخدم وصول مفاجئ لمهاجرين، ربما بتوظيف مغربي في خلاف جيوسياسي مع مدريد حول الصحراء الغربية، ذريعةً لاستعراضات قوة عنصرية واعتداءات على أشخاص يُشتبه في كونهم مهاجرين – كيف تتحول التنافسات بين الدول الإمبريالية وشبه الإمبريالية، حين تصل إلى الجسم الاجتماعي، إلى عنف عنصري يستهدف الشرائح الأكثر هشاشة في البروليتاريا العالمية: أي المهاجرين أنفسهم، وهم الضحايا الأوائل وليسوا المسؤولين عن السياسات الحدودية التي تقررها الطبقات المهيمنة على ضفتي المتوسط.

وتجدر الإشارة إلى أن كلا البلدين خضعا، منذ أزمة 2008 ثم أزمة الديون السيادية التي تلتها، لبرامج تقشف صارمة أشرفت عليها المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي، فتفككت شبكات الحماية الاجتماعية وارتفعت معدلات البطالة بين الشباب إلى مستويات قياسية. هذا التفكك الاجتماعي المُمنهج، المفروض من فوق باسم “الانضباط المالي”، هو التربة الحقيقية التي ينبت فيها الخطاب العنصري لفوكس وشيغا: فحين يُحرم جيل بأكمله من أفق اقتصادي واضح، يصبح تحويل غضبه نحو المهاجر بديلًا مريحًا عن مساءلة مؤسسات الاتحاد الأوروبي ومصالح رأس المال المالي الألماني والفرنسي التي أشرفت على تلك البرامج التقشفية.

بريطانيا:  تقسيم العمل الرجعي

وإذا كانت ألمانيا وأيبيريا تُظهران كيف تتقدم الفاشية عبر صندوق الاقتراع بمساعدة اليمين البرجوازي “المعتدل”، فإن بريطانيا تضيف بُعدًا ثالثًا لا غنى عنه لفهم الظاهرة ككل: التعبئة في الشارع ، الموازية للمسار الانتخابي لا البديلة عنه. فهي توفر الحالة الأوضح لتقسيم العمل بين جناحين متكاملين من الرجعية. فمن جهة، يتفاوض نايجل فاراج وحليفه الظرفي جوردان باردیلا، داخل الأروقة البرلمانية والإعلامية “المحترمة”، على اتفاق افتراضي لإعادة ترحيل المنفيين إلى فرنسا – خطاب انتخابوي موجه لاستمالة الطبقات الوسطى القلقة وشريحة من “أرستقراطية العمال” التي انساقت وراء الشوفينية. ومن جهة أخرى،  التعبئة الجماهيرية والضغط الجسدي. وقد استخلص روبنسون دروس فشل الحزب الوطني البريطاني (BNP)، فتجنب فخ الحزبية التقليدية ليشق مساراً موازياً للانتخابات يعتمد على الإرهاب الشعبي، تجلى في حصار دوفر وحشد 110 آلاف شخص في لندن (سبتمبر 2025)، متجاوزاً بذلك أكبر تجمع فاشي تاريخي لأوزوالد موزلي عام 1934.

فقد أدرك روبنسون، أفضل من أسلافه الذين وصفهم المؤرخ غراهام ماكلين بـ”الفوهرر الفاشلين”، ضرورة التخلي عن أكثر أثواب الفاشية التاريخية بلًى – التمجيد الصريح لهتلر، والرمزية النازية، ومعاداة السامية المباشرة – لإعادة تمركز حركته بالكامل حول إسلاموفوبيا تآمرية، أكثر ملاءمة للتجنيد من صفوف البروليتاريا البريطانية المُهمَّشة، تلك التي أنهكتها عقود من إزالة التصنيع والتقشف وخيانة القيادات الإصلاحية للحركة العمالية،  منذ زمن طويل عن تقديم أفق طبقي لهذه الشرائح الشعبية المهجورة، تتربص الفاشية وتجنّد، عارضةً جماعة وطنية هوياتية زائفة في مكان يجب أن يحتله تنظيم طبقي أممي.

ويكتسب مفهوم “أرستقراطية العمال” الذي طوّره لينين لتفسير انسياق شرائح من الطبقة العاملة البريطانية وراء الشوفينية الإمبريالية، منذ أوائل القرن العشرين، راهنية مقلقة اليوم: فحين تتفكك القاعدة الصناعية التقليدية التي كانت تمنح هذه الشرائح امتيازات نسبية داخل النظام الإمبريالي البريطاني، ويحل محلها اقتصاد الخدمات الهش وسوق العمل المجزأ، تتحول تلك الفئات نفسها، المحرومة اليوم من امتيازاتها السابقة، إلى خزان تجنيد جاهز لخطاب روبنسون – لا لأنها “طبقة عاملة” بالمعنى الثوري للكلمة، بل لأنها فقدت الأفق المادي الذي كان يجعلها يومًا في صف الإصلاحية البرلمانية الهادئة، دون أن تجد بديلاً طبقيًا ثوريًا يملأ الفراغ.

نمط إنتاج واحد، استجابة طبقية واحدة ضرورية

ما يوحّد هذه المسارات الوطنية ليس محض صدفة ولا عدوى إيديولوجية بسيطة، بل هو الأزمة البنيوية للرأسمالية الأوروبية، التي عجزت عن توفير عمل مستقر أو سكن أو خدمات عامة كريمة لطبقاتها الشعبية، فتسعى بشكل منهجي إلى إعادة توجيه الغضب الاجتماعي نحو الأرضية العرقية والقومية بدلًا من الأرضية الطبقية. فمسألة الهجرة، المرفوعة من ألمانيا إلى إسبانيا مرورًا بالسواحل الإنجليزية، ليست سوى الستار المريح لهجوم أوسع على المكتسبات الاجتماعية والتنظيم العمالي – إذ يعد حزب “البديل” نفسه، كما رصدت الصحافة البلجيكية، بـ”تخفيضات اجتماعية” هي بالضبط ما يندد به متظاهرو برلين.

وفي مواجهة هذا الهجوم المنسّق من رأس المال المالي وميليشياته ، لا تكمن المهمة في المعاداة الأخلاقية للفاشية كما تمارسها المنظمات ، ولا في الثقة بالمحاكم أو بـ”الحواجز الصحية” الانتخابية للأحزاب البرجوازية – فقد أثبت الاتحاد الديمقراطي المسيحي نفسه ذلك حين صوّت أحيانًا مع حزب “البديل”. بل إن التنظيم المستقل للطبقة العاملة، على أرضيتها الخاصة، في جبهة موحدة من القاعدة ودون أي ثقة في الدولة البرجوازية المفترض أنها “تنظّم” ما أنتجته هي نفسها، هو وحده ما سمح تاريخيًا بدحر الوحش الفاشي دحرًا دائمًا.

هذا لا يعني الدعوة إلى انتظار سلبي لـ”النضج الموضوعي” للأزمة، ولا الاستهانة بأهمية التعبئة الفورية في الشارع كما حدث في برلين وفرانكفورت. بل يعني أن تُبنى هذه التعبئة على أرضية مختلفة جذريًا عن أرضية التحالفات المؤسساتية العابرة، عبر اعتماد نهج شعبي مستقل قوامه ثلاث ركائز: نقابات عمالية مستقلة استقلالاً تاماً عن الدولة ورأس المال في آنٍ معاً، ولجان دفاع شعبية متمركزة في الأحياء العمالية المستهدفة مباشرة من الخطاب العنصري، والأهم من ذلك، صياغة ربط منهجي وعضوي بين الدفاع عن المهاجرين والدفاع عن الأجور والخدمات العامة. فهذه المكاسب هي نفسها التي يستهدفها التقشف الذي يغذي الفاشية ويوفر لها بيئة حاضنة. فبدون هذا الربط الطبقي والمادي، ستُختزل المواجهة في مجرد إدانات ليبرالية وأخلاقية عقيمة، وسيستمر اليمين المتطرف في تفريق العمال عبر استخدام المهاجرين كـ’كبش فداء’ لتبرير تدهور الأوضاع المعيشية، مما يترك الجذر الحقيقي للأزمة (الرأسمالية) في مأمن من المحاسبة، ويُفشل أي محاولة حقيقية لاجتثاث الفاشية من جذورها.

إن خريف أوروبا 2026 ليس استثناءً، بل هو إنذار – وموعد اختبار لقدرة اليسار الأممي على استخلاص دروس القرن الماضي قبل فوات الأوان.

إلى الأعلى
×