بقلم منور السعيدي
حين يرحل مؤرخ بحجم وليد الخالدي، فإن فلسطين لا تفقد واحداً من كبار مؤرخيها فحسب، بل تفقد واحداً من أولئك الذين أدركوا أن الصراع على فلسطين ليس صراعاً على الأرض وحدها، وإنما هو أيضاً صراع على الذاكرة والتاريخ والوعي. فقد كان يعرف أن المشروع الصهيوني، بوصفه مشروعاً استعمارياً استيطانياً، لا يكتفي باقتلاع الإنسان من أرضه، بل يسعى أيضاً إلى اقتلاع الأرض من ذاكرته، وإعادة صياغة التاريخ بما يجعل الجريمة تبدو وكأنها قدر طبيعي، ويجعل الضحية غريباً عن وطنه.
وُلد وليد أحمد سامح الخالدي في القدس في 16 جويلية 1925، وتوفي فى 8 مارس 2026. تكوّن أكاديمياً في الجامعات البريطانية، وحصل على البكالوريا من جامعة لندن ثم الماجستير من أكسفورد. اشتغل بالتدريس والبحث في الفلسفة الإسلامية والعلوم السياسية، قبل أن يصبح أستاذاً للعلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت. وكان من مؤسسي مؤسسة الدراسات الفلسطينية سنة 1963، التي تحولت إلى واحدة من أهم المؤسسات العربية المتخصصة في البحث والتوثيق المتعلق بفلسطين و”الصراع العربي ـ الإسرائيلي”.
لكن القيمة الحقيقية للخالدي لا تختزل في سيرته الأكاديمية أو في المناصب التي شغلها. لقد اختار أن يجعل المعرفة في مواجهة النسيان، والوثيقة في مواجهة الرواية الاستعمارية، والتاريخ في مواجهة عملية محو شعب كامل من المكان والذاكرة. ومن أهم أعماله كتابه «قبل الشتات: تاريخ مصوّر للفلسطينيين، 1876–1948»، الذي أعاد من خلال الوثائق والصور والشهادات بناء صورة المجتمع الفلسطيني قبل النكبة، وكتابه المرجعي «كل ما تبقّى: القرى الفلسطينية التي احتلت وأُفرغت من سكانها عام 1948»، الذي وثّق مئات القرى الفلسطينية التي دُمّرت أو أُفرغت من سكانها. كما ترك دراسات وكتباً أخرى تناولت الصهيونية والقضية الفلسطينية وحرب 1948، من بينها «من الملجأ إلى الغزو»، و«فلسطين والصراع العربي ـ الإسرائيلي: ببليوغرافيا مشروحة»، إلى جانب عشرات الأبحاث والدراسات التي أصبحت جزءاً من الذاكرة العلمية للقضية الفلسطينية.
وهنا بالذات تبرز أهمية إرثه
لم تكن النكبة حادثاً عابراً في تاريخ المنطقة، ولا مجرد نتيجة لحرب بين جيوش متقابلة، إنها، في جوهرها، عملية اقتلاع اجتماعي واقتصادي وسياسي لشعب من أرضه، وإحلال مشروع استيطاني مكانه، في سياق دولي وإمبريالي وفّر للمشروع الصهيوني شروط القوة والحماية والاستمرار.
والفلسطيني الذي خرج من قريته سنة 1948 لم يكن مجرد «لاجئ» كان فلاحاً فقد أرضه، وعاملاً فقد مصدر رزقه، وأسرة اقتُلعت من بيئتها الاجتماعية، ومجتمعاً جرى تفكيكه بالقوة. ولذلك فإن توثيق الخالدي للقرى الفلسطينية وأسماء أصحابها ومصادر رزقهم وحياتهم الاجتماعية ليس مجرد عمل أرشيفي، بل هو استعادة للإنسان الذي حاول الاستعمار أن يحوله إلى رقم.
من هذه الزاوية يصبح «كل ما تبقّى» أكثر من كتاب تاريخ، إنه سجل اتهام ضد عملية اقتلاع استعمارية استهدفت الأرض والإنسان معاً، وضد محاولة محو مجتمع كامل وإلغاء وجوده من الذاكرة والجغرافيا.
لقد أدرك الخالدي أن من يسيطر على الأرض يريد السيطرة على الرواية، ومن يسيطر على الرواية يريد السيطرة على الوعي. ولذلك كان التوثيق فعلاً من أفعال المقاومة الثقافية. فالمعركة على الذاكرة ليست منفصلة عن المعركة على الأرض، كما أن تحرير الوعي ليس منفصلاً عن تحرير الإنسان.
وإذا كان إرثه قد نشأ في زمن النكبة وحروب المنطقة، فإن راهنيته اليوم أكثر وضوحاً. فما نشهده في فلسطين والشرق الأوسط ليس خروجاً من تاريخ النكبة، وإنما استمرار لصراع تاريخي لم تُحسم تناقضاته. فالاحتلال والاستيطان لم يتحولا إلى ذكرى، والدعم الأميركي لإسرائيل لم يصبح جزءاً من الماضي، بل ظل أحد العوامل الأساسية في موازين القوى الإقليمية، ضمن منظومة إمبريالية تحمي مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية.
إن قراءة فلسطين اليوم تقتضي تجاوز الخطاب الذي يحصر القضية في «نزاع» بين طرفين متساويين. هناك شعب مستعمَر ومقتلَع ومحتل، وهناك مشروع استيطاني مدعوم بقوة عسكرية واقتصادية ودبلوماسية هائلة، وهناك إمبريالية توفر لإسرائيل دعماً سياسياً وعسكرياً واسعاً، إلى جانب أنظمة عربية عميلة وخانعة وجبانة متشابكة المصالح مع منظومة السيطرة الإقليمية.
ولهذا فإن النضال الفلسطيني لا يمكن فصله عن الصراع الأوسع ضد الاستعمار والإمبريالية والرجعية والاستغلال. فلسطين ليست قضية حدود فقط، ولا قضية تفاوض دبلوماسي فقط، إنها قضية شعب يناضل من أجل التحرر الوطني والاجتماعي، وقضية طبقات شعبية دفعت ولا تزال تدفع الثمن الأكبر للحروب والاحتلال والتبعية والاستغلال.
ومن هنا تأتي أهمية استعادة إرث وليد الخالدي بالنسبة إلى اليسار الثوري العربي والفلسطيني للاستفادة من الدرس الذي تركه وراءه، لا يمكن بناء مقاومة سياسية حقيقية من دون مقاومة لمحاولات تزوير الوعي، ولا يمكن تحرير الأرض إذا تُرك التاريخ لمن يملك القوة لكتابته.
إن اليسار الثوري الذي يريد أن يكون جديراً بفلسطين لا يستطيع أن يتعامل معها كشعار موسمي، ولا أن يحولها إلى ورقة في صراعات الأنظمة، ولا أن يستبدل التحرر الوطني بالمساومات الدبلوماسية. عليه أن يربط بين مقاومة الاحتلال ومقاومة الإمبريالية، ومقاومة الرجعيات الحاكمة وبين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، وبين حق الفلسطيني في الأرض وحق العامل والفلاح واللاجئ في العدالة والكرامة.
وفي هذا السياق تستعيدنا مقولة الرفيق المناضل جورج حبش: «من يريد أن يدعم فلسطين، فليناضل في بلاده ضد الحكومات الرجعية». فالتضامن الحقيقي مع فلسطين لا يكون بالشعارات والمهرجانات وحدها، ولا بتحويل القضية إلى ورقة للمزايدة السياسية، والسمسره والارتزاق بل بتحويل التضامن إلى موقف ونضال، وبمواجهة أنظمة القمع والتبعية والاستغلال التي تشكل جزءاً من منظومة السيطرة التي تخدم مصالح الإمبريالية والصهيونية في المنطقة.
إن من يريد فلسطين حرة، عليه أن يناضل من أجل شعوب حرة. ومن يريد مواجهة المشروع الصهيوني والإمبريالي، عليه أن يواجه أيضاً أدواته المحلية من رجعية واستبداد وتبعية. فمعركة فلسطين ومعركة التحرر الاجتماعي والديمقراطي في بلداننا ليستا معركتين منفصلتين، وإنما وجهان لصراع أوسع ضد منظومة الاستغلال والهيمنة.
ففلسطين لا تحتاج إلى متفرجين يصفقون لنضالها، بل إلى شعوب تناضل من أجل حريتها، ولا تحتاج إلى حكومات تتاجر باسمها، بل إلى قوى شعبية تقطع مع الرجعية والتبعية والإمبريالية.
وهذا هو المعنى الأعمق الذي يمكن أن نستخلصه اليوم من إرث الخالدي: أن فلسطين لا تحتاج إلى ذاكرة عاطفية فقط، بل إلى ذاكرة علمية منظمة، لا تحتاج إلى الرثاء وحده، بل إلى تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى فعل، والفعل إلى مقاومة سياسية واجتماعية طويلة النفس.
رحل وليد الخالدي، لكن القرى التي أعاد أسماءها إلى الذاكرة لم ترحل. بقيت في الكتب، وفي الوثائق، وفي ذاكرة أبنائها، وفي حق الأجيال الفلسطينية القادمة في معرفة وطنها كما كان، لا كما يريد له الاستعمار أن يكون.
وفي زمن تُرتكب فيه الجرائم على مرأى العالم، وتُمنح آلة الحرب الإسرائيلية الغطاء السياسي والعسكري الأميركي، تصبح مهمة المؤرخ أكثر من أي وقت مضى جزءاً من معركة الحقيقة.
سلاماً لروح وليد الخالدي.
سلاماً لمؤرخ فهم أن التاريخ ليس مقبرة للماضي، بل سلاحاً في صراع الحاضر والمستقبل.
وإذا كان المشروع الاستعماري يريد فلسطين بلا ذاكرة، فإن مهمة كل مناضل من أجل التحرر أن يحفظ الذاكرة، ويكشف جذور الجريمة، ويمنع تحويل الضحية إلى متهم.
أرادوا محو أسماء القرى، فكتبها الخالدي.
أرادوا دفن الذاكرة، فأعادها إلى الكتب.
أرادوا أن يبدأ تاريخ فلسطين من لحظة قيام إسرائيل، فأعاد التاريخ إلى ما قبل النكبة.
وهكذا بقيت الحقيقة: فلسطين ليست قضية لاجئين بلا وطن، بل وطنٌ اقتُلع أهله، وليست مأساةً من الماضي، بل قضية تحرر لم تُنجز بعد.
ومن هنا لا يكون الوفاء لوليد الخالدي بالبكاء على رحيله، وإنما بمواصلة المعركة التي خدمها بقلمه ووثيقته: معركة فلسطين، ومعركة الذاكرة، ومعركة التحرر من الاستعمار والاستغلال والإمبريالية.
يموت المؤرخ، لكن الحقيقة التي أنقذها من النسيان لا تموت. وتبقى فلسطين حاضرة في الذاكرة، وفي المقاومة، وفي مستقبل الشعوب التي تناضل من أجل التحرر الوطني والانعتاق الاجتماعي.
صوت الشعب صوت الحقيقة
