الرئيسية / صوت الوطن / التوجّس المتجدّد في العلاقة بين الأحزاب والمنظّمات في تونس
التوجّس المتجدّد في العلاقة بين الأحزاب والمنظّمات في تونس

التوجّس المتجدّد في العلاقة بين الأحزاب والمنظّمات في تونس

بقلم الناصر بن رمضان

سؤال البداية، لماذا يعاود التوجس الظهور؟

كلما بدت في الأفق بارقة تقارب بين الأحزاب الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني في تونس، عاد إلى السطح ذلك التوجس القديم المتبادل: خشية الأحزاب من “استقلالوية” منظمات تعتبر نفسها فوق الصراع السياسي وقادرة على تجاوزه، وخشية المنظمات من أحزاب قد توظفها وتستخدم جماهيريتها أو مصداقيتها. هذا التوجس ليس سوء تفاهم عابر يمكن حله بمبادرات حسن نية، بل هو نتاج تراكم تاريخي طويل من العلاقة الملتبسة وغير المتكافئة التي فرضتها منظومات الحكم المتعاقبة في “شأن سياسي- حزبي” احتكرته الدولة وأحزاب المنظمات الرجعية المتعاقبة، و”شأن مدني” حوصر في زوايا “النقابي” و”الحقوقي” و”الاجتماعي” المنزوع عمدا من أيّ بعد سياسي مباشر. فالفجوة، حين نفحصها المجهر المادي الجدلي، ليست نتاج طبائع وأمزجة قيادات مختلفة بين “سياسيين” و”مدنيين”، بل نتاج تقسيم عمل فرضته الدولة البورقيبية “الحديثة” ثم البوليسية لاحقا مع الطاغية المخلوع على قوى المعارضة والمجتمع، لضمان ألا تلتقي طاقة التنظيم النقابي والحقوقي والجمعياتي بالطاقة الحزبية في جبهة واحدة قادرة على تهديد ميزان القوى القائم، لذلك ظل هذان الطرفان محكومان بتضخيم الفجوات السياسية والعملية وفي أحسن الحالات يحافظان باستمرار على علاقة “الجوار الحذر”.

من يقف وراء تعميق الفجوة؟ نقد لا يعفي أحدا

الإجابة المباشرة عن سؤال “من المسؤول”؟ تحمّل السلطة السياسية الحاكمة في كل مراحلها المسؤولية الرئيسية. فقد مارست الدولة التونسية، من “الحزب الواحد” إلى “التجمع” ثم إلى الديكتاتورية الشعبوية اليوم، سياسة “التفكيك والتأطير” كاستراتيجيا ممنهجة لتفكيك أيّ تقاطع محتمل بين العمل الحزبي المعارض والعمل النقابي والحقوقي والجمعياتي من خلال خنق استقلالية الاتحاد العام التونسي للشغل وترويض قياداته حينا وقمعها وتدجينها حينا آخر، إلى تجفيف منابع العمل الجمعياتي المستقل عبر قوانين التراخيص والتمويل، إلى زرع الريبة عبر تنشيط أجهزة الإعلام الرسمي التي دأبت على تصوير كل تقاطع بين “السياسي” و”المدني” على أنه “تسييس” مشبوه للعمل الأهلي. هذا هو جوهر اللعبة الهادفة إلى إبقاء الطرفين في عزلة متبادلة وتعميق الفجوة بينهما، كي يسهل ضرب أحدهما بالآخر عند الحاجة، وكي لا تتشكل أبدا تلك الكتلة التاريخية بالمفهوم القرامشي القادرة على تغيير موازين القوى.

لكن النظرة المادية الجدلية، لا يمكن أن تكتفي بإدانة السلطة، إذ السلطة لا تستطيع اختراع الانقسامات من العدم. إنها تستثمر تناقضات موجودة أصلا داخل المجتمع وهذا بالضبط ما يجب أن تقوله القراءة المادية التاريخية: البنية السياسية لا تنتج وحدها الوعي والممارسة، إنها تتفاعل مع المصالح الاجتماعية ومواقع الطبقات وتاريخ التنظيمات وذاكرتها ودرجة استقلالها عن الدولة والسوق. وبالعودة لتاريخ المنظمات والجمعيات يتضح لنا أنه قد ترسخت داخل شرائح واسعة من المجتمع المدني التونسي، نزعة “استقلالوية” حقيقية، تحولت أحيانا من موقف مبدئي مشروع في الدفاع عن استقلالية القرار الجمعياتي وخصوصياته ومجالاته، إلى عقيدة متصلبة تنظر بريبة وتوجس إلى كل تقاطع أو عمل مشترك مع الأحزاب معتبرة إياه تلويثا لـ”نقاء” العمل المدني و”موضوعيته” و”حياديته”، ناهيك وأنّ البعض من الجمعيات محكومة منذ تأسيسها بأجندات العمل الليبرالي التي تسعى إلى فصل الصراع الحقوقي والمدني عن الصراع الطبقي والسياسي الشامل.

هذه النزعة، وإن نشأت كرد فعل مشروع على بعض أخطاء التوظيف الحزبي في حقب سابقة، فقد تحولت مع الوقت إلى عائق موضوعي أمام أيّ بناء لجبهة ديمقراطية واسعة. وأن ما يمكن تسميته “بفيتشية الاستقلالية” أي تحويل مبدأ الاستقلالية عن الأحزاب من شرط مرن لمنع التوظيف إلى عقيدة صارمة صلبة تشل حركة الفعل المشترك. وبذلك غذّت بعض الجمعيات والمنظمات وَهْم إمكانية تغيير موازين القوى عبر “المناصرة” و”الحوار المجتمعي”. وهكذا التقت، من موقعين مختلفين، سياسة الدولة الهادفة إلى التفكيك والتأطير مع النوعية الاستقلالوية خصوصا تجاه القوى الثورية لدى جزء من النخب المدنية دون أن تقصد هذه المنظمات بالضرورة خدمة السلطة القائمة.

لحظة الرباعي، حين انكسر منطق الفصل

جاءت المرحلة التي أعقبت ثورة 2011 لتكشف، ولو مؤقتا، هشاشة هذا الجدار الوهمي الفاصل بين الحزبي والمنظمات. فحين بلغ الاستقطاب السياسي بين الإسلام السياسي وخصومه من الديمقراطيين حدا هدد بانفجار البلاد سنة 2013، لم تكن أحزاب الجبهة الشعبية المتمددة وحدها قادرة على تعديل ميزان القوى، بل كانت منظمات المجتمع المدني – الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للمحامين – هي من امتلك الشرعية التمثيلية والقدرة التنظيمية الكافيتين لفرض مخرج توافقي عبر ما عرف بـ”الحوار الوطني”. وفي الحقيقة، لم يكن نجاح هذا “الرباعي” معجزة تونسية، بل كان لحظة موضوعية التقت فيها مصلحة قوى اجتماعية متعددة (نقابة عمالية، منظمة أرباب عمل، هيئتان حقوقيتان مهنيتان) مع أحزاب سياسية من داخل وخارج الجبهة الشعبية، فحصل ما يشبه “الجبهة الواسعة” الظرفية (جبهة الإنقاذ) التي أنتجت حلا سياسيا إجرائيا أنقذ البلاد من خطر الإرهاب والاحتراب الأهلي كانت تلك اللحظة استثناء يؤكد القاعدة: حين تتقاطع مصالح موضوعية للقوى المنظمة الحزبية منها والمدنية، يذوب التوجس المتبادل، ويصبح التنسيق ضرورة عملية لا خيارا أخلاقيا.

الشلل الشعبوي، كيف أعيد إنتاج التفريق بأدوات جديدة؟

غير أنّ هذا المكسب التوافقي الشكلي لم يصمد ولم يمسّ البنية التحتية للمجتمع، ممّا خلق فراغا هيكليا ومناخا جديدا للاحتقان الجماهيري، فجرى الانقلاب عليه تدريجيا منذ 2021 عبر خطاب شعبوي جديد استثمر بذكاء في تراكم الإحباط الشعبي من عشرية “الانتقال الديمقراطي” وعجزها عن تحقيق العدالة الاجتماعية. لم يكتف هذا الخطاب الشعبوي الجديد بضرب الأحزاب ونزع الشرعية عنها بوصفها “نخبا فاسدة”، بل استهدف بنفس المنطق منظمات المجتمع المدني ذاتها، متهما إياها بالفساد والعمالة للخارج والارتزاق بالتمويلات الأجنبية، فأنتج بذلك ترذيلا مزدوجا للشأن العام برمته: سياسيا كان أو مدنيا. والأخطر أنّ هذا الخطاب وجد صدى شعبيا حقيقيا، لأنّ العشرية السابقة لم تفلح خلالها، لا الأحزاب ولا المنظمات، في تقديم برنامج اجتماعي لبديل مشترك يلامس معيشة الفقراء والمهمشين، فتُرك الحقل فارغا لملء شعبوي استبدادي استغل الفراغ ليعيد إنتاج القمع بأدوات “الشرعية الشعبية المباشرة” هذه المرة، لا بأدوات الحزب الواحد التقليدية. وهنا نلمس التقاء آخر بين قمع الدولة الجديد ونزعة استقلالوية مستقرة لدى بعض المنظمات التي آثرت الصمت أو الحياد إزاء ملاحقة الأحزاب، ظنا منها أنها بذلك تحمي “استقلاليتها”، قبل أن يطالها القمع نفسه لاحقا.

بيان 3 سبتمبر، بارقة أمل أم تكرار لتجربة سابقة؟

في هذا السياق بالذات يكتسب البيان المشترك الصادر يوم 3 سبتمبر 2026 عن ثلاثة من مكونات “رباعي الحوار الوطني” التاريخي – الاتحاد العام التونسي للشغل، والهيئة الوطنية للمحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان – تحت شعار “تونس أولا والشعب فوق كل اعتبار”، أهمية رمزية وسياسية لا يمكن التقليل منها إن كتب لها التوسيع والتجذير الميداني. فالبيان الذي حمّل السلطة القائمة “المسؤولية السياسية الكاملة” عن الأوضاع الراهنة بعد خمس سنوات من التجريف الممنهج للمكتسبات الديمقراطية وإدارة الشأن العام خارج منطق الحوار والتشاركية، دعا في الوضوح إلى مراجعة شاملة للخيارات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يمثل استعادة جزئية لمنطق “الرباعي” في لحظة قد تكون أشد خطورة مما كانت عليه سنة 2013. لكن غياب عديد المنظمات والجمعيات (اتحاد المعطلين، نقابة الصحافيين، النساء الديمقراطيات…) عن هذه المبادرة، وغياب أي إشارة صريحة إلى ضرورة إشراك الأحزاب التقدمية والديمقراطية المناهضة للانقلاب في هذا “الإطار التنسيقي”، يكشفان أنّ المنظمات، رغم شجاعة موقفها، ما زالت تتحرك بمنطق “المجتمع المدني وحده” الذي جرّب حدوده من قبل. وبارقة الأمل هذه لن تتحول إلى قوة تغيير فعلية إلا إذا توسعت وتجاوزت حدود “المطالبة بالحوار” وحدود كونها آلية للتفاوض حول علاقة السلطة بالمنظمات وقوة هذه المبادرة الحقيقية تبدأ عندما تنتقل إلى صياغة أفق برنامجي مشترك مع القوى السياسية الديمقراطية الحقيقية، لا مع سلطة رفضت الحوار أصلا، وهو ما يجب أن تنتبه إليه كل الهيئات القيادية للأحزاب والمنظمات الديمقراطية.

ما بعد القمع، نحو أفق البديل الديمقراطي الاجتماعي

إنّ القمع مهما بلغت شراسته لن يظل إلى الأبد هو المحدد الوحيد في لحظات التقارب بين المجتمعين السياسي والمدني، لأنّ القمع بطبيعته ردّ فعل دفاعي لا يبني مشروعا. وبالتالي فالمحدد هو البرنامج البديل للأزمة المعيشية والاجتماعية العميقة التي تعبّر عن نفسها اليوم في أزمات الماء والكهرباء والدواء وغلاء الأسعار وفواجع الهجرة غير النظامية ينضاف إليها المنسوب العالي للاختناق والاحتقان السياسي وضرب الحريات الفردية والديمقراطية، هو ما يفرض موضوعيا الانتقال من منطق “التضامن الظرفي إزاء القمع” إلى منطق “البرنامج المشترك” الذي يوحّد مطلب الحرية السياسية بمطلب العدالة الاجتماعية في معادلة واحدة لا تتجزأ.فالعمل المشترك الديمقراطي الاجتماعي المنشود لن يُبنى بمجرد بيانات تضامن متبادلة، بل ببناء صبور وتدرجي لثقة سياسية جديدة تتجاوز إرث الاستقلالوية من جهة وإرث التوجس من العمل مع الأحزاب الديمقراطية والتقدمية من جهة أخرى، باتجاه جبهة تاريخية واسعة قادرة على تغيير ميزان القوى فعليا، لا الاكتفاء بإدانة “مسيحية” للاستبداد في المطلق. وهذا بالضبط هو التحدي الذي يضع تونس اليوم أمام لحظة حاسمة: إما مزيد تعميق دورة القمع والعزلة والشلل والدمار المجتمعي بالكامل، أو الانتقال إلى طور أرقى من أطوار الصراع الطبقي من أجل بديل ديمقراطي شعبي يجمع ولا يفرّق، بين المجتمعين السياسي والمدني. وقد أثبتت التجربة التاريخية أن الالتقاء القائم فقط على رد الفعل ضد عن القمع لا يعمّر طويلا وعادة ما يتفكك بمجرد تغيير تكتيكات السلطة. إنّ عمق الأزمة يفرض الارتقاء من “تقاطعات الضرورة” إلى برامج البديل الديمقراطي الاجتماعي إذ المرحلة تتطلب الانتقال من النضال القطاعي والحقوقي المجزأ إلى صراع طبقي واعد ومنظّم ونقل المعركة من المطالبة بالإصلاحات السياسية الإجرائية إلى مواجهة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية التابعة.

إنّ ميزان القوى لن يتغير لصالح القوى الديمقراطية والتقدمية عبر التشاكي والتباكي الدائم من استبداد السلطة، بل من خلال نقد ذاتي جاد وصارم للخطاب والممارسة في الحقلين السياسي والمدني. إنّ الشروط التاريخية لتأسيس بديل ديمقراطي شعبي متوفرة بذاتها في عمق الأزمة، لكن تحويل هذه الشروط إلى قوة فاعلة يتطلب وعيا أنضج وشجاعة فكرية وتكتيكية ترتقي بالعمل المشترك من محور الدفاع عن الوجود إلى قلب المعادلة لتغيير واقع التهميش والاستبداد.

وهنا بالذات يمكن أن تتوسع مبادرة المنظمات الثلاث فتنفتح على الأحزاب الديمقراطية والتقدمية وتلتقي دون أن يتوجس أحدهما من الآخر ودون أدنى ارتياب حول برنامج إنقاذ مشترك يحفظ خصوصيات كل طرف في سبيل بناء وحدة ميدانية واعية بتناقضاتها تعرف أين تتفق وأين تختلف، وحدة لا تعمل على إنقاذ النظام السياسي من الانهيار بل إنقاذ المجتمع من الاستبداد والأزمة الاجتماعية والاقتصادية معا.

إلى الأعلى
×