بقلم وليد المرداسي
بينما تسعى الدوائر الامبريالية جاهدة لاحتواء جبهات المقاومة، تنتقل كتلة النار في منطقة الشرق الأوسط كجسد واحد؛ حيث تخمد تارة في إيران وجنوب لبنان لتنفجر طوراً وبكثافة استراتيجية غير متوقعة في اليمن، مؤكدةً وحدة المصير في مجابهة غطرسة المحور الصهيو-أمريكي. وجاء الاشتعال الأخير لجبهات الساحل الغربي وباب المندب ليقوض نهائياً أوهام “التدجين” ومشاريع العزل التي أريد منها تحييد الإرادة اليمنية عن معارك محور المقاومة. فإن معادلة “حصار بحصار” التي تفرضها القوى المقاومة اليوم باليمن، واستهداف المنشآت النفطية للوكلاء الإقليميين، ليس مجرد رد فعل عسكري فحسب، بل هو فعل تحرري يكسر طوق الحصار المعيشي المفروض على الشعب اليمني، ويفكك الأدوات المحلية والأنظمة الوظيفية التي ارتضت لنفسها دور الحارس الأمين للمصالح الإمبريالية وممراتها البحرية على حساب دماء الشعوب.
الهدنة المسمومة: مأسسة الجوع كأداة حرب استعمارية :
إن أي محاولة لتفكيك المشهد اليمني الراهن خارج سياق الصراع الاقليمي و الدولي، والتعامي عن الطبيعة المتوحشة لأدوات الهيمنة الإمبريالية ، ليست سوى سقوط ساذج في فخ البروباغندا الغربية المضللة. فالهدنة الهشة التي جرى تسويقها ورعايتها أممياً منذ عام 2022، لم تكن في جوهرها السياسي والمادي سوى “سلام مؤقت مغشوش”، صُمم بعناية فائقة في الغرف الخلفية لمراكز التخطيط الإمبريالي بهدف مأسسة الحصار وتحويله من أداة عسكرية فجة إلى قيد اقتصادي هيكلي يجفف منابع عيش الشعب اليمني ومن ورائه خنق قوى المقاومة. ففي الوقت الذي تتدفق فيه شحنات النفط والغاز اليمني المنهوب بسلاسة نحو جيوب الشركات الاحتكارية العالمية والأنظمة الوظيفية الحاكمة في الإقليم، يُحرم ملايين من الشعوب في مناطق السيطرة لقوى المقاومة من أبسط مقومات البقاء الإنساني، وتُحتجز رواتبهم المستحقة كرهينة سياسية قذرة لتركيع الإرادة الشعبية وتأليب الحاضنة الاجتماعية ضد خيار المواجهة والمقاومة.
هنا تحديداً، تكتسب معادلة “حصار بحصار” التي فجرتها المقاومة أبعاداً سياسية و اقتصادية أعمق بكثير من معادلات الحروب التقليدية المحصورة في الأبعاد العسكرية الصرفة؛ إنها الرد الكفاحي والوحيد الممكن على العنف الاستعماري الغاشم والممنهج الذي تمارسه المنظومة الامبريالية عبر التجويع الجماعي لانتزاع التنازلات السياسية. واستهداف قوى المقاومة للمنشآت النفطية الحيوية للوكلاء الإقليميين في عمق أراضيهم، والرد الحازم على قصف مدرجات مطار صنعاء الدولي، لا يأتي في سياق الاستعراض العسكري، بل هو نسف حقيقي وديناميكي للتواجد الامبريالي ووكلائه والقائم على امتصاص دماء الشعوب ونهب مقدراتها الوطنية وتأمين رفاهية العواصم التابعة على حساب دماء ومآسي الشعب اليمني. إن المقاومة بتصعيدها الأخير تعيد كتابة أبجديات التحرر الوطني والاجتماعي بشكل حاسم: لا يمكن بحال من الأحوال فصل البندقية المقاتلة عن رغيف خبز الجائعين، ومعركة السيادة تفقد كل مضامينها الثورية والتحررية إن لم تنطلق ابتداءً من انتزاع لقمة العيش الكريمة من براثن السماسرة والوكلاء المحميين بترسانات حلف الناتو وأموال الإمبريالية النفطية.
الساحل الغربي وحرب الممرات
على الصعيد الجيوسياسي والدولي، يتجاوز الزلزال العسكري المتفجر في الساحل الغربي لليمن حدود الخرائط المحلية والاشتباكات الحدودية ليرتطم مباشرة بالمفاصل الحيوية والحساسة التي تضمن استمرار الدورة الحياتية للاقتصاد الرأسمالي المعولم، فإن جرأة قوى المقاومة اليمنية نحو السيطرة الميدانية والنارية على مدينة وميناء المخا التاريخي، ومديريات حيس والخوخة، وصولاً إلى بسط السيادة الكاملة فوق جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى وجزيرة ميون الاستراتيجية، لا يمكن اختزاله كإنجاز تكتيكي فحسب، بل هو قطع جذري لشريان اللوجستيك الإمبريالي وحبل الوريد الاقتصادي الذي يغذي الكيان الصهيوني والشركات الاحتكارية العابرة للقارات عبر مضيق باب المندب. هذه السيطرة الميدانية المباشرة تمثل صفعة قاصمة لمنظومة “حرية التجارة القسرية” التي طالما اعتبرت البحار والممرات الدولية مشاعاً استعمارياً آمناً لنهب دول الجنوب وتأمين تدفق السلع ورؤوس الأموال الغربية دون رقيب أو حسيب.
وفي هذا الخضم الدولي المتلاطم، يتجلى بوضوح المأزق والعجز الاستراتيجي الكلي للإمبريالية الأمريكية وحلفائها؛ إذ تعيش الدوائر الغربية اليوم حالة من التخبط العسكري والسياسي غير المسبوق جراء فقدانها الكامل لزمام المبادرة الميدانية ، حيث إن ترساناتها الحربية الضخمة وأساطيلها البحرية المتطورة تقف عاجزة تماماً عن خوض معركة برية مباشرة بالنظر إلى الكلفة الاقتصادية والبشرية الكارثية التي قد تعجل بانهيار جبهاتها الداخلية المنهمكة أصلاً في أزمات التضخم الهيكلي والركود الاقتصادي والاضطراب الاجتماعي. وفي المقابل، لا يمكن لعقل الرأسمالية الاحتكارية القبول بخسارة الإشراف التاريخي على خطوط الإمداد البحري لصالح قوى مقاومة صلبة ترفض كل أشكال المساومة. هذا التناقض الصارخ والمستعصي على الحل هو ما يدفع واشنطن وعواصم التبعية الإقليمية لتفعيل استراتيجيتهم الكلاسيكية الخبيثة وهي تفخيخ الجبهات الداخلية عبر تحريك مجاميع الوكلاء المحليين وقوات ما يسمى زيفا بـ “القوى الوطنية”، وفتح محاور استنزاف برية موازية في مأرب وتعز والبيضاء والجوف باستخدام الأسلحة النوعية والطيران والمسيّرات، في محاولة بائسة لتشتيت الزخم المقاوم وتحويل المعركة التحررية الشاملة ضد الاستعمار إلى حرب أهلية واقتتال داخلي يستنزف دماء اليمنيين ويطيل أمد التبعية والاستعمار الاقتصادي.
المآلات والسيناريوهات المفتوحة:
تتجه الأزمة اليمنية المتجددة نحو مسارات بالغة التعقيد والخطورة، تضع المنطقة بأسرها على صفيح ساخن من التحولات الجيوسياسية، وتتأرجح مآلاتها الحتمية بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية تحكمها موازين القوة والدم المفروضة على الأرض:
أولاً: حرب استنزاف شاملة وإقليمية طويلة الأمد: في هذا المسار، سيؤدي تشبث المقاومة بمكسبها الاستراتيجي والتاريخي في باب المندب والساحل الغربي إلى إجبار الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين على الانخراط في حرب ردع ومواجهة مفتوحة ومكلفة للغاية لا أفق لمهادنتها ، فهذا الغليان المستمر سيعمل على قذف أسعار النفط العالمية إلى مستويات قياسية ، مما يعني نقل أزمة التضخم والاضطراب الاجتماعي مباشرة إلى قلب العواصم الرأسمالية الغربية، وتحويل ممرات الطاقة الحيوية إلى حقول ألغام جيوسياسية تستنزف قدرات المحور الصهيو-أمريكي وتعمق أزمته البنيوية المتفاقمة.
ثانياً: تدويل عسكري مباشر وفصل الممر المائي: قد تدفع الهستيريا الغربية الناجمة عن نجاح خنق حركة الملاحة الصهيونية والرأسمالية نحو مغامرة مجنونة لتشكيل تحالف عسكري دولي مباشر لعزل الصراع البحري وتأمين المضيق بالقوة الغاشمة، بعيداً عن تعقيدات المعارك البرية وتكلفة التدخل الداخلي في اليمن. هذا الخيار الانتحاري سيحول البحر الأحمر رسمياً إلى بحيرة مواجهة دولية مفتوحة ومباشرة، تصطدم فيها الإرادة قوى المقاومة الحرة للشعوب مع ترسانات الحرب الإمبريالية وجهاً لوجه في صراع كسر عظم استراتيجي.
ثالثاً: الرضوخ الاضطراري للمحور الاستعماري لشروط المقاومة: إن تهاوي خطوط دفاع الوكلاء المحليين والضربات البالستية والمسيرة المركزة في العمق النفطي للإقليم قد يجبران الرياض وواشنطن على التراجع التكتيكي والهروب نحو صياغة تسوية حقيقية غير مغشوشة؛ تسوية لا تكتفي بوقف إطلاق النار، بل تذعن صاغرة لمطالب المقاومة اليمنية، وعلى رأسها إنهاء الحصار الشامل، وفتح الموانئ والمطارات، ودفع مرتبات العمال والموظفين من عائدات ثرواتهم الوطنية المنهوبة بلا قيد أو شرط، وهو السيناريو الذي تعرقله راهناً غطرسة الدوائر الصهيو-أمريكية وإصرارها على مواصلة الحرب حتى الرمق الأخير لوكلائها.
بوصلة المقاومة التي لا تخطئ:
إن الدرس البليغ والملهم الذي يسطره اليمن اليوم بالدم والنار والمقاومة الشرسة يثبت مجدداً وبشكل قاطع لا لبس فيه صحة المنهج الفكري والمادي التاريخي للمقاومة الملتزمة ، إن إرادة الشعوب الحية و الحرة ، حين تملك وعيها المنحاز للمقاومة وخيارها الوطني المستقل، قادرة تماماً على إرباك أعتى الترسانات العسكرية الامبريالية وتفكيك أعقد مخططاتها الاستعمارية في المنطقة ، حيث إن معركة الساحل الغربي وباب المندب ليست مجرد مناورة عسكرية على رقعة شطرنج إقليمية يديرها الكبار من وراء البحار، بل هي صرخة تحررية وطنية تعلن بوضوح أن جغرافيا اليمن لن تكون بعد اليوم رهينة مستباحة في سوق النخاسة الدولي ولا حارساً أميناً لمصالح الإمبريالية المتوحشة، بل هي رأس حربة حقيقي يصنع التاريخ ويمهد الطريق لتصفية الاستعمار وأدواته الوظيفية، مكرسةً انتصار إرادة الشعوب الحرة على بطش رأس المال و وحشية آلياته الحربية الضخمة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
