بقلم الهادي مانع
أيام معدودة تفصلنا عن انطلاق سنة جامعية جديدة تحمل في طياتها أحلام آلاف الشباب الطامحين إلى الدراسة والنجاح، باحثين عن مستقبل أفضل وحياة كريمة، إلا أن الواقع لا يخلو من الأزمات والمشاكل خاصة في هذه الحقبة التعيسة التي تعيشها البلاد التونسية في ظل نظام حكمها الديكتاتوري الفاشي بزعامة قيس سعيد. حيث تواجه الطالبات والطلبة مشاكل بالجملة في الحياة الجامعية سوى في الكليات والمعاهد أو المبيتات والمطاعم الجامعية. والجدير بالذكر أن عائلاتهم أيضا ليست بمعزل عن هذه الأزمات والمشاكل. في المقابل دولة سعيد تسعى بالتعويل على كل أجهزتها من صحافة إلى وزارات… إلى التسويق لسنة جامعية ناجحة أي عكس الموجود على أرض الواقع.
فهل يمكن الحديث عن سنة جامعية جديدة “ناجحة” إثر هذه الأزمات القديمة والمتواصلة؟ وهل تعكس أزمات الجامعة مجرد سوء تسيير أم أنها نتيجة خيارات وسياسات عمومية أعمق؟
وأيّ ظروف يجب توفيرها للطالب ليتمكن من الدراسة والنجاح في آن وأن يواكب متطلبات سوق الشغل في آن آخر؟
واقع الطلبة و تواصل الأزمات الجامعية
بعد أن تمكن التلاميذ من اجتياز أول امتحان حقيقي في الحياة الدراسية المتمثل في النجاح في اختبار البكالوريا تتعلق آماله وعائلته بالالتحاق بالحياة الجامعية وضمان مستقبل مهني ومعيشي محترم. وهو الأمر الذي نجحت المنظومة في التسويق له بالإقرار بوجود حياة جامعية لائقة وتوفر كل مقومات النجاح، سواء في الكليات أو في الخدمات الجامعية. وهو الأمر الذي لا يمت للواقع بصلة، فيتفاجأ الطالب بجملة من المشاكل القديمة الجديدة.
- 1. أزمات الكليات و المعاهد العليا
تعاني الكليات والمعاهد العليا منذ سنوات عديدة من عدة أزمات منها أزمة اكتظاظ القاعات والمدرجات، حيث بلغ إجمالي طاقة الاستيعاب المقررة لطلبة السنة الأولى تعليم عالي (موزعة على مختلف الشعب والمسارات الدراسية في دليل التوجيه الجامعي الرسمي) 67.000 مقعدا جامعيا مقابل بلوغ عدد الناجحين الجملي في امتحان البكالوريا لسنة 2026 (أثر احتساب الناجحين في الدورتين الرئيسية والمراقبة) 78.575 تلميذا وتلميذة. أي أن ما يزيد عن أحد عشر ألف طالب هم فوق طاقة الاستيعاب، بنسبة عجز تقدر ب14.7%. كذلك يمكن الحديث عن مشكل نقص التجهيزات الضرورية في التكوين و حتى التجهيزات الموجودة إما أنها تشهد نقصا كبيرا أو تكون قديمة و لم تعد صالحة للاستعمال. و أن دل هذا على شيء فيدل على أن الدولة لم تعد تستثمر في التعليم، و غالبا ما يضطر الطالب لشرائها بنفسه و هو ما يزيد في إثقال كاهل العائلات بالمصاريف… بالحديث عن أزمات الكليات لا يمكن تجاوز النقطة الأهم و المتمثلة في عدم مواكبة تطورات العالم العلمية و التقنية و متطلبات سوق الشغل و تواصل الاعتماد على البرامج البيداغوجية القديمة و التي لا يمكن وصفها بعبارة أجمل من أنها ” آكل عنها الدهر و شرب”. أفضل دليل يمكن طرحه في هذه النقطة هو نظام “امد” والذي تم اعتماده في تونس بعد تجربته في عدة دول أوروبية منها فرنسا ووصلوا إلى الإقرار بفشله وعدم مواصلة العمل به. إلا أن تونس (أو الجهات الخارجية المتحكمة الحقيقية) كان لها رأي آخر وبقيت تواصل العمل بهذا النظام الذي أقر الجميع بفشله.
- 2. أزمات المبيتات و المطاعم الجامعية
بلغت طاقة الإيواء الإجمالية في المبيتات والأحياء الجامعية 65.365 سريرا، مع العلم أن بلوغ هذا العدد حصل نتيجة أن الغرف تعمل بأكثر من 150% من طاقة استيعابها. مع ذلك فإن عدد الأسرة لا يغطي حتى عدد الطلبة في السنة الأولى، بالإضافة إلى نقص العملة فيها وهو ما يسبب غياب الحد الأدنى من النظافة، كذلك غياب الحماية في محيط المبيتات الجامعية، وبعدها عن الكليات، وصعوبة التنقل…
أما المطاعم الجامعية، فلا تقل أزمتها عن المبيتات، إذ يعاني الطلبة من محدودية طاقة الاستيعاب، بما يخلق طوابير طويلة ويجعل الحصول على وجبة في وقت قصير أمر شبه مستحيل. كما تطرح جودة الوجبات وتنوعها إشكالات متواصلة، فضلا عن ضعف التجهيزات وتهالك أغلب المطاعم وغياب الصيانة الدورية. ويضاف إلى ذلك عدم ملاءمة توقيت تقديم الوجبات مع جداول الدروس، مما يحرم عددا من الطلبة من الانتفاع بهذه الخدمة، خاصة الذين يدرسون في مؤسسات بعيدة عن المطاعم الجامعية. كما تظل خدمات المطاعم غير متناسبة مع حاجيات الطلبة، في ظل غياب تصور شامل يضمن لهم تغذية سليمة ومتوازنة باعتبارها حقاً من حقوقهم في حياتهم الجامعية.
تكشف هذه الأزمات عن مفارقة واضحة بين واقع جامعي يثقل كاهل الطلبة وعائلاتهم، وخطاب رسمي يسعى إلى تقديم سنة جامعية ناجحة ومستقرة. فكيف يمكن الحديث عن النجاح في ظل الاكتظاظ وتدهور التجهيزات وأزمات الإيواء والتغذية والنقل؟ إن تجاوز هذه الوضعية لا يكون بالحلول الظرفية، بل عبر سياسات عمومية تضمن للطالب ظروفا مادية وبيداغوجية واجتماعية ملائمة، وتوفر له تعليما جيدا وخدمات جامعية تضمن حقه في الدراسة والنجاح، مع تطوير التكوين بما يواكب التطورات ومتطلبات سوق الشغل.
إن تجاوز أزمة الجامعة لا يمكن أن يتم عبر إجراءات ظرفية أو وعود موسمية، بل يتطلب بناء سياسة عمومية واضحة. ويبدأ ذلك بالترفيع في ميزانية التعليم العالي وتوجيه موارد كافية لصيانة الكليات والمعاهد وتجديد تجهيزاتها. كما تقتضي معالجة أزمة المبيتات الرفع من طاقة الإيواء وتحسين ظروف السكن، عبر بناء مبيتات جديدة وصيانة الموجودة، وانتداب العدد الكافي من العملة وأعوان الحراسة لضمان النظافة والأمان. أما المطاعم الجامعية، فيجب تطوير بنيتها وتجهيزاتها، والرفع من طاقة استيعابها، وخاصة تحسين جودة الوجبات وتنوعها بما يضمن للطالب تغذية سليمة ومتوازنة.
ولا يمكن فصل الإصلاح المادي عن الإصلاح البيداغوجي، إذ أصبح من الضروري مراجعة البرامج والتكوينات الجامعية وتحيينها بما يواكب التطورات العلمية والتكنولوجية والتحولات المتسارعة في سوق الشغل، مع توفير تكوينات تطبيقية وتدريب مهني يساعد الطالب على الانتقال السلس من الجامعة إلى الحياة المهنية. كما ينبغي تطوير منظومة النقل الجامعي وربط المبيتات والمؤسسات الجامعية بشبكة نقل منتظمة وميسرة.
وفي المقابل، لا يمكن لأي إصلاح أن ينجح دون إشراك الطلبة وممثليهم (الاتحاد العام لطلبة تونس بالأساس) في تحديد الأولويات وتقييم الخدمات الجامعية والدفاع عن حقوقهم. فالمطلوب ليس مجرد تحسين بعض الخدمات، بل بناء جامعة عمومية تضمن تكافؤ الفرص، وتضع حق الطالب في تعليم جيد وحياة جامعية كريمة في صميم سياساتها.
صوت الشعب صوت الحقيقة
