بقلم د محمد بوقرين
انطلقت أشغال المجلس الأعلى للتربية والتعليم منذ أوت 2026 وقد عدَه البعض حلا تاريخيا طال انتظاره. ومن الحجج التي يستند إليها أصحاب هذه الرؤية المتفائلة أنَ المجلس يضم كفاءات جامعية ومتفقدين وخبراء في التكوين والطفولة والسياسات التعليمية. وقد عبر بعض الملاحظين عن رفضهم لجملة من الأسماء التي تولَت المناصب بسبب وجود خبراء في الساحة التربوية أكثر جدارة علمية. واقترحوا ضرورة تشريكهم والعمل باجتهاداتهم ضمن استراتيجية عابرة للحكومات، فيأخذ المجلس بذلك طابعا تقريريا لا استشاريا ويكون مكسبا وطنيا ثابتا لا يتأثر بتغيير التشكيل الوزاري. والمنطق الخفي الذي يختفي وراء هذا الموقف هو اعتبار العلم مفتاحا سحريا لكل المشاكل. فالاستعانة بالخبير الذي يحمل اختصاصا علميا هو صك براءة وإضفاء للشرعية على أعمال المجلس.
ولئن نسلم بأهمية الاحتكام إلى قيمة العلم فإننا نرى أن المحصول العلمي غالبا ما يتحول إلى أداة من الأدوات التي تستعمل في الصراع الدائر بين رغبة أغلبية المجتمع في التحرر والخروج بحلول حقيقية للمشاكل المركبة للمرفق التربوى مثل ضعف التمويل وتدهور البنية التحتية ونقص تكوين المدرسين وبين محاولات الجذب إلى الخلف عبر التوظيف السياسي والإيديولوجي للترسانة المفاهيمية التي يحملها الخبير العلمي، فالخبراء في النهاية هم كائنات اجتماعية يمتلكون خلفيات فكرية وقناعات واختيارات. فقد يختار البعض ضرورة النهوض بجودة التعليم وتكافؤ الفرص وإعادة الاعتبار للمدرسة كفضاء لبناء الوعي والحرية والعدالة الاجتماعية، وقد يقبل البعض الآخر أن يؤدى دور ناشر الإيهام بوجود تغيير والتبرير للخطاب المحافظ والشعبوي والمذيل للنيو ليبرالية. لذلك لا يمكن أن نجعل كل الخبراء في كتلة واحدة، فالمعركة في تونس اليوم ليس بين مختص في علوم التربية وغير مختص، بل هي صراع بين رؤية فكرية ترى في المدرسة فضاء عمومى، مجانى، ديمقراطى وعقلانى يساعد على صياغة شخصية مواطنية حرة وقادرة على تغيير الواقع نحو الأفضل وبين رؤية أخرى تعيد إنتاج التناقضات الاجتماعية وتضمن صيانة النظام القائم وفى هذا السياق نستحضر أطروحة إيف شافلارحول مفهوم النقل الديداكتيكي وإمكانية تزييف المعرفة مؤسساتيا 1 فقد تقدَم الدروس للمتعلمين باستخدام غلاف ديداكتيكي 2 حديث كاستعمال منصات رقمية وأهداف سلوكية وطرق نشطة صورية حتى تبدو للمجتمع كأنها تجسيد لتعليم متطور وحديث بينما هوتعليم بنكى 3 مقنَع يكرس محتويات معرفية محافظة ورجعية واستهلاكية تسعى إلى بناء متعلم يقدس هوية جامدة ويستسلم للواقع دون ألم فيكون عاملا مطيعا لا يتساءل ولا ينقد.
والملاحظ أن القوى المحافظة والشعبوية تدرك أنَ السيطرة على المجتمع تبدأ من الاستحواذ على عقول أطفاله فتستخدم مثلا الخصوصية الثقافية كقناع إيديولوجي لتصوير النقد والمكتسبات العلمية كغزو فكرى يهدد الهوية وهو ما يؤدى إلى حرمان المتعلم من أدوات التحرر الفكري. وقد تعوض هذه القوى فزاعة الغزو الفكري وشيطنة العلوم بملء الفراغ بالتقنية وتوظيف ديداكتيك أدواتي جاف يركز على كيفية تمرير المعرفة بأسرع وأسهل طريقة. فهو يوهم بأنه يستخدم عقد الديداكتيكي والوضعية المشكل والتصورات والعوائق… ولكنه يفصل المعرفة عن سياقها الاجتماعي والسياسي فيكرس الاغتراب. وقد يدعى الخبير الأدواتي إيصال المتعلم إلى الكفاية ليخوض الامتحان بنجاح أو ليكون مؤهلا لسوق الشغل لذلك لا بد أن يتلاءم ذهنه مع المعرفة الجديدة ولا يتساءل عن خلفيتها والبراديغم 4الذي انبثقت منه.
ومقابل هذا الديداكتيك الأدواتي يظهر الديداكتيك النقدى التحررى الذى يستخدم نفس المفاهيم كمفهوم تصورات المتعلم لكن من أجل مساعدته على تفكيك آليات الهيمنة واعتبار أخطائه ليست أخطاء مجرَدة بل هي نتاج لبيئته وطبقته والسياق التاريخى الذي يعيش فيه. وباختزال الديداكتيك الأدواتي يعمد إلى ترتيب ظاهري للغرفة عبر إخفاء الأشياء المخلة بالنظافة تحت السرير في حين يسعى الديداكتيك النقدى التحرري إلى تنظيف الغرفة عبر فرز الأشياء ومعرفة مصادر التلوث والتخلص من الأفكار السامة المفروضة علينا. فهو الداعي إلى التغيير المفاهيمي. وقد يجد المدرس المناضل في هذا السياق متفقّدا متماهيا مع السلطة السياسية التربوية يحول دون إنجاز رسالته بحجة تنفيذ البرامج التعليميّة، لذلك كان المدرّس ومازال ينظر إلى المتفقّد على أنّه من أعوان السلطة السياسية القائمة، وما زال يعتبر زيارة المتفقّد هي زيارة متابعة ومحاسبة ومراقبة لإطلاع السلط العليا بما يفيدها في الغرض 5. ومن هذا المنطلق لا بد من كشف كل من يستغل قلق التونسيين حول مرفق التعليم ومصير أبنائهم لتقديم وصفات تعمق الأزمة.
د محمد بوقرين باحث في مجال الديداكتيك
هوامش :
11 –بيَن شافلارفى كتابه التأسيسي حول النقل الديداكتيكى أنَ اللجان المختصة في وضع البرامج والكتب المدرسية تعيد طبخ المعرفة وتطهيرها سياسياً واجتماعياً لتجعلها “مقبولة” وتضمن صيانة النظام القائم.
CHEVALLARD, Y. ( 1985), La transposition didactique : du savoir savant au savoir enseigné. Grenoble : La Pensée sauvage.
22 – الديداكتيك أو التعلمية هو علم يهتم بتفكيك المادة المعرفية وتحويلها من شكلها المعقد (المعرفة العالمة) إلى شكل يسهل على المتعلم استيعابه (المعرفة المُدرَّسة).
33 – التعليم البنكى مفهوم وضعه المفكر باولو فريري لوصف التعليم التلقيني كآلية تعمل بها السلطة للحدّ من الوعي وإعادة إنتاج التبعية.
فرايري، باولو، تعليم المقهورين، تر وتقديم نور عوض، ط 1، بيروت، لبنان : دار القلم، 1980.
44 – البراديغم هو مفهوم اجترحه توماس كوهن (1970 ) لإثبات كيفية تطوُر علم من العلوم إثر أزمة علمية وظهور ثورة تتجلَى في طريقة تفكير حديثة من نتاج إطار مفاهيمي حديث يقطع مع القديم سواء تعلَق الأمر بالفلك أو الفيزياء أو الرياضيات….. انظر: كون توماس – بنية الثورات العلمية، ترد. حيدر حاج إسماعيل، مراجعة محمد دبس، ط 1، دار النشر المنظمة العربية للترجمة، بيروت، سبتمبر 2007 م، ص 131.
55 – اعتبر المتفقد إبراهيم بن صالح الجانب.” السلطوي ” في التفقد هو الطاغي على الجانب الوظيفي الذى يتمثل في الإرشاد والتكوين والتجريب والتنشيط.
موقف مستمد من موقع المدونة البيداغوجية – مقال بعنوان : التفقّد البيداغوجي، إلى أين ؟ وجهة نظر
لإبراهيم بن صالح ــ متفقّد عام للتربية متقاعد ــ جوان 2025.
https://akroutbouhouch.blogspot.com/2025/11/blog-post_09.html?fbclid=IwY2xjawUIztRwZG9mBWV4dG4DYWVtAjExAHNydGMGYXBwX2lkEDIyMjAzOTE3ODgyMDA4OTIAAR7xQxPH8VG3jRaVefAHlcHFqEERhJyYbNrJEhtf9UlJ_cDMS1y4K8CoVaEXNQ_aem_QxvCw9ImpztF0gMm-SquLg
صوت الشعب صوت الحقيقة
