بقلم حبيب الزموري
تجد السلطة الفلسطينية نفسها بعد 22 سنة من انطلاق العمل باتفاقية أوسلو وبعد 20 سنة من أزمة انتخابات 2006 وانفصال غزة عن الضفة الغربية، عارية تماما في مواجهة سؤال الشرعية وأسئلة الحقوق الفلسطينية المغتصبة والتي تزداد حرقتها بسقوط مسار أوسلو تحت وقع الانتهاكات الصهيونية اليومية التي لم تتوقف منذ اليوم الأول لتركيز ما يسمى بالسلطة الوطنية الفلسطينية. وتفاقمت أزمة الشرعية وعزلة السلطة بقيادة محمود عباس بصعود خيار المقاومة وشرعية الكفاح المسلح من جديد على إثر عملية طوفان الأقصى وهو ما يفسر التفات محمود عباس وزمرته من جديد لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد أكثر من عقدين من تهميشها لتوظيفها في مغامرة البحث عن شرعية مفقودة.
أصدرت مؤسسة الرئاسة الفلسطينية في مناسبة أولى مرسوما للانتخابات ولد ميتا قبل إصدار مرسوم ثان في 9 جويلية 2026 حدد تاريخ 28 نوفمبر 2026 موعدا لإجراء الانتخابات التشريعية مع وعد غير محدد زمنيا بإجراء الانتخابات الرئاسية ورفْع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو بعد أن كان 132 عضوا، وهو العدد الذي كان مرصودا، ولا يزال لحصة الداخل (الضفة والقطاع) في المجلس الوطني حين يعاد تشكيله قبل أن يتراجع محمود عباس عن وعوده ويحافظ على نفس عدد أعضاء المجلس التشريعي.
ورغم انطلاق لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية في عملها فإن لا شيء يمنع سقوط المسار الانتخابي قبل الوصول إلى يوم الاقتراع مثلما حدث سنة 2021 إذا ما استشعرت مراكز القوى داخل السلطة وحركة فتح إمكانية خسارتها لمواقعها وامتيازاتها لا سيما أن جراح انتخابات 2006 مازالت مفتوحة في الجسم الفلسطيني، وحتى في صورة عجز أجهزة السلطة عن إجهاض المسار الانتخابي كما فعلت سابقا فإن رعاتها الإقليميين والدوليين بمن فيهم الكيان الصهيوني لن يترددوا في التدخل المباشر لإجهاض أي مسار يناقض الترتيبات الجارية على قدم وساق لإعادة تشكيل المنطقة وتصفية الحارقة فيها وعلى رأسها القضية الفلسطينية. فالانتخابات من وجهة نظر السلطة الفلسطينية والجناح الموالي لها داخل منظمة التحرير الفلسطينية ليست سوى محاولة لإيجاد غطاء شرعي لمواصلة تصفية الحقوق الفلسطينية والتمسك بمسار التفريط في الثوابت والمبادئ التي تأسست عليها حركة التحرر الوطني الفلسطينية وهو ما يفسر خطورة التعديلات في القانون الانتخابي التي أقدمت عليها السلطة الفلسطينية وخاصة تلك الواردة في المادة رقم 16 والتي تتعلق بإلزام مرشحي القوائم بتقديم إقرار يؤكد على التزامهم ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية، وبالتزاماتها الدولية، وقرارات الشرعية الدولية، وهو ما يعتبر تدخلا سافرا من أجهزة السلطة وتحديدا مؤسسة الرئاسة لتشكيل المشهد الانتخابي والسياسي الفلسطيني وتوجيهه وفق ما ترتضيه القوى المحلية والإقليمية والدولية المعادية لحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية وفي مقدمتها حقه في المقاومة والكفاح المسلح وحق اللاجئين، كافة اللاجئين، في العودة وحق تحرير الأرض، كامل الأرض الفلسطينية من الاحتلال. وقد رفضت القوى الديمقراطية الفلسطينية هذا القانون، وهي تجمع لأحزاب فلسطينية يضم كلا من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وحزب الشعب الفلسطيني، والاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا)، وحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية معتبرة في بيان مشترك أن “أن مجمل هذه التعديلات من شأنها وضع العراقيل أمام مشاركة فئات واسعة من أبناء شعبنا وقواه السياسية في الانتخابات، وتكرس الانقسام الداخلي، وتعمق من أزمة النظام السياسي” معلنة رفضها لإجراء الانتخابات المحلية وفق هذا القانون، في حين اعتبرت حركة حماس أن هذا القانون يتماهى مع رؤية الاحتلال الصهيوني، كما طالبت 28 منظمة مدنية وحقوقية فلسطينية بضرورة سحب هذا القانون لتجنب تداعياته الخطيرة على المجتمع الفلسطيني ومستقبل القضية.
لا تتعلق مخاوف محمود عباس والموالين له بالفصائل الفلسطينية المعارضة لسياسات التسوية التي انخرطت فيها منظمة التحرير الفلسطينية منذ بداية التسعينات فحسب، بل بالتيارات المعارضة له من داخل حركة فتح نفسها في ظل انفراده بالسلطة وتكريسه لعلاقات الولاء والاستزلام في إدارتها وتحميله لمسؤولية اهتراء الشرعية التاريخية والنضالية للحركة.
تشير كافة المعطيات إلى أن مبادرة محمود عباس بإصدار مرسوم الانتخابات المحلية كتمهيد لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية ليست سوى هروبا إلى الأمام ومحاولة للاستثمار السياسي في التغييرات الجغراسياسية التي تشهدها المنطقة ولا علاقة لها بمطالب الشعب الفلسطيني التاريخية، بل إنها ستعمق من الانقسام الفلسطيني في ظل تجاهله لكافة دعوات الحوار من أجل بناء حد أدنى من الوحدة الوطنية في مواجهة الهجمة الصهيونية – الامبريالية – الرجعية العربية التي تستهدف الحقوق التاريخية للفلسطينيين لا سيما وأن اصطفاف محمود عباس والكتل الموالية له داخل منظمة التحرير في معسكر الرجعية العربية وتذيله للمشاريع الامبريالية والصهيونية في المنطقة لا تحتاج إلى برهنة. ورغم الإعلان المبدئي لعديد القوى الديموقراطية والتقدمية لمشاركتها في الانتخابات القادمة إن تمت في موعدها فإنها مدعوة بغض النظر عن وصولها إلى لحظة الاقتراع من عدمه إلى تحويلها إلى محطة نضالية وتعبوية من أجل مزيد فضح الخط التفريطي والانتهازي داخل الساحة الفلسطينية والعربية الذي لم يجلب سوى الخراب والهوان لشعوبنا العربية، وعوض النفخ في جثة سلطة في حالة موت سريري متصلة بأنابيب الأوكسجين والتغذية الصهيونية والامبريالية فإن النفخ في شرارة المقاومة والثورة على السائد يكون أنجع وأشرف.
صوت الشعب صوت الحقيقة
