الرئيسية / صوت الوطن / البطالة والفقر… الجرح المفتوح
البطالة والفقر… الجرح المفتوح

البطالة والفقر… الجرح المفتوح

بقلم زهير الزويدي

لا يمكن الحديث عن قفصة دون الحديث عن البطالة. شباب ينتظرون سنوات في غياب تام لمواطن الشغل والتنمية. آلاف العائلات تعيش على موارد محدودة بل أنها تعيش تحت خط الفقر وأغلب المناطق تعاني ضعف البنية التحتية والخدمات واستمرار البطالة في جهة منتجة للثروة، يكشف فشل النموذج التنموي. فالفسفاط وحده لا يمكن أن يكون مستقبل قفصة لكن لا يمكن أيضًا أن يكون مستقبل قفصة منفصلًا عن الفسفاط. والمطلوب هو استثمار عائداته في خلق اقتصاد متنوع من صناعات تحويلية وفلاحة وخدمات وسياحة وطاقات متجددة وبحث علمي وتكوين مهني. أو لنقلها بوضوح المطلوب أن تنتقل قفصة من اقتصاد استخراج الثروة إلى اقتصاد إنتاج القيمة.

حين يصبح الفقر بيئة للجريمة

ومع تزايد البطالة والفقر والتهميش يصبح انتشار الجريمة والانحراف نتيجة طبيعية في كثير من الأحيان وهنا يجب الحذر من اختزال المشكلة في الحلول الأمنية لأن الشاب الذي لا يجد عملًا ولا أفقًا ولا فضاءً ثقافيًا أو رياضيًا ولا أملًا في المستقبل لا يمكن أن تكون المعالجة الأمنية وحدها كافية لوضع حد لمعاناته. فالجريمة لها جذور اجتماعية، ومعالجة الجذور تبدأ من التنمية والعدالة الاجتماعية.

ذاكرة 2008 لا تزال حاضرة

ما يحدث اليوم يجري في جهة تحمل ذاكرة نضالية لا يمكن تجاهلها. في ذلك الزمن كان أغلب حكام اليوم في صف النظام بل وأبواقا له ومنهم من كان كالنعامة. ونذكرهم أن في 2008 حين انتفض الحوض المنجمي كان الاحتجاج آنذاك مرتبطًا بالتشغيل والعدالة في الانتدابات والحق في التنمية والكرامة لكنه سرعان ما تحول إلى حركة اجتماعية واسعة كشفت حجم الاحتقان المتراكم في الجهة وكان الرد الأمني والقمعي حاضرًا بقوة لكن التاريخ أثبت أن القمع لا يلغي أسباب الاحتجاج.

واليوم بعد سنوات تعود الأسئلة نفسها بأشكال مختلفة:

أين التنمية؟ أين الشغل؟ أين العدالة الجهوية؟ أين نصيب قفصة من ثروتها؟

هذه الأسئلة لا يمكن إسكاتها بالخطاب الأمني. فالرسالة إلى السلطة لا تجعلوا من الذاكرة مجرد صورة في كتب التاريخ فقيمتها الحقيقية أنها كانت جرس إنذار حول التهميش والبطالة والمحسوبية وحول علاقة المركز بالجهات وتوزيع الثروة وحول العلاقة بين الدولة والمجتمع ومن لا يريد أن تتكرر الأزمات عليه أن يعالج أسبابها.

تغيير زاوية النظر

قفصة لا تحتاج إلى من يقول لها اصبري. لقد صبرت طويلًا ولا تحتاج إلى لجان جديدة دون تنفيذ ولا تحتاج إلى وعود جديدة ولا تحتاج إلى حلول ترقيعية.

قفصة اليوم تحتاج إلى مشروع تنموي واضح ومعلن وقابل للمحاسبة مشروع يبدأ من تطوير شركة فسفاط قفصة ويمر عبر حماية المؤسسات العمومية من التفكيك ويضمن حقوق عمال شركة البيئة والغراسة ويطور شركة نقل المواد المنجمية وينقذ القطاع الصحي ويعيد الاعتبار للمدرسة العمومية ويخلق مواطن الشغل ويعالج التهميش والفقر ويجعل الثروة المنجمية وسيلة لبناء اقتصاد متنوع ومستدام ويحمي الحق النقابي، فأكبر خطأ ترتكبه السلطة اليوم هو تصوير ما يحدث في قفصة باعتباره مواجهة بين المؤسسات والعمال، فالمعركة الحقيقية يجب أن تكون بين التنمية والتهميش وبين الإصلاح والفشل وبين العدالة الاجتماعية واللامساواة. من خلال ما يحصل بالجهة اليوم يمكن القول إن قفصة ترسل رسالة جديدة لا تطلب امتيازًا خاصًا هي تطلب حقًا طبيعيًا: أن تستفيد الجهة من الثروة التي تنتجها وأن يجد شبابها عملًا، وأن يحصل مرضاها على العلاج، وأن يتعلم أبناؤها في مدارس محترمة وأن يعمل عمالها في ظروف لائقة، وأن يمارس نقابيوها حقوقهم دون خوف وترهيب، وأن تكون مؤسساتها العمومية محمية من التفكيك والخصخصة المقنعة، وأن تكون التنمية حقًا لا وعدًا. لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه اليوم في تونس ليس لماذا تحتج قفصة؟ بل لماذا لم تُحلّ مشاكل قفصة بعد كل هذه السنوات؟ ذلك هو السؤال الحقيقي.

ومن لا يريد أن يسمع صوتها اليوم قد يضطر إلى سماعه غدًا بصورة أعلى فالجهة لا تحتاج إلى من يخيفها وعسكرتها بل إلى من يحترم تاريخها ويستمع إلى مطالبها.

والأحداث والوقائع تقول جميعها إن قفصة تشتعل لكنها تقول أيضا أن النار لم تبدأ اليوم، إنها نار البطالة والتهميش والفقر وغياب العدالة الاجتماعية، نار ظلت مشتعلة تحت الرماد ومن أراد إطفاءها فليطفئ أسبابها.

أمّا محاولة إطفاء الاحتجاج وحده فلن تؤدي إلا إلى دفع النار أعمق تحت الرماد.

وفي ذاكرة قفصة درس واضح عندما تُغلق أبواب الحوار والعدالة تفتح الشوارع أبوابها.

إلى الأعلى
×