بقلم وليد المرداسي
لم يكن سقوط نظام الأسد في دمشق سوى إيذانٍ بانقشاع غبار المعارك عن حقيقة خطيرة: الجسد السوري المنهك بات معروضاً في سوق المزاد الجيوسياسي للقوى الإمبريالية والإقليمية. اليوم، وفيما تشهد الحدود والداخل السوري تحركات ميدانية متسارعة، يترجمه الاندفاع العسكري التركي لتثبيت وكلائها في الشمال، وتوازيها الاعتداءات التوسعية الصهيونية التي تستغل الفراغ لقضم حوض اليرموك وفرض أحزمة أمنية عازلة، تتكشف فصول مؤامرة تفتيتية مكتملة الأركان. إننا أمام التقاء موضوعي، وإن بدا متصادماً، بين مشروعين متكالبين: “العثمانية الجديدة” المحملة بأطماع الهيمنة الاقتصادية والسياسية، و”إسرائيل الكبرى” القائمة على التصفية العرقية والتوسع العسكري. هذا التكالب الصهيو-تركي، فهو في حقيقة الأمر ليس مجرد نزاع حدودي، بل كحلقة جديدة من حلقات تصفية الجسد السوري وإعادة استعمار المنطقة وشعوبها.
- الجموح التركي في الشمال: ما وراء شعارات “الأمن القومي“:
تجاوزت أنقرة سريعاً المقاربات التقليدية القائمة على منطق “تأمين الحدود”، لتنتقل إلى تموضع عسكري مباشر يتدخل في صياغة البنية الدفاعية للدولة السورية الناشئة. هذا التحرك يسعى بوضوح إلى اقتطاع مجالات نفوذ حيوية تخدم المصالح الاقتصادية والتوسعية لتركيا، مستندة في ذلك إلى مناخ التغييرات الأخيرة، لا سيما بعد إعلان حل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وانخراط دمشق في مستويات جديدة من التنسيق الأمني مع الجانب التركي لتصفية أي أفق لكيان مستقل جنوب حدودها. حيث تكشف قراءة البنية الميدانية الراهنة أن الاستراتيجية التركية اتجهت نحو مأسسة هذا الحضور من خلال خطوات نوعية أثارت حفيظة عواصم إقليمية عدة؛ ويبرز في هذا الصدد حرص أنقرة على نشر وتثبيت منظومات رادار دفاعية وهجومية متطورة في المطارات العسكرية والقواعد الحيوية، مثل مطار أبو الظهور في ريف إدلب ومطار دمشق الدولي. هذه الخطوة الاستراتيجية، التي تهدف من خلالها تركيا إلى فرض واقع ردع جوي يحمي مكتسباتها الجغرافية، جابهتها تل أبيب بسلسلة ضربات مكثفة لرسم خطوط حمراء تمنع تغيير قواعد الاشتباك الجوي. بالتوازي مع ذلك، تعمد وزارة الدفاع التركية صراحة إلى تقديم غطاء دعم وتطوير للقدرات والبنى التحتية العسكرية المحلية، وهو ما يمثل آليّة لإدماج الفصائل المسلحة الموالية لها ضمن العقيدة الدفاعية والسياسية للبوابة التركية، وتحويل تلك الجيوب الملحقة والخاضعة لسيطرتها إلى أسواق تابعة تدور في فلك سياستها التجارية والنقدية.
- التوغل للكيان الصهيوني في الجنوب: “الحزام الأمني” كغطاء للاستعمار
إذا كانت الاندفاعة التركية شمالاً تسترشد بحسابات التمدد الجيوسياسي، فإن الكيان الصهيوني، باعتباره القاعدة المتقدمة للإمبريالية العالمية في المنطقة، فقد سارع بدوره إلى استغلال الفراغ السيادي لفرض واقع استعماري مباشر في الجنوب السوري، متجاوزاً بذلك التفاهمات الحدودية الكلاسيكية المستقرة منذ عقود. هذا التغول الميداني المتسارع لا يندرج ضمن الهواجس الأمنية المؤقتة، بل يترجم بوضوح عقيدة “التوسع الصهيوني ” التي تسعى لتفتيت الكيانات الوطنية، وعزل مجتمعاتها المحلية، وإلحاقها جغرافياً واقتصادياً بمركز الهيمنة الصهيو-أمريكية.
وتثبت المؤشرات الميدانية الأخيرة حصول تحول استراتيجي خطير؛ حيث انتقل جيش الاحتلال الصهيوني من نمط الغارات الجوية الموضعية والتوغلات العابرة، إلى تثبيت احتلال عسكري دائم عبر مشروع هندسي واسع النطاق يمتد من سفوح جبل الشيخ وصولاً إلى عمق حوض اليرموك والحدود المشتركة جنوباً. ويتجسد هذا المشروع على الأرض من خلال حفر شبكات خنادق عميقة، وإقامة سواتر ترابية محصنة، وتدشين طرق ومواقع عسكرية نظامية خلف الحدود، بهدف قضم شريط أمني دائم يلتهم قرى وبلدات محافظتي القنيطرة ودرعا. ولم يتوقف العدوان عند تشويه الجغرافيا الوطنية، بل شمل فرض طوق من المداهمات والتفتيش المباشر للمنازل في البلدات الحدودية، بموازاة ضربات جوية مستمرة تستهدف تعطيل البنى التحتية الوطنية ومرافق الطاقة الحيوية، للحيلولة دون أي أفق لإعادة تنظيم دفاعات الدولة السورية الناشئة.
- الصدام الميداني والتكامل الاستراتيجي: لعبة تقاسم الكعكة السورية
عند إخضاع العلاقة بين التمدد التركي والتوغل الصهيوني للتحليل، يتكشف زيف الخطابات الرسمية المتبادلة وتتهاوى ادعاءات العداء المطلق، لتظهر الحقيقة العارية للصراع: إنه تنافس ضارٍ بين قوتين إقليميتين، يجمعهما تقاطع موضوعي غير معلن على تفكيك الكيان الوطني السوري، ويفترقان عند تقاسم حصص النفوذ فوق ركام السيادة المستباحة. إن المشهد الراهن لا يعكس مجابهة بين مشروع “ممانع” وآخر “توسعي”، بل هو صراع نفوذ في شكله الرأسمالي الكلاسيكي تسعى فيه كل قوة لتعظيم مكاسبها الجيوسياسية على حساب مصالح الجماهير الشعبية في المشرق العربي.
ويتكشف التناقض الميداني بين الطرفين في الرفض الصهيوني القاطع لأي محاولة تركيّة لتجاوز الخطوط الحمراء والتموضع في وسط سوريا أو محيط عاصمتها؛ إذ تنظر تل أبيب إلى سعي أنقرة لنشر منظومات دفاعية وهندسة البنية العسكرية للدولة الناشئة بمثابة تهديد مباشر لاحتكارها الجوي، مما يدفعها لشن ضربات موضعية لتقويض هذا التمدد وضبط حدوده. وفي المقابل، تتخوف أنقرة من أن يؤدي القضم الصهيوني المتواصل للجنوب إلى اختلال ميزان القوى الإقليمي لصالح الكيان، مما يهدد مشاريعها التوسعية بعيدة المدى. ومع ذلك، فإن هذا الصدام الميداني يظل محكوماً بسقف “التفاهمات الضمنية” التي ترعاها المراكز الإمبريالية العالمية، حيث يلتقي الطرفان موضوعياً في تدمير ركائز الدولة الوطنية، وتصفية حركات التحرر، وتحويل الجغرافيا السورية إلى مقاطعات ممزقة ومعازل جغرافية يسهل اختراقها وإخضاعها لمصالح رأس المال الدولي والإقليمي.
- التواطؤ الداخلي والبديل الشعبي: المخرج الحقيقي من الأزمة
تثبت القراءة المتعمقة للمشهد السوري المعقد وفي صيرورته الراهنة بأن البلاد لا تمر بمجرد مرحلة انتقال سياسي عادية، بل تواجه خطة ممنهجة لتصفية كيانها الوطني. إن التكالب الميداني المحموم، بين الاندفاع العسكري التركي شمالاً والتوغل الاستيطاني الصهيوني جنوباً، حيث أنه يلتقي موضوعياً عند استراتيجية تقويض الدولة السورية وتفتيتها إلى أشلاء ممزقة وملحقة بأسواق رأس المال العالمي.
وما كان لهذا التمدد الاستعماري أن يستبد بالجغرافيا السورية لولا الدور الوظيفي الذي تلعبه السلطة القائمة الآن في دمشق؛ فهذه السلطة، بتركيبتها الطبقية وارتهانها العسكري للخارج، لا تمثل سوى أداة لتأمين مصالح الفئات البرجوازية المحلية والناشئة عبر تقديم التنازلات السيادية المفضوحة والتنسيق الأمني المعلن وغير المعلن. إن عجز هذه المنظومة عن حماية الأرض، وتواطؤها في إضعاف عناصر الصمود الشعبي لقاء الحفاظ على كراسي حكم منزوعة الإرادة، يبرهن على أنها باتت جزءاً من أدوات التصفية لا صدّاً لمواجهتها.
بناءً عليه، فإن المخرج الوحيد للجماهير الكادحة والطبقة العاملة السورية لم يعد يكمن في الرهان على القوى الإقليمية أو أروقة الدبلوماسية الدولية، بل في خوض معركة تحرر وطني وطبقي مركبة: إسقاط خيارات السلطة الرجعية والتابعة، ودحر النفوذ الأجنبي الوافد، عبر انبعاث جبهة مقاومة شعبية تقدمية تنتزع السيادة الكاملة على الأرض والثروات وتؤسس لدولة حقيقية ديمقراطية وشعبية سيدة قرارها.
صوت الشعب صوت الحقيقة
