الرئيسية / صوت العالم / انتفاضة السلال الفارغة بالسنغال
انتفاضة السلال الفارغة بالسنغال

انتفاضة السلال الفارغة بالسنغال

بقلم حبيب الزموري

تعيش السنغال منذ يوم السبت 5 سبتمبر الفارط على وقع احتجاجات شعبية ضد التهاب أسعار المواد والخدمات الأساسية الذي أدى إلى تدهور كبير لمستوى معيشة السكان، وقد كانت الاحتجاجات مسبوقة بحملة دعائية واسعة النطاق على وسائل التواصل الاجتماعي مازالت متواصلة تبنت شعارا مركزيا هو ثلاثون يومًا من أجل أسعار عادلة“.

وقد شمل ارتفاع الأسعار عددا من المواد الغذائية التي تعتبر ركيزة أساسية في العادات الغذائية السينغالية في مقدمتها اللحوم التي تعتبر المكون الرئيسي للوجبة الأكثر شعبية في السنغال الثيبوديينحيث ارتفعت أسعار اللحوم مقارنة بنفس الفترة من السنة الفارطة بنسبة 30 % . كما شملت احتجاجات السينغاليين تكاليف المطاعم والصالات الرياضية والترفيه، إلى جانب ارتفاع أسعار الأكرية في داكار، التي أصبحت واحدة من أبرز مصادر الضغط على ميزانيات الأسر. ومما عمق مخاوف السينغاليين على قدرتهم الشرائية ومستوى عيشهم إعلان الحكومة السينغالية على لسان وزير الاقتصاد الشيخ ديبا إنهاء الدعم الحكومي للكهرباء في محاولة للحد من العجز المتفاقم للميزانية وهو ما سيؤدي آليا إلى ارتفاع أسعار الطاقة وبالتالي ارتفاع تكلفة الإنتاج في مختلف القطاعات مما يرجح تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بالسنغال وبالتالي تصاعد الاحتجاجات الشعبية.

ولئن قدرت وكالة الأنباء السنغالية أن بضعة مئات من السنغاليين شاركوا في مظاهرة يوم السبت 5 سبتمبر فإن وكالات أنباء إفريقية وأوروبية قدرت عدد المشاركين بالآلاف وبغض النظر عن العدد فإن أصداء هذا التحرك تجاوزت حدود السنغال وأجبرت السلطة الحاكمة على التفاعل بمحاولة تشويه التحرك.

وصرحت إحدى الناشطات في الحملة أنهم اتخذوا من شبكات التواصل الاجتماعي أداة رئيسية لتوسيع التحرك وتحشيد الجماهير السنغالية حول مطلب الحملة الرئيسي وهو “الأسعار العادلة” كما أطلق منظمو الحملة منصة إلكترونية لتقي البلاغات عن الأسعار والممارسات التي يعتبرها السنغاليون غير عادلة في ثلاثة قطاعات أساسية هي المواد الغذائية والكهرباء والأكرية.

إن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الحالية ليست جديدة على السنغال إذ أن هذا البلد الإفريقي ما فتئ يدفع منذ أواخر الثمانينات ضريبة المنظومة الرأسمالية التابعة التي انخرطت فيها الطبقة السنغالية الحاكمة وكرستها سنة 1994 بتطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي الذي نص خاصة على:

  • التخفيض من قيمة العملة بنسبة 50 % مما أدى إلى انعكاسات وخيمة جدا على أسعار معظم المواد الأساسية المستوردة في أغلبها حيث تضاعفت أسعار الحليب والأرز والأسمدة والآلات.

  • تقليص تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية ومنح الأولوية لرأس المال الخاص المحلي والأجنبي.

  • تقديم الحوافز والتسهيلات القانونية والمالية والجبائية لرأس المال الخاص المحلي والأجنبي.

و بنهاية التسعينات اكتملت ملامح الاقتصاد السينغالي كاقتصاد رأسمالي تابع لمراكز دفع الرأسمالية العالمية وخاصة فرنسا، يشتغل لتلبية حاجيات السوق الرأسمالية العالمية وليس حاجيات المجتمع السينغالي بتصديرها للمواد الأولية الطاقية والمنجمية والفول السوداني الذي يوفر لوحده 11 % من إجمالي عائدات الصادرات السنغالية. في حين تستأثر الواردات الغذائية بحوالي 30 % من إجمالي الواردات السنغالية من السلع هذا دون التذكير بأن لا السنغال ولا غيرها من البلدان التابعة قادرة على التحكم في أسعار صادراتها أو وارداتها.

إن أزمة التهاب أسعار المواد الأساسية بالسنغال ليست أزمة معزولة عن أزمة الاقتصاد الرأسمالي العالمي الماضي قدما في مراكمة الثروة في يد الأقلية ومراكمة الفقر في أوساط الأغلبية من سكان الكوكب، إذ يؤكد خبراء منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن العالم ينتج كميات كافية من الغذاء لإطعام الجميع، لكن الجوع يعود إلى سوء التوزيع، والفقر، وغياب العدالة في الوصول إلى الموارد والتمويل، كما أن الخراب الذي زرعته الامبريالية في عالمنا المعاصر والذي يتمظهر في تفاقم الأزمات الوبائية والمناخية والحروب من شأنه أن يقود إلى أزمة أشد خطورة وهي الجوع ومن البديهي أن تكون البلدان التابعة وأشباه المستعمرات مهددة أكثر من غيرها بهذه الأزمات نظرا لهشاشة بنيتها الاقتصادية.

ورغم حرص عدد من الفاعلين في حملة السلال الفارغة على إبراز استقلاليتهم عن التنظيمات السياسية وتجنب رفع الشعارات السياسية فإنهم شاءوا أم أبوا يمارسون نشاطا سياسيا مناهضا للسياسات السائدة وأنهم شاءوا أم أبوا أيضا ضحايا لتلك السياسات السائدة وهم بحرصهم عن النأي بأنفسهم عن تهمةالعمل السياسي إنما يحكمون على حركتهم بالقصور والاضمحلال قبل حتى أن يشتد عودها.

إلى الأعلى
×