الرئيسية / صوت العالم / ترامب يصعّد ضغوطه على كوبا… وكوبا تقاوم
ترامب يصعّد ضغوطه على كوبا… وكوبا تقاوم

ترامب يصعّد ضغوطه على كوبا… وكوبا تقاوم

بقلم مرتضى اللعبيدي

منذ عودة ترامب الى البيت الأبيض وإعلانه حزمة الإجراءات المعادية للشعوب والأوطان الاقتصادية منها والسياسية، توقع المراقبون أن الامبريالية الأمريكية ستزداد شراسة وعدوانية. ولم يمرّ وقت طويل حتى شرع في تنفيذ مخططه الذي سيجعل من “أمريكا أقوى وأقوى”. فكان وقوفه اللامشروط الى جانب الكيان الصهيوني في عدوانه على غزة وكل فلسطين، وكانت تهديداته التي طالت كندا والمكسيك وغرينلاند وإيران التي شارك حليفه الصهيوني في العدوان عليها ولا يزالا. وكان العدوان على فنزويلا في سابقة لم ير التاريخ مثيلا لها. وكانت بداية التحرّش بكوبا الأبية التي يصعّد الضغوط إزاءها منذ عدة أشهر.

الحصار الشامل وتلفيق الاتهامات

إذ أمر ترامب بفرض حصار نفطي شامل على الجزيرة المحاصرة أصلا منذ ما يزيد عن الستة عقود، حصار يهدف إلى مزيد خنق النظام الكوبي وزيادة الضغط الاقتصادي عليه، واستغلال انقطاع شحنات النفط والغاز التي كانت تؤمنها له فنزويلا بعد اختطاف رئيسها في بداية السنة الجارية.

وكلف إدارته بتلفيق اتهامات بالقتل ليس فقط ضد راوول كاسترو الرئيس الأسبق لكوبا بل لـ 11 من كبار المسؤولين في البلاد (والقائمة مازالت مفتوحة) من بينهم وزير الاتصالات وعدد من القادة العسكريين بنيّة إحالتهم على المحاكم الأمريكية كمجرمين. وتعود التهم الموجهة إلى كاسترو وخمسة طيارين مقاتلين في الجيش الكوبي إلى حادثة وقعت عام 1996 أسقطت فيها طائرات مقاتلة كوبية طائرات كانت تشغلها مجموعة من المنفيين الكوبيين. كما وجهت إلى كاسترو البالغ من العمر 94 عاماً تهمة بالتآمر لقتل مواطنين أميركيين، و4 تهم بالقتل، وتهمتين بتدمير طائرات.

وتشكل لائحة الاتهامات هذه تدهوراً جديداً في العلاقات بين الخصمين اللدودين منذ الحرب الباردة، وتأتي في وقت تسعى فيه إدارة ترامب الى تغيير النظام في كوبا حيث يتولى الحزب الشيوعي زمام الأمور منذ انتصار الثورة الكوبية سنة 1959.

وتتهم الإدارة الأمريكية الحكومة الكوبية الحالية بأنها “فاسدة وغير كفؤة”، في نفس الوقت الذي تضغط فيه من أجل تغيير النظام، تسعى في البحث عن بديل له من بين أشخاص على شاكلة “دليسي رودريغيز” نائبة الرئيس الفنزويلي والتي خضعت دون أدنى مقاومة لجميع إملاءات

ترامب، وجعلت من جمهورية فنزويلا البوليفارية بلدا تابعا للامبريالية الأمريكية.

كما فرضت الولايات المتحدة حصاراً على كوبا عبر التهديد بفرض عقوبات على الدول التي تزودها بالوقود، ما تسبب في انقطاعات واسعة للكهرباء وفاقم الأزمة الاقتصادية التي تُعد الأسوأ في البلاد منذ عقود.

أما عن تداعيات الحصار فقد أوضحت التقارير أنها كانت كارثية على الشعب الكوبي، وأن الأضرار الناجمة عنه تقدّر بما لا يقلّ عن 8،1 مليون دولار أي بزيادة قدرها 7℅ مقارنة بالسنوات السابقة. كما سُجّل ارتفاع ملحوظ في معدلات وفيات الرضع بسبب نقص التجهيزات الطبية والأدوية الأساسية.

تتراوح العقوبات المشددة على كوبا بين الحصار الفعلي لواردات النفط ومنع وصول المساعدات الإنسانية. وقد تسبب ذلك في انهيار قطاع الطاقة، مع انقطاع التيار الكهربائي لمدة تصل إلى 22 ساعة يومياً، مما أثر على الرعاية الصحية والخدمات الأساسية؛ كما أثر عدم القدرة على الحصول على الوقود على قطاعات رئيسية في الاقتصاد مثل السياحة والبناء والتعدين والمعادن والدفاع.

ويعتقد بعض الملاحظين أن هذا النهج المتشدد إزاء كوبا وفنزويلا هو من تخطيط وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الذي ينحدر من مهاجرين كوبيين قدامى وأحد أكبر المتشددين تجاه كوبا. ولهذا الغرض بالذات، كلفه ترامب بالملف الكوبي واعد إياه بتنصيبه على رأس السلطة الجديدة في كوبا بعد الإطاحة بسلطة الحزب الشيوعي.

لذلك راح يقود حملة تشكيك واسعة ضد القيادة الكوبية مدّعيا أنه بصدد محاورة بعض أعضائها لإيجاد حل للخروج من هذا المأزق. بل ووصلت به الوقاحة لعرض تقديم مساعدات بقيمة 100 مليون دولار لكوبا غير أن قادتها رفضوا العرض، فآتهمهم بالمسؤولية عن أزمات الكهرباء والغذاء والوقود.

ستة عقود من الحظر وكوبا صامدة

إن هذا الحظر الذي يحاول من خلاله اليوم دونالد ترامب إخضاع الشعب الكوبي ليس جديدا في شيء بل هو مجرد حلقة من حظر أطول وأشمل تعيشه كوبا منذ ستة عقود. وهو حظر اقتصادي وتجاري ومالي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا، ويمنع الشركات الأمريكية، وكذلك الشركات المنظمة بموجب القانون الأمريكي أو المملوكة بأغلبية أسهمها لمواطنين أمريكيين، من التجارة مع كوبا. وقد بدأ سريان هذا الحظر في 3 فبراير 1962، عقب تأميم كوبا للشركات الأمريكية، التي كان العديد منها مملوكًا للمافيا الأمريكية.

ولا يزال هذا الحظر ساريًا رسميًا حتى اليوم، مما يجعله أطول حظر تجاري مستمر في العصر الحديث، ويؤثر بشكل كبير على العلاقات بين البلدين. ومع ذلك، ومنذ عام 2000، أصبحت المنتجات الغذائية الأمريكية مستثناة من الحظر. وخلال فترة رئاسة باراك أوباما، أُعيد تقنين صادرات الأدوية، وإن كانت لا تزال تخضع لقيود كبيرة. وهكذا أصبحت الولايات المتحدة المورد الرئيسي للمنتجات الغذائية لكوبا، حيث تُوفر ما بين 35 و45% من واردات الجزيرة الغذائية. وقد أنهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خليفة أوباما، هذه الانفتاحة النسبية، وفرض خلال فترة ولايته الأولى 240 عقوبة جديدة. وقبل تسعة أيام من انتهائها، أدرج كوبا على قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وبلغت الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الكوبي جراء الحصار المفروض عليه من عام 1962 إلى عام 2014 أكثر من 116 مليار دولار، وفقًا لما ذكره نائب وزير الخارجية الكوبي أبيلاردو مورينو.

كوبا ليست وحدها

لكن “كوبا ليست وحدها”. وهي عبارة تتردد أصداؤها في أوساط المنظمات الاجتماعية والشعبية لتعزيز التضامن مع الجزيرة في مواجهة الحصار الاقتصادي الذي أعادت الولايات المتحدة فرضه كأداة ضغط لخنق اقتصادها. فالعقوبات المفروضة تعزل كوبا مالياً وتمنع وصول التضامن إليها بشكل فعّال.

لأكثر من ستة عقود، سعت الإمبريالية الأمريكية إلى تدمير المسار الذي بدأ مع الثورة الكوبية، والذي ظل مشروعًا سياديًا مستقلًا عن الإمبريالية. وقد واجه شعب كوبا، بكرامة وعزيمة، الظروف المعيشية القاسية التي فرضها الحصار الاقتصادي والعقوبات الأمريكية المستمرة على الجزيرة؛ ولم يرضخوا لإملاءات تلك الدولة، وما زالوا صامدين. إنهم شعب، رغم مواجهته لظروف بالغة الصعوبة، لم يستسلم لإغراءات “الحلم الأمريكي”، وما زالوا يدافعون عن حريتهم.

لمواصلة النضال، تحتاج كوبا إلى تضامن عمال وشعوب العالم. لم تمنع قيود الحصار الإمبريالي وصول المساعدات الإنسانية – من غذاء ودواء ومستلزمات طبية – من مختلف دول أوروبا وأفريقيا والأمريكتين، لكن الحاجة ماسة إلى المزيد. لذلك وجب على جميع المنظمات الاجتماعية والشعبية واليسارية أن تعبّر عن تضامنها مع نساء ورجال كوبا الصامدين، ومواصلة جهودها في حملة المساعدات الإنسانية لتمكينهم من مواصلة نضالهم من أجل سيادتهم واستقلالهم.

كما أن دول العالم، وفي إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة صوّتت العام الماضي للمرة الثالثة والثلاثين على قرار يدعو لإنهاء الحصار الأمريكي على كوبا بـتأييد 187 دولة ومعارضة دولتين فقط هما الولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها دولة العصابات الصهيونية.

كوبا تقاومكوبا تنتصر

وهو ما سمح ويسمح للشعب الكوبي بالتمسك بخيار المقاومة ومواصلة السير على دربه.

وقد حذَّر الرئيس الكوبي من أن أي هجوم عسكري أميركي على بلاده “سيؤدي إلى حمام دم ذي عواقب لا يمكن تقديرها”. وأضاف أن “كوبا لا تشكّل أي تهديد، وليس لديها أي خطط أو نوايا عدوانية تجاه أي دولة، ولا الولايات المتحدة، ولم يكن لديها ذلك يوماً، وهو ما تعرفه حكومة ذلك البلد جيداً”. إلا أن بلاده “تعاني بالفعل من عدوان متعدد الأبعاد من الولايات المتحدة”، وأن “لها الحق المطلق والمشروع في الدفاع عن نفسها ضد أي هجوم عسكري”، مع التأكيد على أن هذا “لا يمكن أن يُستغل، من حيث المنطق أو النزاهة، كذريعة لفرض حرب على الشعب الكوبي”. وأضاف: “سنقاوم”.

إلى الأعلى
×