بقلم عمر الهمامي
كل سنة يأتي الشتاء في موعده. لا يستأذن، لكنه أيضًا لا يفاجئ أحدًا. ومع ذلك، يبدو أن الدولة عندنا تتعامل مع الأمطار وكأنها كارثة نزلت من السماء دون سابق إنذار.
يكفي أن تهطل الأمطار لساعات حتى تنكشف هشاشة الطرقات، وانسداد قنوات التصريف، وضعف البنية التحتية، وتتحول بعض الأحياء إلى برك مائية، فيما يجد المواطن نفسه في مواجهة الماء والبرد وتعطل النقل، وكأن قدره أن يدفع ثمن غياب الاستعداد.
المفارقة أن الحديث عن «الاستعداد لموسم الأمطار» يبدأ قبل الشتاء، وتكثر الاجتماعات واللجان وبلاغات «اليقظة»، لكن عند نزول المطر تتكفل المياه بكشف الفارق بين ما يُقال في المكاتب وما يحدث في الشوارع.
المشكلة إذن ليست في الشتاء، ولا في المطر، ولا حتى في غزارته الاستثنائية أحيانًا. المشكلة في دولة تعرف موعد الشتاء، وتعرف النقاط السوداء، وتعرف مشاكل البنية التحتية، ثم لا تتحرك إلا بعد أن تقع الكارثة.
وفي كل مرة، يُطلب من المواطن أن يتفهم «الظروف المناخية»، بينما لا يُطلب من المسؤول أن يفسر لماذا بقيت المشاكل نفسها تتكرر موسمًا بعد موسم.
الدولة لا تُقاس بعدد البلاغات التي تصدرها أثناء الأزمة، ولا بعدد الاجتماعات التي تعقدها لجان «اليقظة». الدولة تُقاس بما أنجزته قبل الأزمة: بصيانة الطرقات، وتنظيف مجاري المياه، وتحسين شبكات التصريف، وحماية الأحياء والمناطق الأكثر هشاشة، وبوجود خطة واضحة للتدخل والمحاسبة.
أما أن ننتظر سقوط الأمطار ثم نبحث عن المسؤوليات، فذلك ليس استعدادًا… بل إدارة للأزمة بعد وقوعها.
الشتاء لا يفضح الطبيعة، بل يفضح السياسات. وكل بركة ماء في شارع، وكل طريق مقطوعة، وكل مواطن عالق، ليست مجرد صورة لموسم ممطر؛ إنها سؤال سياسي عن دولة يفترض أن تكون مستعدة لما تعرف أنه قادم.
فالشتاء ليس مفاجأة. المفاجأة الحقيقية أن تأتي الأمطار كل عام، وتبقى الدولة كل عام وكأنها لم تكن تعرف أنها ستأتي.
صوت الشعب صوت الحقيقة
