الرئيسية / صوت الوطن / كشف الحقيقة وسط الرماد: أيّ دور للصحافة المستقلة في زمن العواصف الشعبوية
كشف الحقيقة وسط الرماد: أيّ دور للصحافة المستقلة في زمن العواصف الشعبوية

كشف الحقيقة وسط الرماد: أيّ دور للصحافة المستقلة في زمن العواصف الشعبوية

بقلم جيهان اللواتي

لم تعد الشعبوية في تونس عارضًا سياسيًا عابرًا فقد صارت مناخًا عامًا يعيد تشكيل علاقة المواطن بالمؤسسات وبالحقيقة معًا وظاهرة تتغذى من الاستقطاب وتبسيط المعقد ومهاجمة المؤسسات ومحاصرة الفكر النقدي. وفي مثل هذا المناخ لا تُختبر السلطة وحدها بل تُختبر الصحافة أيضًا والتي تجد نفسها في منعرج حاسم يفرض عليها إعادة النظر في وظيفتها الاجتماعية وهويتها، فهي إمّا أن تكون وسيطًا نزيهًا بين المجتمع وأسئلته الكبرى وإمّا أن تنزلق إلى صدى مضخِّم للانفعال أو إلى بوق يبرّر ما لا يُبرَّر. والسؤال الجوهري ليس هل تحتاج تونس إلى صحافة؟ بل أيّ صحافة تحتاج تونس في لحظة تتراجع فيها ثقة المواطن؟

احتكار الحقيقة ومعركة الصحافة الحرة

تقوم الخطابات الشعبوية على ثنائية مبسَّطة «شعب نقيّ» في مواجهة «نخبة فاسدة» وهي تحمل في بنيتها عداءً “للوسطاء” من أحزاب ونقابات وجمعيات وإعلام ونخب مثقفة لأن الوسيط يفرض مسافة نقدية بين السلطة والجمهور.

من هنا تصبح الصحافة المستقلة في نظر الخطاب الشعبوي خصمًا يجب نزع شرعيته لا شريكًا في النقاش العمومي. ويتحقق ذلك بوصم الصحفي بالعمالة أو الارتزاق وتحويل النقد إلى «مؤامرة» والاستعاضة عن الإعلام المهني بمنصات مباشرة تخاطب الجمهور دون مساءلة، وأخطر ما في الأمر أن الصحافة تجد نفسها بين فكّي كماشة فإمّا أن تُتَّهم بالانحياز إن نقدت وإمّا أن تفقد دورها إن صمتت.

وفي هذا السياق الملتبس يجد الصحفي نفسه في قلب هذه الأزمة، فإما أن يتخندق كأداة طواعية تصفق للعبث وتستبدل دورها الرقابي بترديد الشعارات أو أن يتمسك الصحفي بدوره كحلقة وصل عقلانية تعيد الاعتبار للنقاش العمومي.

إن مواجهة عواصف الشعبوية تتطلب بالضرورة صحافة مستقلة تصرّ على تقديم المعرفة المدققة التي يحتاجها المواطن لممارسة حق المساءلة بوعي بعيدا عن صخب الغوغاء وانفعالات اللحظة.

صحافة التحقق لا صحافة تقليدية

أول ما تحتاجه تونس صحافة تجعل التحقق قيمتها المركزية، ففي زمن تُنتَج فيه الأخبار بالسرعة نفسها التي تُنتَج بها الشائعات تصبح الدقة أثمن ما تملكه المؤسسة الإعلامية. والمقصود بالتحقق ليس الاكتفاء بنفي الأخبار الزائفة بل تفكيك آلياتها من أنتجها؟ ولمصلحة من؟ وكيف انتشرت؟

وهذا يستلزم انتقالًا من «صحافة التصريح» إلى «صحافة الوثيقة»، فكثير من المشهد الإعلامي يعيد نقل ما يقوله المسؤول أو خصمه، فيتحول الصحفي إلى ناقل لا محقِّق. أمّا الصحافة التي تحتاجها البلاد، فهي تسائل الأرقام وتقارنها بمصادرها وتعود إلى الأرشيف لتقيس الوعود بنتائجها وتستعمل صحافة البيانات لتفسير الأزمة الاقتصادية بلغة يفهمها المواطن دون تبسيط مخلّ.

استقلال المهنة واستقلال المؤسسة الإعلامية

لا يمكن الحديث عن صحافة نزيهة دون النظر في شروط إنتاجها فهشاشة المؤسسات الإعلامية التونسية ماليًا وتراجع الإشهار وتأخر الأجور وتفشّي العمل الهش (غير المستقر) كلها عوامل تجعل الصحفي أكثر عرضة للضغط والإغراء. والاستقلال التحريري لا يُحمى بالخطاب الأخلاقي وحده بل يحتاج نموذجًا اقتصاديًا شفافًا يُعلَن فيه من يموّل ومن يملك.

ولذلك فإن من أوجب ما يُطلب من المؤسسات التصريح بمصادر تمويلها وأصحاب رؤوس أموالها وفصل الخط التحريري عن المصلحة التجارية وتحسين ظروف الصحفيين المادية والاجتماعية ومن الوسائل الواعدة كذلك دعم نماذج الصحافة المستقلة والقائمة على التمويل الجماعي وإن كانت محدودة الانتشار لأنها تقلل الارتهان لمركز واحد للنفوذ.

الإطار القانوني والتشبث بالمرسوم الاطاري للمهنة

لا تقوم صحافة حرة في بيئة تشريعية تجعل الكلمة موضع شبهة وقد أثار توظيف المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بجرائم أنظمة المعلومات والاتصال جدلًا واسعًا لدى المنظمات المهنية والحقوقية بسبب صياغات فضفاضة تتيح تجريم النشر بدعوى «الأخبار الزائفة»، وفي المقابل يظل المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المنظِّم لحرية الصحافة مرجعًا أقرب إلى المعايير الدولية ويقتضي احترامه والدفاع عن مكتسباته.

والمطلوب هنا ليس حصانة مطلقة للصحفي، فالمساءلة القانونية عن التشهير أو القذف مشروعة، بل مساءلة متناسبة تُحال إلى القانون المنظِّم للمهنة وتحترم قرينة البراءة وحق الصحفي في حماية مصادره. وتبقى الهيئات التعديلية والتنظيمية المستقلة ضمانة لا غنى عنها شرط أن تُحصَّن من التوظيف السياسي وتُمنح صلاحيات فعلية.

أخلاقيات المهنة بوصلةً لا شعارًا

تتعرض الصحافة في زمن الاستقطاب لإغراءين متقابلين الحياد الزائف الذي يساوي بين الضحية والجلاد والانحياز الصريح الذي يحوّل الصحفي إلى ناشط، وبين الإغراءين تقف أخلاقيات المهنة التي أرستها وأقرّتها مواثيق النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين فتقوم على مبادئ متلازمة الدقة والإنصاف والفصل بين الخبر والرأي وحق الرد واحترام الكرامة الإنسانية وتجنّب خطاب الكراهية والتصريح بتضارب المصالح.

والالتزام بها ليس ترفًا نظريًا فهو خط الدفاع الأول عن مصداقية الصحفي، فالجمهور الذي يرى المهنة منضبطة بمعاييرها يصعب أن يُقنَع بأنها «مؤامرة»، أما الصحافة التي تخالف قواعدها فتمنح خصومها الحجة الجاهزة. ومن ثَمّ فإن الدفاع عن حرية الصحافة يبدأ من داخل المهنة نفسها بتفعيل مجالس الصحافة وآليات التنظيم الذاتي وبنقد الزملاء لأخطاء بعضهم دون تشفٍّ أو مجاملة.

صحافة تستعيد الثقة وتنتصر لحق الجمهور في المعلومة

ختاما ليست المعركة بين الصحافة والشعبوية معركة عادية بل هي معركة وجودية حول طبيعة المجال العام والمعرفة في تونس. إن الشعبوية تريد مجتمعاً منقاداً بالعاطفة، تبسيطيا وغير عقلاني، بينما تريد الصحافة المهنية مجتمعاً واعياً ومتعلماً وقادراً على المساءلة والنقد. إن تونس اليوم لا تحتاج إلى صحافة تبحث عن الإثارة لترفع نسب المبيعات ولا إلى إعلام يصفق في كل عهد ويبرر كل سياسة عمومية ولا إلى منصات تعيد إنتاج خطاب الكراهية والاستقطاب، إنها تحتاج إلى صحافة شجاعة ورصينة وملتزمة بالحقيقة وحارسة أمينة لأخلاقيات المهنة، صحافة تملك جرأة طرح الأسئلة الصعبة وقدرة تفكيك الأوهام وإرادة إعادة الاعتبار للعقل في زمن يعلو فيه صوت الغريزة الشعبوية. ودون هذا التحول الجذري ستبقى الصحافة تراوح مكانها رهينة لمعادلات العرض والطلب الشعبوي ضحيةً وشريكاً في آن واحد. الصحافة الحرة هي سلطة القلم التي لا تخدم الحاكم ولا الغوغاء، بل تخدم الحقيقة وحدها والحقيقة وحدها هي التي تحرر المجتمعات من أسر الوهم والاستبداد.

إلى الأعلى
×