بقلم حمه الهمامي
إنّ كلّ ما قام ويقوم به قيس سعيّد، منذ انقلاب 25 جويلية 2021، من تدمير للحياة العامة وتصحيرها إنّما يندرج ضمن رؤيته الاستبداديّة الفاشية التي تعرّضنا لها بالتحليل في أكثر من مناسبة وفي أكثر من موقع. وهذه الرؤية كان سعيّد أعلنها قبل وصوله إلى قصر قرطاج، إذ وردت إشارات واضحة في حملته الانتخابيّة إلى أنّ «عهد الأحزاب قد ولّى وانتهى» وأنّه «يتنبّأ» بزوالها دون أن يفصح صراحة عن كونه هو الذي سيتولّى إزالتها لأنّه يعادي التنظّم السياسي. كما أنّه أفصح عن عدائه لمبدأ التمثيليّة وللهيئات التي تكرّسها ومنها البرلمان لتعويضها بمجالسه(1).
ولئن لم يتمكّن قيس سعيّد من تحقيق هذا الهدف مباشرة بعد وصوله إلى قصر قرطاج إثر انتخابات 2019 بالنظر إلى عدم تمتّعه، دستوريّا، بالسلطات التي تخوّل له ذلك فقد انتظر انقلاب 25 جويلية 2021 وانفراده بالحكم لكي يبدأ في تنفيذ مشروعه المعادي للحرية والديمقراطيّة والذي رأى فيه كبار بيروقراطيي الدولة، من “الأجهزة الصلبة” والإدارة والكمبرادور المحلّي وغلاة الرجعية في المنطقة وفي الغرب “العصفور النادر” لاستعادة السيطرة على الأوضاع في تونس وإخماد ما تبقّى فيها من شعلة الثورة كي لا تلتهب من جديد ويشمل تأثيرها المنطقة، في وضع دولي يتميّز بصعود لافت للشعبويّة اليمينية المتطرفة في كبريات البلدان الرأسماليّة التي تواجه أزمة هيكليّة خانقة ومستعصية.
إنّ مشروع سعيّد، شأنه شأن كل المشاريع الفاشيّة في التاريخ، ينبني فكريّا على رؤية رجعيّة ذات نزعة رسوليّة مغرقة في المثاليّة، لا نجد من عبّر عنها بوضوح أكثر من السيّد رضا مأمون، أحد مؤسّسي تيار قيس سعيّد الشعبوي. ففي ندوة نظّمها مركز التميمي للأبحاث بتاريخ 7 ماي 2022 حول “فكر التأسيس الجديد” الذي يبشّر به سعيّد قال السيّد رضا مأمون: «نحن أمام رجل لا يمكن تصنيفه ضمن نماذج وأنماط الرؤساء المتعارف عليهم، إذ نحن أمام رجل يستلهم نظرته للعلاقة بين الحاكم والمحكومين من علاقة اللّه بالناس والتي لا تتطلّب ولا تحتاج إلى واسطة حتى يخاطبهم وحتّى يتواصل الإنسان مع خالقه، فبهذه الفكرة البسيطة يؤصّل قيس سعيّد نظرته للحكم وفهم الدولة وهي فكرة تقوم على أنّ الرئيس لا يحتاج حتّى يتواصل مع شعبه إلى أحد، فهو لا يحتاج إلى أجسام وسيطة من إعلام ومجتمع مدني ومنظمات وطنيّة وجمعيات ولا يحتاج إلى أحزاب سياسيّة ولا يحتاج إلى طبقة مثقّفة حتّى يحكم ويخاطب الناس فكلّ هذه الفئات هي في فكر التأسيس الجديد غير مفيدة في التعبير عن مصالح الشعب» (الصريح أون لاين/مؤسّسة التميمي 9 ماي 2022).
هذا هو فكر قيس سعيّد الذي يقود مشروعه السياسيّ وبالتالي فإنّ هجومه على التنظيمات السياسيّة والنقابيّة والحقوقيّة والمنابر الإعلاميّة لا يخرج عن هذا السياق. لقد اتبع قيس سعيّد مخطّطا واضحا للوصول إلى ما نحن عليه اليوم. فمثله مثل بن علي في سنة 1987، مع مراعاة اختلاف الظروف، خصّص المرحلة الأولى التي تلت الانقلاب للاستيلاء على كافة دواليب السلطة فكان عليه أن يهدم أوّلا وقبل كل شيء النظام السياسي الذي قام على دستور 2014 حتى يجمع بين يديه كل السلطات فألغى هذا الدستور وعوّضه بدستوره الخاص الذي كتبه بنفسه ولنفسه ومرّره، دون أي نقاش، عبر استفتاء شكليّ، واحتكر بمقتضاه كل السلطات التي حوّلها إلى وظائف تحت إمرته وحلّ كل الهيئات الرقابيّة والتعديليّة.
إنّ قيس سعيّد بعد أن تمكّن من احتكار كل السلطات وخاصة إخضاع القضاء بالكامل، مرّ إلى المرحلة الموالية من مخطّطه وهي تدمير “الأجسام الوسيطة”. لقد عمد خلال مختلف المهازل الانتخابية التي نظّمها إلى إقصاء الأحزاب وإلى إلغاء دورها في الحياة العامة وقد اقترن ذلك باعتقال العديد من قياداتها بتهمة “التآمر”. كما طالت العديد ممّن عملوا معه في القصر أو الحكومة أو الإدارة. وفي نفس الوقت وجّه سهامه إلى اتحاد الشغل فعمد إلى إلغاء دوره في انتظار توفير الظروف التي تسمح بإلغاء وجوده. لقد استبعده من تمثيل العمال والأجراء في كل المفاوضات الاجتماعية ووضع حدّا للتفرغ النقابي ثمّ الاقتطاع المباشر بهدف إضعافه ماليّا. وكانت كل هذه الإجراءات مقرونة بحملات شيطنة رهيبة للاتحاد والعمل النقابي.
وفي نفس الوقت أخذ قيس سعيّد، عبر أداتيه الأمنيّة والقضائية، في محاصرة الهيئة الوطنية للمحامين التي يحاول التضييق على أنشطتها وصلاحياتها وجمعية القضاة التي حكم على رئيسها بالسجن وغيرها من الجمعيات والمنظمات الحقوقية والنسائية والاجتماعية التي دأبت على نقد الانقلاب. إن الذريعة التي اعتمدها في هذه المحاصرة هي ذريعة “شبهات التمويل الأجنبي” دون أن يمسّ المرسوم 88 لسنة 2011 الذي ينصّ صراحة على حق الجمعيات في تلقي «التبرعات والوصايا وطنية كانت أو أجنبية» باستثناء «الدول التي لا تربطها بتونس علاقات دبلوماسية» و«المنظمات التي تدافع عن مصالح وسياسات تلك الدول». وهو ما يفسّر التناقض الصارخ في سلوك نظام سعيّد فهو يسمح للجمعيات والمنظمات بتلقي أموال من الخارج ثم يحاسبها بصورة انتقائيّة وفقا لمواقفها من نظامه. فلو كان جادّا لراجع المرسوم وضبط سبل تمويل الجمعيات التي تقيها من السقوط في شرك هذا الطرف الخارجي أو ذاك. ولا ينبغي الاعتقاد أن فشل الحملة في النيل من بعض المنظمات التاريخيّة مثل الرابطة من شأنه أن يثني قيس سعيّد في المضي قدما في تنفيذ مشروعه الاستئصالي.
وكما كان متوقّعا ذهب قيس سعيّد أشواطا في ضرب حرية التعبير وإخضاع وسائل الإعلام سلاحه في ذلك ترسانة القوانين القمعيّة الموروثة من الأنظمة السابقة وما أضاف إليها هو من قوانين جديدة وفي مقدمتها المرسوم 54 سيّئ الصيت. وضع سعيّد يده منذ اليوم الأول على الإعلام العمومي ويكاد ينهي اليوم وضع يده على الإعلام الخاص عبر الترهيب والمحاكمات والاعتقالات الجائرة التي طالت عديد الصحفيّين. واتسعت دائرة القمع لتشمل المواقع والصحافيين العاملين فيها وكذلك مستعملي الشبكة الاجتماعيّة. ومثّل الحكم بالإعدام على المواطن صابر شوشان في شهر أكتوبر 2025 بسبب منشورات في منصّة فايسبوك ذروة الانفلات الجنوني للشعبوية الفاشية. وهو ما زرع الخوف في صفوف المواطنين/المواطنات الذين استذكروا ما عاشوه في زمن بن علي…
ومن النافل أنّ هذه السياسة القمعية الفاشية لا هدف منها سوى خدمة مصالح الأقليات الثرية المحلية والأجنبيّة. إن الالتفاف على الحقوق والحريات الأساسية إنما يراد منه حرمان العمال والكادحين والنساء والشباب وكل المفقرين من أدوات الدفاع عن أنفسهم وفي مقدمتها حرية التعبير والتنظّم، وتحميلهم فاتورة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد. إن نظام قيس سعيّد يريد من التونسيات والتونسيين أن يجوعوا ويمرضوا ويعطشوا ويموتوا دون أن تكون لهم القدرة والقوة على المواجهة متّحدين ومنظّمي الصفوف. إنه يريدهم مشتتين، متذررين، متناحرين، يعيشون على الأوهام والإشاعات والأباطيل في الوقت الذي تنهار فيه حياتهم وبلادهم ومجتمعهم.
إنّ من المسائل الهامة التي ينبغي وعيها هي الخطر الذي يتهدّد تونس من التصحّر السياسي والإعلامي وبسط هيمنة “الأجهزة الصلبة” على المجتمع. إنّ الأمر لا يتوقّف عند حدّ حرمان الطبقات والفئات الكادحة والشعبيّة من وسائل الدفاع عن مصالحها وتنظيم صفوفها بل يتجاوزه إلى تفكيك هذه الطبقات والفئات بل تفكيك المجتمع عامة وإضعافه وتحويل انهياره إلى عمليّة سهلة في أوّل هزّة قويّة. إن تنظّم الشعب في أحزاب ثورية، ديمقراطية وتقدمية ونقابات وجمعيات ومنظمات وامتلاكه وسائل التعبير عن مواقفه ومطالبه تُكسبه ويكسب المجتمع مناعة. أمّا حين يعمّ الاستبداد والحكم الفردي المطلق وتُلْغى “الأجسام الوسيطة” أي الأحزاب والنقابات والجمعيات والمنظمات الحقوقية والنسائية والثقافية وغيرها من أشكال التنظم في المدن والأحياء والقرى ويُقضى على وسائل الإعلام والتواصل وتُدمّر النخب المثقفة، الحرّة والمبدعة، فيكفي أن يسقط الحاكم المستبدّ وينهار نظامه الكرطوني بسبب تدخل خارجي أو صراع داخلي رجعيّ، حتى يتفتّت المجتمع وتعم الفوضى. وبما أن الطبيعة تأبى الفراغ يعود “الناس” في مثل مجتمعاتنا الهجينة، معطّلة التطوّر، إلى أشكال تنظّمهم البدائي، القبيلة أو الطائفة أو الأتنيّة للاحتماء بها في مواجهة “الآخر”. وليس هذا الأمر من باب التهويمات النظرية بل يكفي استحضار ما تم في ليبيا إثر تدخل الناتو وسقوط القذافي صاحب نظرية “من تحزّب خان” وما تمّ في سوريا إثر سقوط نظام بشار الطائفي الدكتاتوري وما جرى ويجري في السودان من تقاتل أهلي مدفوع الأجر خارجيا، لندرك خطورة أنظمة الحكم الفردي المطلق الفاشية.
إن قيس سعيّد الشعبوي يريد الإجهاز على ما يمكن اعتباره من أثمن مكاسب المجتمع التونسي الذي عززته ثورة 2010-2011 وهو وجود “مجتمع مدني” (بالمعنى الليبرالي) قديم نسبيّا نشأ في زمن مقاومة الاستعمار المباشر وتواصل في عهدي بورقيبة وبن علي اللذين لم يقدرا على اجتثاثه بل عملا على إخضاعه وتحويله إلى ديكور ديمقراطي عبر القمع الذي اتخذ أحيانا أشكالا دموية. فرغم تركيز نظام الحزب الواحد منذ مطلع سنة 1963 فإنّ المعارضة السياسيّة لم تندثر بل تكاثرت التنظيمات متحدية القمع والمحاكمات وشيئا فشيئا فرضت نفسها مما اضطر بورقيبة وبعده بن علي إلى الاعتراف ببعض الأحزاب لتشكل ديكورا ديمقراطيا لكن الأحزاب المعارضة بمختلف نزعاتها ظلت تنشط في اللاقانونية أو السرية إلى أن تم الاعتراف بها بعد الثورة.
أمّا الحركة النقابية فقد حافظت على وجودها عبر مقاومة تخفت أحيانا لتعود أحيانا أخرى أقوى وأشد. كما حافظت هيئة المحامين على حدّ أدنى من استقلاليتها حتى في أشد فترات سطوة نظام بن علي. وستعرف حركة القضاة من أجل الاستقلالية عن السلطة التنفيذية بداياتها في سبعينات القرن الماضي مع جمعية القضاة الشبّان التي حلّها بورقيبة سنة 1985. وسيعود القضاة إلى الواجهة بعد تكوين “جمعية القضاة” في مطلع تسعينات القرن الماضي وبروز أسماء في المعركة من أجل استقلالية القضاء لن ينساهم التاريخ. وتواصل الجمعية اليوم معركتها في مواجهة الاستبداد الشعبوي. إلى جانب ذلك ظهرت في أواخر ستينات القرن الماضي حركة حقوقية أثمرت تأسيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان سنة 1977 لتكون الأولى من نوعها في العالم العربي وإفريقيا. كما ظهرت في نفس الفترة حركة نسائية جديدة متنوعة الأطراف عجزت الدكتاتورية عن إخماد صوتها. يضاف إلى ذلك أركان الحركة الثقافية منذ ما يزيد عن قرن من مبدعين وكتاب وشعراء وباحثين في مختلف المجالات إلى جانب نوادي السينما التي ستظهر لاحقا والمجموعات الموسيقية التقدمية والفرق المسرحية التي كسب بعضها صيتا عالميّا دون أن ننسى حركة الصحافيين التونسيين التي تعود إلى زمن الاستعمار والتي ستتجسم لاحقا في جمعية الصحافيين ثم في النقابة والتي لئن عرفت فترات صعود وهبوط فإن صوتها لم يخمد بفضل ما فيها من طاقات متجددة.
إن نظام قيس سعيّد يريد القضاء على كلّ هذه المكاسب التي ساهمت في تطوير المجتمع التونسي فكرا وتنظيما وتركيز نظام الحكم الفردي المطلق المستند إلى الأجهزة العسكرية والأمنية والقضائية والإدارية. ولئن كنّا على يقين من أنّ هذا النمط من الحكم العاجز عن توفير أبسط مقومات العيش للشعب التونسي إلى زوال فإنّ التعجيل بذلك يكتسي أهمية بالغة للحدّ من حجم الدمار الذي يمكن أن يلحقه ببلادنا ومجتمعنا. إن مؤشرات نهوض الحركة الاجتماعية والشعبية والسياسية والنقابية والحقوقية والنسائية والثقافية تتواتر رغم التصعيد القمعي في كل الاتجاهات. وبقدر ما تكون الحركة أكثر تنظيما ووعيا وتصميما تكون ساعة الخلاص أقرب ووضع أسس جمهورية ديمقراطية وشعبية أكثر واقعية. فإلى النضال دون إضاعة وقت في ترويج الأوهام، فالنظام الشعبوي بيّن بما فيه الكفاية أن ليس له وقت لسماع الخطب حول الحوارات والتوافقات وخرائط الطريق ولا إلى الاهتمام بتظاهر عدد من مكونات المجتمع المدني بأنّها «ليست لها أهداف سياسية وأنها لا تتعامل مع الأحزاب» بل إنّه يعمل جادا على تكريس كامل وقته وجهده لتصحير البلاد والقضاء على كل نفس حرّ مهما كان حزبيا أو نقابيا أو حقوقيا أو ثقافيا الخ…
إنّ السباق مع الزمن على أشدّه.
واللبيب من الإشارة يفهم.
ولا بدّ للقيس أن ينكسر.
تونس في 10 سبتمبر 2026
صوت الشعب صوت الحقيقة
