الرئيسية / صوت العالم / ألمانيا تتسلّح فيما تستعدّ لصعود النازية الجديدة إلى سدّة الحكم
ألمانيا تتسلّح فيما تستعدّ لصعود النازية الجديدة إلى سدّة الحكم

ألمانيا تتسلّح فيما تستعدّ لصعود النازية الجديدة إلى سدّة الحكم

بقلم جيلاني الهمامي

كل شيء يوحي بأن ألمانيا قد حسمت خيارها وغيرت وجهتها إلى حيث لم يكن من المتوقع قبل سنوات قليلة أن تختار ألمانيا هذه الوجهة. لقد بات واضحا أن الثقافة الشعبية العامة السائدة في ألمانيا منذ 1945 ذات الحساسية القوية حيال العسكرة والحرب والاعتناق الواسع لعقيدة السلم والتعاون بين الأممماضية نحو الاضمحلال تاركة مكانها لـثقافة جديدةمناقضة بدأت بالانتشار في السنوات الأخيرة وخاصة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

هذا التحول ازداد حدة ووضوحا منذ أن اعتلى فريديريش ميرتس Friedrich MERZ سدة المستشارية في ألمانيا ليشمل الخطة الاقتصادية والصناعية والعلاقات مع المحيط الأوروبي والنظرة للمجتمع والمستقبل القريب في ظل تسارع وتيرة الصراعات الدولية في أوروبا وعلى النطاق العالمي.

الأزمة وراء ظهور التحوّل الألماني

هذا التحول الكبير يلقى تفسيره العميق في الأزمة الحادة التي عصفت بالبلاد. فالاقتصاد الألماني يعيش حاليا تحت وقع أعمق أزمة عرفها في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة تراجع القطاع الصناعي وفشل النموذج الألماني في ساحة التنافس العالمية أمام النمط الصيني الصاعد. ومن مظاهر هذه الأزمة امتداد فترة الركود والانكماش الاقتصادي على حوالي عقدين من الزمن. وكان لانهيار مليون و65 ألف شركة ألمانية خلال الست سنوات الأخيرة أثر عميق في القطاع الصناعي الذي يواصل انكماشه كما كان له الأثر الكبير في نشاط القطاع البنكي والسيولة المالية في البلاد. أكثر المجالات التي تأثرت بهذه الأزمة هي قطاعات السيارات والمعادن والصناعات الكيميائية التي كانت تمثل مفخرة النموذج الألماني المتميز في اقتصاديات أوروبا. هذا النموذج يعيش على وقع تراجع غير مسبوق لأسباب عديدة منها على وجه الخصوص ارتفاع كلفة الإنتاج نتيجة فقدان إمدادات الطاقة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا من جهة وتراجع الطلب الخارجي على المنتوجات الصناعية الألمانية التي تعاني من منافسة حادة في الأسواق العالمية من قبل المنتوجات الصينية من جهة ثانية.

هذا التراجع أدى منذ 2019 إلى حذف أكثر من ربع مليون من الوظائف ومواطن الشغل. وقد أعلنت الشركات الكبرى هذه الأيام حذف المزيدوفي آخر تحديث تم الإعلان عنه يوم 3 سبتمبر الماضي مخطط جديد لحذف 100 ألف موطن شغل على امتداد الخمس سنوات القادمة في القطاع الصناعي وبالتحديد في صناعة السيارات وخاصة في شركة بوش” Bosch (22 ألف وظيفة) وشركة BMW (8000 موطن شغل) وسيمنس Siemens (6000 وظيفة) بحيث ستكون عديد المواقع الصناعية الكبرى في مدن هانوفر وشتوتغارت مهددة بالإغلاق. ونتيجة لذلك أيضا قفزت نسبة البطالة موفى شهر أوت الماضي إلى 6.5 % وهي نسبة تضاهي المعدل الأوروبي.

البديل والبديل من أجل ألمانيا

أزمة ألمانيا هي في معناها الحقيقي والعميق أزمة خيارات الائتلافات السياسية التي تعاقبت على الحكم في العقدين الأخيرين وخاصة في عهد حكومة أولاف شولتز (2021 – 2025) وكذلك في ظل حكومة فريديريش ميرتس الحالية التي برهنتبوضوح عن فشلها في إنقاذ البلاد. لقد تقلّبت ألمانيا على أكثر من حزب وأكثر من ائتلاف حكومي ولكنها لم تفلح في الخروج من الأزمة، فلا ما سمّي بـالتحالف الكبير” ولا ائتلاف إشارات المرورولا الائتلاف الحالي الذي يضم الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD وحزب المحافظين بقيادة المستشار الحالي فريديريش ميرتس تمكنوا من تحقيق ما أعلنوا من شعارات ووعود وظلّ حلم تعافي الاقتصاد الألماني مجرد خطاب.

على العكس من ذلك ساهمت هذه الائتلافات المتعاقبة كل على طريقته في تعبيد الطريق أمام اليمين المتطرف كي ينمو ويكتسب باطراد مصداقية أقوى وأوسع لدى جماهير الناخبين الاأمان. فقد وجد حزب البديل من أجل ألمانياالنازي الجديد (Alternative fur Deuschland AfD ) في البرامج والمشاريع الاقتصادية والاجتماعية التي لوّح بها ميرتس ومن قبله شولتز الأرضية المثلى لترويج أطروحاته اليمينية المتطرفة القائمة على النزعة القومية الشوفينية والعنصرية وخدمة رأس المال الاحتكاري والتعويل على الاستثمار في مشاريع البنية الأساسية والتصنيع الحربي.

لقد وجد اليمين المتطرف في عجز الأحزاب والائتلافات السابقة عن تطبيق ما لوّحت به وعن تحقيق مكاسب جدية للجماهير الشعبية، الفرصة المواتية ليقنع الألمان بأن وحده حزب البديل من أجل ألمانيا، هو القادر على إنجاح مشاريع الإنقاذ الاقتصادي وإعادة مجد ألمانيا واستعادة قوتها وهيبتها في أوروبا والعالم“. وقد جاءت نتائج الانتخابات العامة سنة 2025 وفي بعض المقاطعات هذه السنة لتؤكد الصعود الصاروخي لهذا الحزب الذي لم يمر على تأسيسه سوى بضع سنوات (2013). فقد أصبح حزب البديل من أجل ألمانيافي الانتخابات التشريعية العامة في فيفري 2025 القوة السياسية الثالثة بـ 20.6 % من الأصوات مقابل 10.3 لسنة 2021. وفي الانتخابات التشريعية في مقاطعة ساكسونيا أنهالت Saxe Anhalt يوم 6 سبتمبر الجاري أحدث هذا الحزب زلزالا سياسيا غير مسبوق بحصوله على 39 مقعدا من أصل 83 في برلمان المقاطعة نتيجة حصوله على 43.8 % من الأصوات متقدما على القوة السياسية الثانية الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ألمانيا CDU بـ 17.2 % فقط.

ارتكازا على هذه النتائج راحت زعيمة الحزب النازي الجديد تضغط بقوة لإجبار المستشار الألماني الحالي ميرتس على الاستقالة أو الدعوة لانتخابات سابقة لأوانها. ورغم رفضه الخضوع لهذه الضغوط فإن انهيار مصداقية حزبه والائتلاف الذي شكله قد لا يقوى على الصمود كثيرا في وجه الضغوط الواردة من أكثر من جهة بما في ذلك من جماهير الشعب الألماني.

وسواء تم التعجيل بالانتخابات أو أجريت في موعدها (فيفري 2029) فالأمر الذي بات شبه متأكد هو أن ألمانيا قد باتت مهددة بالسقوط بين براثن النازيين الجدد. ومرة أخرى تماما كما جرى في عشرينات القرن الماضي لعبت الاشتراكية الديمقراطية الإصلاحية دورا في تسهيل مهمة النازيين الجدد لغزو ألمانيا التي أنجبت كانط وهيغل وماركس وانجلز وروزا لوكسمبورغ وليبكنخت وبيتهوفن وموزارت وبرتولد براشت وغيرهم. لقد قدمت الاشتراكية الديمقراطية البلاد على طبق من ذهب للنازيين الذين لن يتأخروا كثيرا عن الزج بها من جديد في أتون حرب ستكون بلا شك أشنع من الحرب العالمية الثانية.

ريثما يحل ركب النازيين ألمانيا تتسلح

هكذا شاء التاريخ أن يتزامن صعود النازية في ألمانيا مع سعي الائتلاف الرجعي الحاكم بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، إلى التسلح بقوة. هذا التزامن لم يحدث على سبيل الصدفة بقدر ما أملته ظروف الأزمة الحادة التي تمر بها البلاد. فالتركيز على التصنيع الحربي هو خيار استراتيجي للائتلاف الحاكم لمعالجة الأزمة العامة وخاصة أزمة القطاع الصناعي التقليدي (صناعة السيارات والتجهيزات الصناعية الأخرى…). هذا الخيار انتشر في السنوات الأخير في عديد البلدان التي تعاني من الانكماش الاقتصادي والركود حتى أصبح بمثابة مدرسة اقتصادية قائمة بذاتها تحت مسمى الكينزية العسكرية le keynesianisme militaire الذي يعني توجيه مجهودات الدولة إلى الانفاق في القطاع الحربي والدفاعي كآلية لتحريك التنمية الاقتصادية وتنشيط ماكينة الإنتاج وتوفير مواطن الشغل وبالتالي مواجهة آفة البطالة. لتمرير هذه السياسات اختار لها الائتلاف الحاكم الشعار الشعبوي من أجل بناء أقوى جيش تقليدي في أوروباالذي أعلنه المستشار فريديريش ميرتس أمام البرلمان وشعار يجب أن يكون الجيش جاهزا للحربالذي كثيرا ما ردده وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس. وبعنوان هذه الشعارات تم الترفيع في ميزانية الدفاع بشكل غير مسبوق وبلغت اعتماداتها أكثر من 100مليار يورو وبذلك ارتقت ألمانيا اليوم إلى المرتبة الرابعة في مجال الانفاق العسكري بعد أمريكا والصين وروسيا. وقد تمكن الائتلاف الحاكم لأول مرة منذ 1945 من خرق القيود الدستورية الألمانية على الاقتراض والحصول على استثناءات للتداين المخصص للإنفاق على التسليح والتصنيع الحربي. ويجري الآن تحويل الصبغة المدنية للعديد من المؤسسات والمصانع إلى وحدات إنتاج عسكرية. فهكذا اندمجت شركة مرسيدس بشركة أخرى لصناعة الطائرات المسيرة الاعتراضية وتحول مصنع صناعة القطارات إلى صناعة أجزاء من دبابات ليوبارد“. واتسع نطاق عمل شركات الصناعات الميكانيكية وتضاعف عدد المشاريع من سنة إلى أخرى من ذلك مثلا ارتفاع عدد مشاريع شركة راينميتالللصناعات الحربية من 55 مشروع سنة 2023 إلى 103 مشاريع سنة 2025.

في كلمة يمكن القول إن الاقتصاد الألماني أصبح اقتصاد حربرغم ما يلقى هذا التوجه من معارضة في صفوف بعض الأحزاب والفعاليات الاجتماعية والشبابية. وما انفكت الانتقادات تتكثف خصوصا أمام التدهور الذي تشهده الخدمات العامة في التعليم والرعاية الاجتماعية والصحية وأوضاع السكن نتيجة تقليص الميزانيات المخصصة لها سنة بعد أخرى.

في مناخ الاستياء الشعبي الواسع من هذه الخيارات اللاشعبية انتعش اليمين المتطرف وتمكن من كسب تعاطف الغاضبين ولفهم حول برنامجه وشعاراته. هاهنا إذن التقى صعود النازية الجديدة بسياسات التسليح ليقع الاعداد لمواعيد قادمة قد تكون فيها ألمانيا تحت ربقة النازية وهي مدججة بالسلاح. حينئذ من باستطاعته الجزم في ضوء احتدام الصراعات بين القوى العظمى وبعد أن تكون كل شروط الحرب المدمرة قد اجتمعت ألاّ يكرّر التاريخ نفسه في نسخة أشنع وأكثر فظاعة.

إلى الأعلى
×