الرئيسية / صوت العالم / الصلف الأمريكي في مستنقع حرب المضائق
الصلف الأمريكي في مستنقع حرب المضائق

الصلف الأمريكي في مستنقع حرب المضائق

بقلم عمار عمروسية

عادت إلى الواجهة الإعلامية والسياسية والعسكرية في الأيام القليلة الماضية معضلة حيثيات مجمل تداعيات الصراع المستعر حول مضيقي “هرمز” و”باب المندب”، وهي تداعيات تتجاوز من زوايا عديدة وعلى الأخص في جانبها الاقتصادي مجالها الإقليمي لتطال الفضاء العالمي برمته. فأكبر البورصات المالية وأسواق النفط والغاز تعيشان في كل ساعة ويوم على وتائر نسق مستجدات الهدوء أو التصعيد المرتبط بمضيقي “هرمز” و”باب المندب”، فهما على حدّ تعبير الكثير من خبراء الاقتصاد بمثابة المفتاح الأساسي إما لبداية التعافي التدريجي لأزمة الرأسمالية العالمية أو لتعاظمها واتخاذها أبعادا أشدّ خطورة قد يكون من بين نتائجها المباشرة في خطوة أولى تأجيج الصراع القائم بين القوى الامبريالية من أجل إعادة اقتسام العالم والهيمنة على ثروات الشعوب ونهبها وفي خطوة ثانية تقريب ساعة حرب عالمية ثالثة أشدّ تدميرا من سابقتيها.

إن كلّ الوقائع الموضوعية المتعلقة بهذا التدحرج الخطير بالإقليم وشظايا الحريق على الساحة الدولية ليست سوى نتاجا للعدوان الهمجي الصهيو-أمريكي على “إيران وشعبها” منذ “حرب الـ 11يوما” وما أعقبها من إمعان أمريكي حتى يومنا هذا في ارتكاب أفظع الجرائم لهثا وراء تحقيق أهداف متطابقة مع مقتضيات تثبيت ملامح المشروع الامبريالي / الصهيوني المعروف تحت مسمّى “الشرق الأوسط الجديد”. فانطلاقة هذا العدوان الوحشي واستمراره طوال هذه الأشهر كانا خارج كل الأعراف الدولية وضوابط القانون الدولي المتعارف عليها. أكثر من ذلك فهو جرم مارق حتى عن نواميس وقرارات جميع هيئات ومؤسسات ما اصطلح عليه “المنتظم الدولي”.

فالحملة العسكرية بدأت وفق حسابات وغايات صهيونية / أمريكية يذهب كثيرون من ألمع خبراء مراكز البحوث في الدراسات العسكرية إلى اعتبارها عملا عدائيا عبثيا مثّل سقوطا مكلفا لإدارة “ترمب” في فخ مصلحة الكيان الصهيوني وحكومته النازية المسكونة بنوازع التوسع الاستيطاني وشهوات القتل والتدمير.

والأنكى مما سبق أنّ هذا العدوان حصل ولازال بالدوس أولا على كافة الضوابط القانونية وهياكلها التشريعية (مجلس النواب، مجلس الشيوخ) وثانيا بإدارة الوجه عن جميع استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة التي أجمعت على الرفض الشعبي الواسع كما لم يحدث من قبل لهذه الحرب وثالثا بتنكر صريح من “ترمب” للشعار الأساسي لحملته الانتخابية “أمريكا أولا” الذي أضحى “إسرائيل أولا” وفق تعبير شرائح واسعة ليس فقط من الأمريكيين المناهضين للحرب وإنما بعض الفئات المتنفذة ضمن أهم لوبيات المال والسياسة المرتبطة عضويا بـ”الحزب الجمهوري” مثل “ماغا” وغيرها.

إيران تبدع في توظيف الجغرافيا

لقد أقلمت القيادة العسكرية والسياسية خطة الدفاع عن السيادة الوطنية وكرامة الشعب الإيراني مع مستلزمات نمط الحرب غير المتناظرة وأبدعت في توظيف جميع العناصر المتوفرة لديها مثل الموروث التاريخي والحضاري والعمق الديموغرافي وبطبيعة الحال الأرض بجميع تضاريسها من جبال وصحراء وسهول شاسعة وبحار الخ…

فكل هذه العناصر تم إدراجها ضمن خطة الدفاع وفق حسابات دقيقة لعامل الوقت وشروط المعركة بهدف الصمود وإفشال مخططات قوى العدوان. وضمن هذا السياق أخرجت القيادة الإيرانية ورقة مضيق “هرمز” بما فيه من ثقل تجاري واقتصادي ومالي على عملاء الولايات المتحدة الأمريكية بالمنطقة ومختلف اقتصاديات العالم. فتلك الخطوة جاءت في وقت مدروس بعمق بعد تأمين كافة وسائل النجاح فيها، الأمر الذي فاقم من حالة التخبط والعشوائية التي طبعت الاستراتيجية العسكرية والسياسية لقادة أكبر إمبراطورية في عصرنا الراهن.

فوضع الحرس الثوري والقوات المسلحة الإيرانية أيديهم على المضيق ونجاحهما في المحافظة على مفاتيح العبور الآمن فيه عزّزا من حالة الارتباك وحتى الفوضى داخل الإدارة الأمريكية، وهو ما نجد تعبيراته الملموسة أولا في تصريحات “ترمب” المتناقضة فهو في الصباح يتوعد بسحق إيران وتدميرها ومع المساء يطرق أبواب التفاوض مع القيادة الإيرانية الشجاعة والحكيمة حسب وصفه في أكثر من مرة وثانيا في تعميق الهوّة بين القيادة العسكرية والبيت الأبيض فيما يتعلّق بالتقديرات المتباينة بينهما في القدرة على تحمّل أعباء هذه الحرب وخصوصا في الجانب المتعلّق بالذخيرة والعتاد.

فالرئيس “ترمب” تحت دوافع المصالح الضيّقة للطغمة المالية وبعض مؤسسات التصنيع العسكري يبدي من حين لآخر استعدادات للمواصلة في مستنقع الاستنزاف المكلف الذي فرضه الصمود الإيراني، أمّا كبار جنرالات الجيش بالبنتاغون فهم بعد صدور التقرير الأخير الذي أقرّ بتآكل المخزون الاستراتيجي الخاص بالأسلحة الحاسمة والثقيلة فقد أصبحوا يجاهرون ليس فقط بالتكاليف الباهظة لهذه العملية وإنما باستحالة تحقيق نصر حاسم على دولة رفضت كل أشكال الخضوع والاستسلام.

لقد أحدثت إيران تكتيكا جديدا في تاريخ الصراعات العسكرية العالمية بعد أن ارتقت بمفاعيل مضيق “هرمز” إلى مرتبة الأسلحة الأكثر فتكا وخطورة جعل الكثير من أعدائها يصفونه قائلين “مضيق هرمز هو سلاح إيران الحقيقي”.

لقد وهبت السياسة والجغرافيا إيران إمكانية الاستفادة الموضوعية من نجاح “أنصار الله” إثر هجوم مباغت يوم 3 سبتمبر الجاري في بسط نفوذهم على طول شريط الساحل الغربي لليمن مع إحكام السيطرة الميدانية على جزيرة “ميون” ومنطقة “ذوباب” الأمر الذي عزّز من قدرات تحكمهم في مضيق “باب المندب” الذي يؤمّن مرور حوالي 15% من حجم التجارة العالمية ونحو 30% من تجارة الحاويات والبضائع التي تقدّر بأكثر من تريليون دولارا سنويا وحوالي 10% من تبادل النفط المنقول بحريا.

فالمضيق يستقبل يوميا ما يقارب خمسة ملايين برميل من النفط من دول الشرق الأوسط وآسيا باتجاه الغرب زيادة عن تأمين حوالي 18% من الشحنات العالمية للغاز.

إن استيعاب التطوّرات المتسارعة باليمن وتحديدا في ما يتعلق بمضيق “باب المندب” تعدّ في اعتقادنا أمرا نابعا بالأساس من قرار ذاتي لـ”أنصار الله” وبحقهم المشروع في كسر الحصار المضروب على بلدهم وشعبهم من قبل محور الامبريالية والصهيونية والأنظمة العربية العميلة التي عمّقت التحوّلات الحادّة والمتسارعة بالمنطقة من ضعفها ووهنها وجعلتها أكثر من أي وقت سابق قابلة على تمويل أقذر المشاريع الامبريالية والصهيونية دون أدنى اكتراث بالمصالح الدنيا لدولها وشعوبها.

إلى الأعلى
×