الرئيسية / صوت الوطن / المشاريع الكبرى والاستراتيجية: بيع للوهم في دولة تتسوّل أجور موظفيها
المشاريع الكبرى والاستراتيجية: بيع للوهم في دولة تتسوّل أجور موظفيها

المشاريع الكبرى والاستراتيجية: بيع للوهم في دولة تتسوّل أجور موظفيها

 بقلم حسين الرحيلي

تمهيد

تمرّ تونس منذ سنوات بوضع اقتصادي واجتماعي مأزوم، زادت حدّته خلال الخمس سنوات الأخيرة من خلال سيطرة خطاب شعبوي يتفنن في بيع الوهم ورفع الشعارات دون تقديم برنامج متكامل يتضمّن حلولا مستدامة لمشاكل هيكلية للاقتصاد والوضع الاجتماعي بكل مكوناته، من خدمات عمومية وحماية اجتماعية وصحية وصولا إلى الأوضاع المالية الكارثية لمنظومة الصناديق الاجتماعية والصحية التي تعاني من عجز مزمن بلغ أكثر من 2.6 مليار دينار سنة 2025 دون اعتبار عجز صندوق التأمين على المرض.

وتترجَم هذه الأوضاع بمؤشرات اقتصادية واجتماعية تؤكد هذا الواقع المأزوم لسنة 2025، مثل نسبة نموّ لا تتجاوز وفق البلاغات الرسمية 2.5% ونسبة تضخم بلغت 5.3 %، رغم أنّ نسبة التضخم المحسوس تتجاوز هذا الرقم بكثير. إضافة إلى ارتفاع مؤشرات البطالة والإحالة على البطالة الفنية لأسباب اقتصادية، دون نسيان ارتفاع نسبة الهجرة للكفاءات الوطنية من مهندسين وأطباء وصيادلة وإطارات شبه طبية أمام انسداد الأفق في هذا البلد الرازح تحت الشعارات وبيع الأوهام.

في إطار هذا الوضع الاقتصادي والاجتماعي، انعقد أواخر شهر فيفري 2026 مجلس وزاري لسلطة قيس سعيد ليناقش جملة من المشاريع الكبرى الاستراتيجية.

مشاريع للوجاهة السياسية وبيع للوهم

المشاريع الكبرى والاستراتيجية التي تعرض لها المجلس الوزاري تدعو إلى الغرابة من ناحية والسخرية من ناحية أخرى. لماذا؟ هل أنّ تونس وشعبها لا يستحقون مثل هذه المشاريع؟ طبعا لا. ولكن الاستغراب مرتبط بطبيعة هذه المشاريع الكبرى وفي هذه المرحلة من تاريخ تونس.

لقد تمت مناقشة مشاريع إنجاز:

  • قطار فائق السرعة TGV يربط شمال البلاد بجنوبها على مسافة لا تقل عن 450 كلم.
  • إنجاز ميناء المياه العميقة بالنفيضة في إطار ما يسمى الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص.
  • توسعة مطار تونس قرطاج ليستقبل 18.5 مليون مسافر مقابل 7.5 مليون مسافر الآن بكلفة تتجاوز 3 مليار دينار.

مشروع القطار فائق السرعة

بالنسبة لإنجاز قطار فائق السرعة، وجب التذكير هنا بأن البنى التحتية الحالية للبلاد في مجال النقل الحديدي والبري تعاني من التردي والتدهور المادي واللوجستي. كما أنّ تونس هي تقريبا البلد الوحيد في العالم التي لها صنفان من السكك الحديدية (سكة حديدية متريك وسكة حديدية عادية) وهو ما يعني أننا لم نستثمر في قطاع السكك الحديدية وبقينا متمسكين بما أنجزه الاستعمار الفرنسي منذ بدايات القرن العشرين. كما أن شبكة السكك الحديدية الوطنية المستغلة لا تتجاوز 900 كلم بعدما كانت سنة 1956 حوالي 2000 كلم.

أمّا عن المؤسسات العمومية في مجال النقل، فوجب التذكير بأنها مؤسسات تعاني مديونية مزمنة وعجزا في موازناتها يتضاعف من سنة إلى أخرى. فشركة نقل تونس، بلغت ديونها سنة 2022 حوالي 275 مليون دينار. أمّا شركة السكك الحديدية، فإنها تعاني من أزمات هيكلية متعددة إضافة إلى مديونية كبيرة، خاصة بعد سنوات عدة من عدم نقل مادة الفسفاط من الحوض المنجمي هذه المادة التي كانت تمثل 70 % من نشاط الشركة.

كما تمّ الإقرار في تقرير محكمة المحاسبات لسنة 2023 بأن المجموعة الوطنية قد ضخت 640 مليون دينار من أموال دافعي الضرائب للتقليص من الأزمات المالية لشركات النقل العمومية.

إنّ إنجاز قطارات فائقة السرعة يأتي تتويجا لبنى تحتية أساسية في مجال النقل ذات نوعية وخدمات جيدة. كما أنّ هذه المشاريع تترجم مستوى خلق الثروة للشعوب وارتقائها إلى مستوى الإنتاج الفعلي ذي القيمة المضافة العالية.

فهل واقع الاقتصاد التونسي اليوم يعبّر عن هذه الأبعاد في خلق الثروة ومراكمتها؟ طبعا الجواب تمّ تأكيده في التمهيد. كما أنّ تونس بلد يبلغ قائم الدين بها 141 مليار دينار أي 85% من ناتجها الخام.

كما أننا أمام فشل ذريع منذ أكثر من 25 سنة، في مجال إنجاز ميترو صفاقس الذي انطلقت دراساته وتقييم كلفته ودراساته التنفيذية منذ بدايات سنة 2000. وإلى اليوم والشركة موجودة والكلفة تمّ تقييمها بحوالي 2 مليار دينار والعمل جاري منذ سنوات للبحث عن تمويلات والنتيجة الميدانية صفر.

وحتى نتعمق أكثر في مجال مشاريع القطارات ذات السرعة الفائقة. وجب القول إن الدراسات المقارنة لمثل هذه المشاريع في عدة دول متشابهة، تؤكد أن كلفة كلم واحد تتراوح ما بين 20 و22 مليون دولار (أي ما بين 60 و66 مليون دينار). وإذا أردنا أن ننجز المشروع في تونس فإن كلفته على مسافة 450 كلم، ستكون تقريبا بين 9 إلى 11 مليار دولار، أي ما يعادل بين 27 و33 مليار دينار. أي حوالي 44 % من ميزانية الدولة تصرفا وتجهيزا لسنة 2026 وحوالي 48 % من ميزانية 2025. وهو ما لا يمكن طرحه أو حتى الحلم بمثل هذه المشاريع في دولة ظروفها مثل تونس.

وإذا افترضنا أننا أنجزنا مشروع القطار فائق السرعة يربط الشمال بالجنوب، فإنه وجب التنبيه إلى أنّ مثل هذه المشاريع مردوديتها تكون على مدة لا تتجاوز 30 سنة. كما أنها وحتى تكون مجدية فإن عدد المسافرين لا يجب أن يقلّ عن 4.5 إلى 5 مليون في السنة. وبسعر التذكرة الواحد لا يقل عن 60 إلى 70 دولار أي ما بين 180 إلى 210 دينار. فهل يمكن لعائلة تونسية متكونة من 5 أفراد السفر إلى قابس بحوالي 1000 دينار.

وبناء على ما تقدم، وبتحليل اقتصادي وعلمي، فإن مجرد طرح المشروع حتى من زاوية الهزل، لا يمكن تصديقه لا في الداخل ولا في الخارج.

وهو ما يعني أنّ السلطة في تونس التي عجزت عن التحكم في سعر لحم “العلوش” وسعر الموز، وضمان الأدوية الأساسية لمرضى هذا الشعب، لم تجد وسيلة للهروب إلى الأمام إلا بيع الوهم.

مشروع ميناء المياه العميقة بالنفيضة

أمّا بالنسبة لمشروع ميناء المياه العميقة بالنفيضة، فإن هذا المشروع تمّ طرحه منذ 2001 أي زمن بن علي وانطلقت الدراسات وصولا إلى الدراسات التنفيذية وملفات طلب العروض، ولكن المشكلة الأساسية ترتبط:

أولا بعدم مطابقة الموقع لخصائص ومكونات ومتطلبات ميناء مياه عميقة. بل يمكن القول إنّ كل المختصين وخبراء الجيولوجية وعلوم البحار قد أكدوا في تقارير عدة أنّ الموقع لا يصلح لمثل هذا المشروع، وأن المواقع المتطابقة معه هي مناطق الزوارع بباجة وطبرقة بجندوبة. ولكن الاختيارات ذات الطابع السياسوي والجهوي التي تتحكم في مواقع القرار في البلاد هي التي تتمسك بهذا الموقع الخطأ.

ثانيا، غياب الرؤية السياسية المستقبلية وعدم الاستقرار السياسي والجبائي، وغياب الديمقراطية فعليا في البلاد، يجعل من الصعب جذب مستثمرين عالميين في حجم كلفة المشروع التي يمكن أن تتجاوز 4 مليار دينار.

توسعة مطار تونس قرطاج

بالنسبة لتوسعة مطار تونس قرطاج بموقعه الحالي وبكلفة تتجاوز 3 مليار دينار، فإنه يمكن القول إنه فساد للمال العام. إذ أنّ تونس هي البلد الوحيد في العالم الذي به مطار في قلب المناطق العمرانية. وكل الدراسات ومنذ 2001، وقبل إنجاز مطار النفيضة الذي كان صفقة مشبوهة ما بين نظام بن علي وشركة تاف التركية، تدعو إلى إخراج مطار تونس قرطاج من موقعه واستغلال الرصيد العقاري في مشاريع عمرانية وتجارية وترفيهية. وبعائداتها يمكن إنجاز مطار في منطقة المبطوح الموجودة ما بين أريانة وبنزرت وتوفر كل الظروف والإمكانات الطبيعية واللوجستية للنقل الجوي.

ولكن منظومة بن علي لازالت هي صاحبة القرار، ووفية لمواقفها السابقة. لذلك فإننا نعيد إنتاج سياسات بن علي ولكن في إطار شعبوي أكثر انغلاقا وأكثر بيعا للوهم.

إلى الأعلى
×