بقلم حمّه الهمّامي
أصدر حزب العمال يوم الخميس 15 أفريل الجاري بيانا حول غلاء الأسعار في بلادنا نبّه فيه إلى ما وصله هذا الغلاء من نسب غير مسبوقة حوّل حياة غالبية الشعب التونسي إلى جحيم حقيقي نتيجة التدهور المريع لمقدرتهم الشرائيّة في ظلّ تدنّي الأجور وضعف المداخيل وتفاقم نسب البطالة والفقر والبؤس. وحمّل الحزب سلطة الانقلاب وعلى رأسها قيس سعيّد مسؤوليّة هذا الوضع الذي ادّعت أنّها جاءت لمعالجته وإيجاد الحلول له، ودعا المتضرّرين منه من مختلف الطبقات والفئات الشعبيةّ إلى تكتيل جهودهم من أجل التصدّي له إنقاذا لأنفسهم ولمجتمعهم ووطنهم المهدّد بالإفلاس والانهيار. وسنحاول في هذا المقال تعميق الأفكار الواردة في هذا البيان.
أسعار تشتعل
يتفق أهل الاختصاص من الاقتصاديين الجادّين، بمختلف مشاربهم، أنّ “التضخّم المحسوس” سيّد المقاييس للحكم على حقيقة الأسعار. والمقصود بالتضخّم المحسوس (مقارنة بالتضخّم المعلن رسميا وهو في حدود 5 بالمائة حسب معهد الإحصاء والتضخّم التراكمي الخاص بالتراكم في ارتفاع الأسعار) هو ما يحسّه المواطن/المواطنة مباشرة من ارتفاع في الأسعار وهو يتّجه إلى السوق لقضاء حاجياته الأساسيّة سواء ما تعلّق منها بالمواد الغذائية (خضر، غلال، دواجن، لحم الضأن…) أو بالخدمات الأساسية (ماء، كهرباء، تعليم، صحّة، نقل…) وهو ما يشكّل تقريبا 60 بالمائة من حاجيات الفئات الفقيرة والمتوسّطة. إن نسبة التضخّم المحسوس يتراوح دون أدنى مبالغة ما بين 15 و20 بالمائة. وفي هذا السياق يشير آخر تقرير للمعهد الوطني للإحصاء حول ارتفاع نسبة التضخّم خلال شهر فيفري 2026 إلى أنّ أسعار الغلال ارتفعت في نفس الفترة بنسبة 17.7 بالمائة وأسعار لحم الضأن بنسبة 16.3 بالمائة وأسعار الأسماك الطازجة بنسبة 14 بالمائة وأسعار الدواجن بنسبة 12.8 بالمائة. أمّا الخضر فحدّث ولا حرج فسعر الكلغ طماطم يصل إلى 4 د والفلفل ما بين 4.5 و5 دنانير والبطاطة 2.5 د والبصل 2.5 د والجلبانة 6 د والجزر (سفنارية) 2 د. ولا بدّ من التعريج على مسألة أخرى فاقمت أتعاب العائلات التونسيّة وهي تتعلق بتدهور الخدمات العامة من صحّة وتعليم ونقل إذ أنّها أصبحت محكومة أكثر من أيّ وقت مضى بالقاعدة الرأسمالية المتوحشة: خدمات متدهورة للفقراء وهم السواد الأعظم من المجتمع وخدمات راقية للأثرياء وهم الأقلية المسيطرة والمتنفذة. وهو ما فرض على العائلات التونسية اللجوء إلى القطاع الخاص للعلاج أو لتعليم أطفالهم أو لتمكينهم من دروس خصوصية أو لتأمين تنقّلهم وهو ما استوجب منها مصاريف جديدة لا تقدر عليها في الغالب.
أجور ومداخيل ضعيفة
لا يمكننا فهم انعكاس هذه الأسعار على حياة الفئات المتوسطة والفقيرة من الشعب إلّا بمقارنتها بالأجور. إنّ الأجر الأدنى في بلادنا لا يتجاوز حاليّا 320 .528 د (نظام 48 ساعة) وهو لم يتغيّر منذ جانفي 2025 رغم تأثيرات التضخّم وغلاء الأسعار في المقدرة الشرائيّة. أمّا الأجر المتوسّط فهو يتراوح في نفس الفترة ما بين 640 د إلى 1200 د. وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما يُسمّى “ميزانيّة الكرامة” التي تمكّن من عيش لائق بالنسبة إلى عائلة حضريّة متكوّنة من أربعة أفراد (الزوجان وطفلان) فإن أدنى التقديرات تحدّدها بـ3000 إلى 3500 د شهريّا لتغطية الاحتياجات الأساسيّة من سكن وغذاء وتعليم وصحّة ونقل. ويمكن أن ترتفع هذه الميزانيّة في المدن الكبرى إلى 4500 د شهريّا حسب دراسات حديثة (الكتيبة 13 مارس 2026). فماذا يعني هذا عمليّا؟ إنّه يعني عمليّا مضاعفة الأجر الأدنى أكثر من 6 مرات في حال وجود فرد واحد يعمل في العائلة وأكثر من 3 مرات في صورة وجود فردين يعملان حتّى تتمكّن عائلة أصحاب الأجر الأدنى من بلوغ “ميزانيّة الكرامة”. أما بالنسبة إلى أصحاب الأجر المتوسّط فإن أجرهم في حالة الفئة الأولى يجب أن يتضاعف حوالي 5 مرات وفي حالة الفئة الثانية حوالي 3 أو 3.5 مرات للحصول على “ميزانية الكرامة”.
وخلاصة القول فإنّ أصحاب الأجر الأدنى والمتوسّط وهم الغالبية العظمى من الأجراء لا يحصلون على “ميزانية الكرامة” في تونس، هذا دون الحديث بالطبع عن مئات الآلاف من المواطنين/المواطنات الذين تنهشهم البطالة والتهميش ولا يتمتعون بأي دخل. فكيف أصبح يتصرّف الناس في مثل هذه الحالة أمام تدهور حالتهم المعيشيّة؟ إنّ الحلّ الذي تلجأ إليه الغالبيّة هو التداين ناهيك أنّ تداين الأفراد ارتفع من 26.6 مليار دينار سنة 2021 إلى 29.5 سنة 2024 في نفس الوقت الذي نزلت فيه نسبة الادخار العائلات من 21.7 بالمائة سنة 2010 إلى 5.7 بالمائة سنة 2024. كما أنّها تلجأ إلى التقشّف والحدّ من كميات السلع التي اعتادت شراءها أو حتّى التخلّي عن بعضها مثل الغلال واللحوم الحمراء والأسماك واللّوذ إلى شراء لحم الدجاج الذي ارتفع سعره وقلّت كمياته ناهيك أنّه أصبح يباع في بعض الأماكن الحضريّة تحت مراقبة البوليس. أمّا بالنسبة إلى الأدوية فإنّ المعضلة مزدوجة فالمئات من الأدوية مفقودة وما هو متوفّر فثمنه مرتفع مقارنة بدخل معظم العائلات وهو ما يدفع بالكثير منها إمّا إلى “تسليم أمرها لله” كما يقول المثل الشعبي أو اللجوء إلى الشراء بالتقسيط من صيدلية الحومة ذلك أنّ الصيدلية المركزية تعاني من أزمة مالية خانقة والمستشفيات العمومية لا توجد فيها العديد من الأدوية الضروريّة.
اتساع دائرة الفقر
ومن البديهي أن تكون النتيجة الحتمية لهذا الواقع اتساع دائرة الفقر. فالفئات المتوسّطة تآكلت والتحق معظمها بصفّ الفقراء. أمّا الفئات الضعيفة أصلا فقد نزل العديد منها إلى مرتبة الفقر المدقع والتحق بصف المعطلين عن العمل الذين لا تقلّ نسبتهم حسب الإحصائيات الرسمية عن 16 بالمائة والذين لا دخل لهم.ففي تقرير للبنك الدولي صادر في جويلية 2025 يعيش 28.99 بالمائة من سكان تونس تحت خط الفقر العالمي. أمّا نتائج الإحصاء السكّاني لسنة 2025 فقد كشفت أنّ أكثر من 25 بالمائة من العائلات التونسية بلا مسكن وترتفع هذه النسبة إلى 30 بالمائة في الأوساط الريفية. كما أبرزت نفس الإحصائيات أنّ 35.4 من التونسيين خارج التغطية الاجتماعية مع تسجيل 19 بالمائة محرومين من أبسط الحقوق في التغطية الصحية وهو ما يضع ملايين المواطنين في مواجهة مباشرة مع الفقر والمرض دون حماية تذكر. وتشير دراسة لليونيسيف إلى أنّ 26 بالمائة من الأطفال في تونس (826 ألف) يعيشون تحت خطّ الفقر.
وفي الوقت الذي تتّسع فيه دائرة الفقر والاحتياج نتيجة ضعف الأجور والمداخيل وتفاقم البطالة والفقر والبؤس فإنّ دائرة الثراء تضيق. ففي التقرير الدوليّ “حول عدم المساواة في العالم” الخاص بالعام الحالي (world Inequality Report 2026) جاءت الأرقام لتؤكّد مجدّدا استمرار الفجوة بين الأغنياء والفقراء في تونس. إن أعلى 10 بالمائة فقط من السكّان يمتلكون نحو 60/65 بالمائة من الثروة الوطنيّة ومن هؤلاء الـ10 بالمائة يوجد 1 بالمائة فقط يستحوذون على 29 بالمائة من إجمالي الثروة في حين يمتلك نصف السكان الأقل ثراء 3.9 بالمائة فقط.
إنّ هذه الأرقام والنسب تؤكّد بما لا شكّ فيه ما نبّه إليه أهل الاختصاص في العديد من المرّات بأنّ تونس تعيش تحت قبضة حفنة من العائلات المرتبطة عضويّا بالرأسمال الأجنبي. وهذه العائلات تشكّل شبكة عنكبوتيّة سواء كان ذلك في القطاع المنظم أو غير المنظم. فهي تضع أيديها على كل شيء تقريبا: البنوك وشركات التأمين والفضاءات التجارية الكبرى وشركات التصدير والتوريد والأراضي الفلاحية الخ… وتتشابك مع مصالحها مع مصالح شريحة كبار بيروقراطيّي الدولة الذين يوفرون لهم الحماية مقابل ما يحصلون عليه من منافع. وفي الخلاصة فلا مبالغة مطلقا فيما قلناه وردّدناه على الدوام بأنّ في بلادنا يزداد الأغنياء غنى والفقراء فقرا.
المسألة مسألة خيارات
يجري كل هذا تحت أعين سلطة يردّد رئيسها صباحا مساء خطابا شعبويا أصبح ممجوجا حول “الانتصار للشعب والفقراء” و”مقاومة الفساد والاحتكار والسيادة الوطنية والتعويل على الذات” وغير ذلك من الشعارات الطنّانة في محاولة بائسة للتملّص من المسؤوليّة وإلقاء الفشل على الغير وإخفاء حقيقة المستفيدين من الوضع الحالي. إنّ نظرة موضوعيّة وعميقة للواقع المعيشي للشعب التونسي تبيّن أن استمرار تدهوره ليس متأتٍّيا من عوامل عرضية وظرفية قابلة للتجاوز بل متأتيا من أسباب هيكليّة تكمن في التوجّهات الاقتصاديّة التي استمر سعيّد، مثله مثل منظومة الحكم التي سبقته، في تكريسها والتي عرقلت تطوّر بلادنا ومجتمعنا منذ عقود طويلة وحملت الشعب التونسي في 2010-2011 على الثورة ضدّها وضد النظام الدكتاتوري الفاسد الذي يكرّسها أملا في تغييرها جذريّا. وتقوم هذه الخيارات على التبعيّة للخارج والارتباط بالرأسمال الأجنبي النهّاب بما يخدم مصالحه دولا وشركات ومؤسّسات ماليّة أجنبيّة ومصالح الأقليّات الثريّة والطفيليّة المحليّة المرتبطة به ويحرم بلادنا من استغلال ثرواتها وقدراتها بنفسها لتطوير اقتصادها بشكل مستقل على النحو الذي يلبّي حاجيات شعبها المادية والمعنويّة ويخرجها من التخلّف والفقر ويحقّق لها ازدهارها.
لقد مرّ نمط الإنتاج النيوكولونيالي الذي ساد في بلادنا منذ خروج الاستعمار المباشر في أواسط خمسينيات القرن الماضي بأزمات عديدة ومتكرّرة ولئن تمكّنت الرجعية الحاكمة في كلّ مرّة من إيجاد مسكّنات لهذه الأزمات بإشراف وتوجيه ودعم من المؤسسات المالية الدوليّة فإنّها اليوم تقف عاجزة بقيادة الشعبوي قيس سعيّد عن إيجاد مخرج للأزمة الحاليّة. إن نمط الإنتاج النيوكولونيالي السائد استنفد طاقته ولم يعد قابلا للإصلاح والترميم وهو ما أدّى ويؤدّي، مع تفاقم أزمة النظام الرأسمالي العالمي، الغربي خاصّة، إلى شبه تفليس للبلاد وتفاقم المديونية وتدمير ممنهج لمنظومات الإنتاج المختلفة (فلاحة، صناعة…) والمرافق العموميّة فكانت النتيجة تراجع الاستثمار إلى مستويات غير مسبوقة ومن ثمّة تراجع مريع لإنتاج الثروة وهو ما نجم عنه مزيد التعويل على الاقتراض لتغطية الواردات ونفقات الأجور وغيرها وهو ما أدّى ويؤدّي إلى انهيار متزايد للمالية العمومية وتفاقم للمشاكل الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية : تدهور المقدرة الشرائية وتردي الخدمات العامة، إثقال كاهل العمال والأجراء بمزيد الضرائب، ارتفاع نسب البطالة والفقر والبؤس والهجرة النظامية وغير النظاميّة الخ… وهكذا فإنّ ما يعيشه شعبنا من تدهور مريع لمقدرته الشرائية وظروف عيشه ليس قضاء وقدرا إنّما هو نتاج خيارات طبقيّة، اقتصادية واجتماعية، معادية لمصالحه. ومن المؤكّد أن هذا التدهور سيتفاقم في المستقبل أوّلا بسبب تفاقم الأزمة العالميّة للنظام الرأسمالي وثانيا بسبب التداعيات الاقتصادية للعدوان الصهيو أمريكي على إيران خاصة في مجالي الطاقة والغذاء وبعبارة أخرى فإنّ أياما صعبة جديدة تنتظر الشعب التونسي بينما سلطة الانقلاب تواصل سلوكها المزدوج : الشعارات الشعبوية الفارغة التي لا تسمن ولا تغني من جوع من جهة وعصا القمع المرفوعة لإسكات المعارضين والمنتقدين والمحتجّين من جهة ثانية في الوقت الذي بطل فيه الحديث عن الزيادات في الأجور التي قرّرها سعيّد دون رجوع للاتحاد العام التونسي للشغل وظلّ يماطل في إعلان نسبتها وموعد تنفيذها.
أقصر السبل للخلاص
لقد اعتبر حزب العمال ولا يزال أنّ أقصر السبل لخروج الشعب التونسي من هذا الوضع هو “النضال الواعي والمنظّم من أجل فرض اختيارات جديدة وطنيّة وشعبية في نظام سياسي يضمن للشعب حريته وحقوقه الأساسيّة ويجسّد سيادته على الدولة وعلى ثروات البلاد”. وبناء على هذا التوجه العام فإن ما يطرح بشكل مباشر على العمال والأجراء والفقراء وكافة ضحايا الخيارات الحالية المدمرة هو النضال والتعبئة من أجل :
– مراجعة الأجور في القطاعين العام والخاص بنسبة تغطّي نسبة تدهور المقدرة الشرائيّة
– الاستثمار في مشاريع تنمويّة منتجة من شأنها توفير الثروة ومواطن الشغل للمعطلين عن العمل وفي مقدّمتهم أصحاب الشهادات العليا.
– دعم صغار الفلّاحين وأصحاب المؤسّسات الصغرى والمتوسّطة وحمايتهم من المنافسة الخارجيّة.
– تركيز الاستيراد على الضروريّات من مواد غذائيّة وأدوية وقطع غيار الخ…
صوت الشعب صوت الحقيقة
