بقلم حبيب الزموري
أقرّ كنيست دولة الاحتلال الصهيوني مساء يوم الإثنين 30 مارس 2026 قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بأغلبية 62 نائبا ومعارضة 48 واحتفاظ نائب واحد. تقدم بهذا القانون كلٌّ من حزب “القوة اليهودية” اليميني المتطرف برئاسة وزير الأمن القومي، وعضو الكنيست نيسيم فاتوري من حزب الليكود. وبحسب صيغة القانون، يمكن لإسرائيل تطبيق عقوبة الإعدام على أي مواطن فلسطيني يقتل مواطنا إسرائيليا، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال تطبيقها على إسرائيلي يقتل فلسطينيا.
إن المصادقة على هذا القانون العنصري الإجرامي بالتزامن مع الذكرى الخمسين ليوم الأرض يحمل دلالات عميقة وعميقة جدا حول رؤية الكيان الصهيوني المجرم لمختلف الملفات المرتبطة بالحق الفلسطيني من الحق في الأرض والحق في العودة والحق في الغذاء والصحة والتعليم… وصولا إلى الحق في الحياة وهي رؤية فاشية عنصرية ترتكز على نفي الأخر وإعدامه فبعد عقود من محاولات تفكيك القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية حق شعب في تقرير مصيره إلى ملفات هامشية تتعلق برسم حدود وفتح معابر ة صلاحيات صورية لسلطة فلسطينية صورية لا تتحكم حتى في الطرق المؤدية إلى مقراتها.
قانون يحمي جرائم الإبادة والعنصرية
من أبرز مواد القانون المسمّى “قانون عقوبة الإعدام للإرهابيين، 5786–2026″ المادة المعنونة “عقوبة الإعدام في يهودا والسامرة” التي نصت على أن “يعاقب بالإعدام فقط أي مقيم في المنطقة يتسبب عمدًا في وفاة شخص، إذا كان الفعل يُشكل عملاً إرهابيًا وفقًا لتعريفه في قانون مكافحة الإرهاب، 5776–2016 (ويُشار إليه فيما يلي بـ “الإرهابي“) يُقصد بـ “مقيم في المنطقة” من هو مسجل في سجلات السكان بالمنطقة أو من يقيم فيها حتى وإن لم يكن مسجلاً في هذه السجلات مع استثناء المواطنين الإسرائيليين أو المقيمين الإسرائيليين. ويعرّف نص القانون “المنطقة” بأنها “يهودا والسامرة“، وهو المصطلح الذي تستخدمه إسرائيل للإشارة إلى الضفة الغربية، وبموجبه، تُلزم المحاكم العسكرية في الضفة الغربية، والتي تختص بمحاكمة الفلسطينيين فقط، بفرض عقوبة الإعدام على أي شخص يُدان من قِبَل السلطات الإسرائيلية بقتل إسرائيليين، إذا اعتُبر الفعل عملا إرهابيا من قبل المحكمة. كما ينص القانون على تعديل المادة “301 أ” في قانون العقوبات الإسرائيلي، والذي یُحاكَم بموجبه المواطنون الفلسطینیون داخل الخط الأخضر والفلسطینیون في مدینة القدس بإضافة ما يلي: “يُعاقب كل من يتسبب عمدًا في وفاة شخص بقصد إنكار وجود دولة إسرائيل، وفي الظروف المنصوص عليها في الفقرة الفرعية (أ) (10)، بالإعدام أو بالسجن المؤبد، ويكون أحد هذين العقابين فقط“. كما ينص القانون على:
• أن ينفَّذ الحكم في غضون 90 يوما من صدور القرار النهائي
• أن ينفذ حكم الإعدام ضابط سجون ملثم لحماية هويته
• أن يُمنح الضابط المنفذ حصانة كاملة من المسؤولية الجنائية والمدنية
• منع تخفيف أو إلغاء الحكم بعد صدوره
• عزل المحكومين بالإعدام في زنازين انفرادية تحت الأرض ومنعهم من الزيارات حتى تنفيذ الحكم
وبالرغم من أنّ نص القانون لا يذكر صراحة أي جنسية أو فئة عرقية، فإن الدافع المنصوص عليه، المتمثل في “إنكار وجود دولة إسرائيل“، يجعل القانون مصممًا عمليًا لاستهداف الفلسطينيين حصرًا وفق ما أفادت به منظمة العفو الدولية التي اعتبرت القانون “استعراضا علنيا للوحشية والتمييز والاستهتار التام بحقوق الإنسان“، وأضافت أنّه يعزز نظام الفصل العنصري المفروض على الفلسطينيين، وطالبت المجتمع الدولي بممارسة الضغوط على إسرائيل لإلغاء القانون فورا والعمل على إلغاء عقوبة الإعدام بشكل كامل. وأكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن صياغة القانون تجعل تطبيقه موجّهًا أساسًا، إن لم يكن حصريًا، ضد الفلسطينيين، وقال نائب مدير قسم الشرق الأوسط فيها إنّ القانون يهدف إلى قتل الأسرى الفلسطينيين “بسرعة أكبر وبقدر أقل من التدقيق“. كما قالت المنظمة الحقوقية إنّ طبيعة القانون التمييزية وافتقاره لضمانات الإجراءات القانونية تعد انتهاكا للحق في الحياة والحماية المكفولة في القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة ولوائح لاهاي والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب.
بصرف النظر عما جاء به هذا القانون الوحشي فإن الممارسات اليومية لمختلف أجهزة الكيان الصهيوني الغاصب على أرض الواقع تتجاوز بمراحل ما جاء في هذا القانون الذي يحاول توفير الحصانة والغطاء القانوني لأجهزة القمع والإبادة الصهيونية ولن تتردد آلة التشريع الصهيوني في تبرير و“تقنين” ما هو أفظع.
قانون يعبر تعبيرا مكثفا عن موازين القوى في الصراع ضد الصهيونية
لم يكن الكيان الصهيوني ليتجرأ على سن مثل هذا القانون العنصري والإحرامي لولا تمتعه بدعم القوى الامبريالية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وعجز منظومة القانون الدولي عن عرقلة سياسته العدوانية الغاشمة وتأكده من انخراط النظام العربي الرسمي في التطبيع المعلن وغير المعلن واستسلامه للأمر الواقع، حتى لو كان قائما على عدم الاعتراف بالحقوق التاريخية والطبيعية للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها الحق في الحياة. فمن العبث ومن سوء التقدير القاتل أن ننتظر من هذه الأنظمة العربية التي لا تتورع عن ارتكاب أفظع أشكال القمع والتنكيل ضد شعوبها في الداخل لتحصين مواقعها ومصالح الطبقات التي تعبر عنها أن تتخذ موقفا مبدئيا فعليا للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني إذ لا يمكن أن تكون عدوا للحرية والكرامة في الداخل ومدافعا عنها في الخارج كما إن هذه الأنظمة قد قطعت أشواطا متقدمة جدا في رهن نفسها وتاريخ صلاحيتها الامبريالية الأمريكية معرضة نفسها لشتى أنواع الإهانات السياسية والأخلاقية في ظل رئاسة دونالد ترامب الذي لا يجد حرجا في تمزيق كافة الأعراف والبروتوكولات الديبلوماسية في تعامله مع هذه الأنظمة اللقيطة التي وصلت إلى درجات مازوشية في تعاملها مع الإهانات و“الصفعات” الترامبية، وهو ما يؤكد مرة أخرى أن النضال ضد هذه الأنظمة جزء لا يتجزأ من النضال ضد الامبريالية والصهيونية وأي موقف داعم للشعب الفلسطيني في نضاله ضد الاحتلال والعدوان الصهيوني لا يكون مقترنا بفضح دور الأنظمة العربية في المتاجرة بالقضية الفلسطينية ودورها في العبث بحقوق الشعب الفلسطيني التي كانت إلى وقت قريب غير قابلة للتفاوض أو التجزئة إنما هو موقف غير مبدئي ولا يختلف عن موقف النظام العربي الرسمي إلا من حيث الموقع الذي يصدر منه هذا الموقف.
رغم أن حركة التحرر الوطني والسياسي والاجتماعي العربية في أضعف حالاتها اليوم فإن جذوة المقاومة لم تخمد بعد رغم تحالف كافة القوى الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية واتفاقها على ضرورة إخمادها، إذ لا يمكن فهم هذا القانون إلا في سياق الحرب المستعرة ضد قوى مقاومة المشروع الصهيو–أمريكي في المنطقة. إن مقاومة قادرة على الصمود في وجه تحالف كهذا جديرة بأن تكون نبراسا لكافة قوى التحرر في العالم وإلهامها القدرة على المقاومة والصمود والاستماتة في الدفاع عن الحرية والكرامة مهما كان اختلال موازين القوى وفي مقدمة قوى المقاومة تبرز حركة الأسرى الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تلعب دورا محوريا في تأطير حركة المقاومة والصمود في سجون الاحتلال من جهة وفي توثيق وفضح جرائم الاحتلال داخل السجون ولكن يبقى أهم إنجار هو نجاحها في المحافظة على روابط الاتصال المادية والمعنوية المرئية منها وغير المرئية بين حركة المقاومة داخل أسوار السجون وحركة المقاومة خارجها.
“لا عدل إلا إذا تعادلت القوى وتصادم الإرهاب بالإرهاب“
من أوكد المهام وأكثرها استعجالية في مواجهة المشروع الصهيو– أمريكي في المنطقة هو بناء جبهة مقاومة الصهيونية والامبريالية لخوض المعركة ضدهما على كافة الجبهات السياسية والعسكرية والدعائية والثقافية. فعلى أهمية الواجهة التشريعية والقانونية فإن خبرة عشرات السنوات من الصراع المفتوح مع هذا الكيان الغاصب تؤكد أنه لم يتردد في انتهاك كافة المواثيق والقوانين الصادرة عن المنظمات والهيئات الدولية بضوء أخضر أمريكي. إن أكثر القوانين عدالة وإنصافا للشعوب والطبقات المضطهدة لن تجد طريقها إلى التطبيق على أرض الواقع ما لم تكن مسنودة بقوة مادية تدافع عنها وبالعكس فإن أكثر القوانين جورا وانتهاكا لحق الشعوب والطبقات المضطهدة في تقرير مصيرها ستطبق بقوة آلة القمه والبطش التي تسندها.
صوت الشعب صوت الحقيقة
