الرئيسية / عربي / مفاوضات لبنان: الكيان يفاوض ظله
مفاوضات لبنان: الكيان يفاوض ظله

مفاوضات لبنان: الكيان يفاوض ظله

بقلم وليد المرداسي

منذ ما يزيد على أربعة عقود، شهد لبنان أولى محاولات جرّه إلى مفاوضات مباشرة برعاية أمريكية، فيما عُرف بـ “اتفاق 17 أيار 1983”. لم يكن ذلك التاريخ مجرد محطة عابرة، بل كان ذروة مشروعٍ رجعي عميل كان يهدف إلى تحويل لبنان من دولة ذات سيادة إلى وحدة أمنية ملحقة بالمشروع الصهيوني، وتابعة وظيفياً لمنظومة الهيمنة الصهيو-أمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

فجوهر ذلك الاتفاق لسنة 1983 يكشف بأنه لم يكن نتيجة لتوتر عسكري إقليمي عابر، بل كان ترجمة سياسية لمصالح تحالف الكومبرادور اللبناني مع المحور الصهيو-أمريكي-الخليجي ؛ حيث سعى ذلك المحور الإمبريالي ووكلائه بالمنطقة لمقايضة لبنان في سيادته وعلى حدوده وذلك بمقابل استقرار هش تحت المظلة “الضمانة” الأمريكية والتي تبين كما في كل مرة بأن تلك الضمانة هي عنوان للخداع والغدر للإدارة الأمريكية، وذلك في محاولة من أجل مأسسة نتائج العدوان الصهيوني على لبنان وتحويله إلى واقع قانوني وذلك بتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني والتنسيق الأمني معه من أجل محاصرة كل فعل مقاوم. وإذا كان سقوط ذلك الاتفاق في مارس 1984 قد أسس لنهج المقاومة الشاملة شعبيا وكذلك عسكريا والتي حوّلت عقلية الانكسار والاستسلام للاحتلال إلى عقيدة المقاومة والانتصار لتحرير كل أراض لبنان، فإن العقيدة السياسية للتيار المهادن والعميل الذي أنتج ذلك الاتفاق لا يزال يطل برأسه الآن في المشهد الراهن.

اليوم، يبدو أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بالأدوات واللاعبين ذاتهم، فما نشهده من محاولات لفرض “ترتيبات أمنية” مستحدثة حسب الدعاية الصهيونية للحفاظ على أمن ” إسرائيل”، أو بتوظيف الضغط العسكري والاقتصادي والاجتماعي على الشعب اللبناني نتيجة للعدوان الصهيوني الغاشم على لبنان من أجل انتزاع تنازلات سيادية، ليس إلا امتداداً لبنيوية نهج تيار “17 أيار” المهادن، فكما شاهدنا مؤخرا فإن المحور الصهيو-أمريكي يفاوض ظله وأدواته تحت عناوين براقة مثل “وقف إطلاق النار” و”نزع سلاح حزب الله” بينما يكمن الجوهر الحقيقي خلف الستار هو استكمال مخطط التطبيع الشامل وسحق محور المقاومة وذلك من أجل التقدم في بناء المشروع الصهيوني بالمنطقة وهو ما بات يعرف “بإسرائيل الكبرى”.

وفي مشهد سياسي بالغ الدلالة، احتضنت وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن في يوم 14 أفريل سنة 2026، باكورة جلسات ما يسمى بالتفاوض المباشر بين الجانب اللبناني والكيان الصهيوني برعاية أمريكية رفيعة. ضمّ الاجتماع وجوهاً تعكس طبيعة المرحلة؛ حيث مثّلت السفيرة ” ندى حمادة معوض” الجانب اللبناني، وقابلها السفير “يحيئيل لايتر” عن الجانب الصهيوني، بوساطة من السفير الأمريكي لدى بيروت “ميشال عيسى”، وإشراف مباشر من وزير الخارجية “ماركو روبيو” والمبعوث “مايك والتز”.

بينما حاول “روبيو” تسويق اللحظة كـ “فرصة تاريخية” لإنهاء ما أسماه حقبة هيمنة حزب الله، جاء الرد الميداني فورياً ومتزامناً عبر صليات صاروخية للمقاومة استهدفت تمركزات الاحتلال الصهيوني بجنوب لبنان. هذا التزامن يكرّس معادلة “التناقض الصارخ”؛ حيث تبرز فجوة عميقة بين “قوة الميدان” التي ترفض منطق التفاوض الحالي، وبين “قوى الداخل” وهي قوى “الظل” للمحور الصهيوأمريكي والتي تتحرك في الفلك الدبلوماسي الأمريكي دون رصيد عسكري ميداني. يضع هذا المشهد لبنان اليوم من جديد أمام معادلة الوجود والقرار: أيهما يمثل سيادة لبنان وأرضه: من يكتب تاريخها بالرصاص دفاعا وتحريرا، أم أولئك الذين يفاوضون برؤوس النعام في الغرف المظلمة، متمسكين بأذيال التطبيع والعمالة؟

كما نلاحظ، فإن هذه المفاوضات تكتسب تعقيدات إقليمية وجيوسياسية وذلك بتقاطعها العضوي مع مسار تفاوضي موازٍ بين طهران وواشنطن، يأتي في أعقاب تصعيد عسكري غير مسبوق وعدوان “صهيو-أمريكي” استهدف رأس الممانعة إيران. إن الهدف المعلن يتجاوز الجغرافيا اللبنانية نحو سحق محور المقاومة وتفتيته بالكامل، لرسم خارطة سياسية جديدة للمنطقة تقوم على ركنين: أولا، فرض التطبيع القسري وذلك عبر اقتلاع مبدأ الاعتراف بـ “إسرائيل” كما جرى مؤخراً في سوريا وثانيا، الانخراط الفعلي وبالكامل ضمن مشروع ترمب ” الشرق الأوسط الجديد”.

إذن، فإن المفاوضات الحالية في واشنطن بين الجانب “الرسمي” اللبناني والكيان الصهيوني تتجاوز سياقها التقني لتتحول إلى مختبر جيوسياسي يعكس جوهر الصراع بين مشروعين متناقضين وهما “وحدة الساحات للمحور المقاومة” و”الشرق الأوسط الجديد للمحور الصهيوأمريكي”.

إذن، فهذه “اللحظة التاريخية” التي انتظرها وزير الخارجية الأمريكي “روبيو” حيث يحاول فيها التيار الرسمي اللبناني المهادن تمرير أجندات التطبيع والتي دفنت تحت أقدام الشعب اللبناني ومقاومته الباسلة عام 1984. واليوم، يسيل لعاب الاحتلال الصهيوني من جديد لاقتناص تنازلات كبرى تتخطى الحدود اللبنانية، مستهدفا كسر شوكة حزب الله ومحور المقاومة وصولا إلى محاصرة طهران، مما يجعل من طاولة التفاوض الحالية مجرد صدى للاستعدادات للمواجهة الكبرى في ظل هذا الصراع المصيري المحتدم على خارطة النفوذ الإقليمي.

إستراتيجية التفاوض بوحدة الجبهات في مواجهة مخططات محور الصهيوأمريكية

ينتقل محور المقاومة في طوره الراهن من العمل العسكري إلى مرحلة تثبيت الموازين السياسية، حيث لم تعد “وحدة الساحات” شعاراً تعبوياً، بل تحولت إلى عقيدة تفاوضية صلبة أعادت تعريف قواعد الاشتباك الدبلوماسي. هذا الربط العضوي بين الجبهات الممتدة من طهران إلى بيروت، وصنعاء، وبغداد، أدى إلى ولادة جبهة تفاوضية مقاومة استعصت على محاولات التفكيك، ووضعت استراتيجية تجزئة الملفات التي يتبعها المحور الصهيو-أمريكي في مأزق بنيوي؛ إذ اصطدمت الدبلوماسية الأمريكية بجدار “وحدة المصير السياسي” الذي يمنع الاستفراد بأي طرف كحلقة ضعيفة.

في هذا المشهد، يتجاوز دور “حزب الله” كونه فاعلاً ميدانياً ليصبح “المركز العصبي” والناظم الإيقاعي للعملية التفاوضية برمتها. فهو يمثل الثقل الذي يربط التوازنات الميدانية بالمكاسب الجيوسياسية على طول الخط، مما جعل المسارات الدبلوماسية محكومة بـ “حتمية الترابط والتلازم”. إن هذا التحول الاستراتيجي أسقط نهائياً أوهام “عزل الجبهات”، وحوّل طاولة المفاوضات من أداة لاحتواء القوى المنفردة إلى منصة لفرض إرادة المحور ككتلة غير قابلة للتجزئة، مجهضاً بذلك رهانات التطبيع والتبعية التي كانت تقتات على تشتت القوى محور المقاومة، ليفرض في النهاية معادلة لها بعد استراتيجي في الصراع بمنطقة الشرق الأوسط: لا استقرار مجزأ، ولا تفاوض تحت طائلة عزل جبهات المقاومة.

إلى الأعلى
×