الرئيسية / صوت النقابة / الوضع النقابي على مشارف عيد الشغل
الوضع النقابي على مشارف عيد الشغل

الوضع النقابي على مشارف عيد الشغل

بقلم : الناصر بن رمضان

يأتي العيد العالمي للعمال في تونس هذه السنة في سياق سياسي واجتماعي استثنائي شديد التأزم والاختناق، تتقاطع فيه أزمة نقابية داخلية متراكمة مع أزمة سياسية حادة ومتصاعدة تمارسه تعود المسؤولية فيه لسلطة شعبوية استبدادية قطعت أشواطا في تهميش الفعل الجماعي المنظم وإضعاف أدوات المقاومة الاجتماعية والسياسية.

فبعد المؤتمر الوطني الأخير للاتحاد العام التونسي للشغل في 25 مارس 2026 وجدت القيادة النقابية الجديدة نفسها أمام تركة مثقلة بالملفات الحارقة والمتراكمة : علاقات متوترة مع السلطة الحاكمة ماضية في محاصرة المنظمة النقابية وعازمة على تهميشها وإحالتها تدريجيا على الموت السريري ومفاوضات اجتماعية مجمدة في ظل أوضاع اجتماعية محتقنة ومشحونة نتيجة معدلات بطالة بلغت أرقاما قياسية وتدهور غير مسبوق للقدرة الشرائية والتهاب جنوني للأسعار واتساع رقعة الفقر والبؤس من جهة وعجز مالي خانق لم يحسمه المؤتمر وهياكل منهكة من جراء الصراعات الداخلية الحادة وتعطل التسيير القيادي والاقتتال على المواقع وثقة قاعدية مهتزة بالقيادات وتراجع كبير للنضالات القطاعية يقابله شعور باليأس واستبطان للخوف من جراء توسع دائرة إرهاب المحاكمات العشوائية الجائرة وخوف متنامي على مستقبل بلاد تسير بخطى حثيثة نحو هاوية لا قرار لها.

لذلك كان طبيعيا أن تنكبّ القيادة النقابية المنتخبة على البدء بترتيب البيت الداخلي عبر سلسلة اجتماعات الأقسام التسييرية للمنظمة والمجاميع المهنية وصولا إلى الهيئة الإدارية الوطنية في محاولة لإعادة الحد الأدنى من الانسجام والوحدة القيادية وضخ بعض الجرعات الديمقراطية في شرايين المنظمة (العودة للفصل 10 للقانون الأساسي القاضي بالتداول على المسؤوليات القيادية وحصر عهدة مكاتب الاتحادات الجهوية والجامعات في دورتين، مراجعة التمثيل النسبي في المؤتمرات الوطنية والتعهد بفصل الإدارة والمالية عن المكتب التنفيذي الوطني وإجراء المصالحة النقابية الوطنية الخ…). غير أن هذه المحاولات للمعالجة التنظيمية السريعة على أهميتها لا يمكن أن تُخفي عمق الأزمة المستشرية في جينات المنظمة، وهي أزمة منظمة وطنية ضاربة في التاريخ وفي الوجدان الجمعي لكل التونسيين لكنها فقدت كثيرا من موقعها الريادي الاجتماعي والديمقراطي. بعبارة أخرى هي أزمة علاقة بين المنظمة النقابية ومحيطها السياسي والاجتماعي وفي نفس الوقت أزمة ثقة بين القيادة وقواعدها التي أنهكها التدمير الممنهج الداخلي والخارجي على حد السواء. وهي إذ تحيي مع شغيلة العالم هذا العيد العالمي للعمال وتستحضر أمجاد الطبقة العاملة العالمية وإنجازاتها ومكاسبها، تنظر بعين الريبة والتوجس لمستقبلها المحفوف بالمخاطر ساعية رغم ذلك إلى استنهاض صفوفها والاستعداد للمواجهات القادمة كلفها ذلك ما كلفها من تضحيات.

في مسؤولية السلطة الاستبدادية

إن الأرقام وحدها تفضح الخطاب الرسمي أكثر من أي تحليل، ذلك أن معدل التضخم في تونس يُخفي واقعًا شديد القساوة: تضخم المواد الغذائية، الذي يمسّ مباشرة الفئات الشعبية، تجاوز في عدة أشهر 11% و12%. أما أسعار اللحوم والخضر والزيوت والحبوب فقد واصلت ارتفاعها بنسب مضاعفة، في حين لا تتجاوز الزيادات المرتقبة في الأجور— في أفضل الحالات — 5% في الوظيفة العمومية، وأقل من ذلك في القطاع الخاص وبالتالي فالفجوة واضحة: الأجر الحقيقي يتآكل سنويًا وفق نسبة تضخم رسمية لا تقل سنويا عن 6 % وهي في الواقع أرفع من ذلك بكثير.

النتيجة ليست مجرد “صعوبات ظرفية”، بل عملية نهب منظّمة للقيمة المنتَجة من طرف العمال. إذ عندما ترتفع الأسعار بوتيرة عالية تفوق الأجور، فإن الفارق يتحول إلى تحويل مباشر للثروة من العمل إلى رأس المال. وتؤكد المعطيات الاجتماعية أن نسبة الفقر في تونس تُقدّر اليوم حسب الأرقام الرسمية بما يفوق 16.6% (24.8 % في الوسط الريفي)، مع توسّع دائرة الهشاشة لتشمل قرابة ثلث السكان، بينما تتآكل الطبقة الوسطىبشكل متسارع. نحن إذن لا نعيش أزمة عابرة، بل إعادة تشكيل طبقي عنيف تُدفع كلفته من عرق الأجراء.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تواصلت سياسات تقليص الدعم ورفع أسعار المواد الأساسية بشكل حاد، تحت ضغط الدائنين الدوليين. هكذا تُدفع الفئات الشعبية ثمن التوازنات المالية: مرة عبر الأسعار، ومرة ثانية عبر الضرائب غير المباشرة، ومرة ثالثة عبر تدهور الخدمات العمومية. إنها دائرة مغلقة من الإفقار الممنهج.

إن السلطة الشعبوية التي سيجت المجتمع وقضت على الفضاءات الوسيطة ودجنت الإعلام والقضاء وزجت بعشرات المعارضين في السجون وأعادت هندسة المشهد العام على قاعدة الحكم الفردي المطلق وسعرت الحرب الاجتماعية والسياسية على الجميع تتحمل بالتالي المسؤولية الرئيسية في ما آلت إليه الأوضاع السياسية والنقابية منها بالخصوص. إذ أن رفضها المتعنت للتفاوض الاجتماعي يسعى إلى القضاء على دور المنظمات المدنية وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل، وتحويلها إلى فاعل اجتماعي منزوع التأثير والفاعلية.

بهذا المعنى، يصبح غلق باب المفاوضات حول الأجور، ورفض الاستجابة لمطالب تحسين القدرة الشرائية، جزءا من سياسة أوسع تهدف إلى إعادة ضبط موازين القوى لصالح الطبقات السائدة على حساب الطبقة الشغيلة: أي تحميل كلفة الأزمة للعمال والأجراء، مقابل حماية مصالح رأس المال المحلي المرتبط بالدوائر الاستعمارية.

هل استبداد السلطة يعفي البيروقراطية من المسؤولية؟

لكن تحميل السلطة كامل المسؤولية لا يجب أن يحجب عنّا الدور الذي لعبته القيادة البيروقراطية النقابية السابقة في الوصول إلى هذا المأزق. فسنوات بل عقود من التسيير المركزي المشط، وتغليب منطق التوازنات الداخلية على حساب الكفاحية والنضالية، والانخراط في مساومات التسخين والتبريدالسياسية أضعفت باستمرار استقلالية القرار النقابي، وهي كلها عوامل ساهمت في تآكل الثقة بين القواعد والقيادة النقابية. لقد تحولت المنظمة من إطار كان يراد له أن يكون منحازا لمصالح منخرطيه ومناضلا وقادرا على التعبئة في المواجهات مع أرباب العمل والسلطات الحاكمة إلى جهاز بيروقراطي يشتغل بمنطق المحافظة على المواقع أكثر من الاشتباك الفعلي مع قضايا الشغالين. كما أن سوء إدارة الملف المالي، والاعتماد على آليات تقليدية في الاستخلاص مثل الخصم الآلي دون تطوير بدائل ناجعة، جعل المنظمة هشة أمام أي تغيير تفرضه السلطة في هذا المجال. وعندما تم إلغاء الخصم الآلي، انكشفت هذه الهشاشة بسرعة، ووجد الاتحاد نفسه أمام تحدي إعادة بناء قاعدة انخراطاته بشكل طوعي ومباشر، وهو ما يتطلب عملا تنظيميا وتواصليا عميقا لم يكن جاهزا له بما يكفي.

الرهانات والاستحقاقات القادمة

وبناء على ما سبق تجد القيادة النقابية الجديدة اليوم وعموم النقابيين أنفسهم إزاء رهان مزدوج، على المستوى الداخلي إعادة بناء الداخل النقابي على أسس ديمقراطية شفافة إذ لا يكفي تنشيط الهياكل التسييرية وعقد الاجتماعات الدورية للأطر وإصدار البيانات، بل المطلوب هو إرساء قطيعة فعلية مع ممارسات البيروقراطية السابقة، عبر توسيع مشاركة القواعد في صنع القرار، وضمان شفافية مالية حقيقية بفصل الإدارة والمالية عن المكتب التنفيذي، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل كل الهياكل. إن استعادة ثقة القواعد لن تتم بالشعارات، بل بإثبات ملموس أن المنظمة أصبحت تعبر فعلا عن مصالحهم، وتدافع عنها بجدية واستقلالية. وهذا يمر بالضرورة عبر إعادة الاعتبار للعمل النقابي الميداني، داخل المؤسسات والقطاعات، بدل الاكتفاء بالمستوى المركزي للقاءات الأطر والندوات النقابية الفوقية.

أما على المستوى الخارجي، فإن التحدي الأكبر يكمن في فرض العودة إلى طاولة التفاوض الاجتماعي، رغم رفض السلطة الديكتاتورية واستعادة الدور الخارجي كفاعل وطني واجتماعي لا يمكن تجاوزه. وهذا يقتضي بناء ميزان قوى جديد، لا يعتمد فقط على الخطاب، بل على القدرة التعبوية الجماهيرية. فالسلطة، بطبيعتها، لا تتنازل إلا تحت الضغط، وهذا الضغط لا يمكن أن يكون فعالا دون تعبئة واسعة ومنظمة للطبقة العاملة، والانخراط الفعلي النشيط في بناء تحالفات مع بقية مكونات المجتمع المدني المتضررة من نفس السياسات الشعبوية المدمرة. في هذا الإطار، يمكن للاتحاد أن يستعيد جزءا من دوره التاريخي كقوة اقتراح وضغط في آن واحد. إن المطروح على القيادة الجديدة هو تقديم بدائل اقتصادية واجتماعية منحازة بوضوح للفئات الشعبية تربط بين المسألة الاجتماعية والمسألة الديمقراطية باعتبارهما وجهين لنفس الصراع.

غير أن هذا المسار لن يكون سهلا أو مرتجلا أو خاضعا لتقلبات الأمزجة القيادية. فالأزمة التي يعيشها الاتحاد اليوم لا يمكن تجاوزها بسهولة وبقرارات ظرفية خصوصا وأن السياق السياسي العام لا يزال في حاجة إلى مزيد التشبيك الديمقراطي وتوحيد القوى التقدمية الرافضة للانقلاب. ومع ذلك، يبقى الأمل قائما في أن تتمكن القيادة الجديدة من تحويل هذه الأزمة إلى لحظة إعادة تأسيس، تستعيد فيها المنظمة روحها الكفاحية ودورها التاريخي. إن نجاحها في ذلك لن يكون انتصارا نقابيا فحسب، بل سيكون أيضا مكسبا ديمقراطيا ووطنيا لكل التونسيين الذين يحتاجون إلى توازنات اجتماعية وسياسية أكثر عدلا.

خاتمة

إن الأول من ماي في تونس اليوم ليس مناسبة احتفالية، بل لحظة تقييم ومراجعة حاسمة في صراع مفتوح. السلطة اختارت أن تحمّل العمال كلفة الأزمة، والبيروقراطية السابقة كشفت حدودها. يبقى الرهان على ما إذا كانت القيادة الجديدة ستنحاز فعليًا إلى خط ديمقراطي مستقل ونضالي، أم ستعيد إنتاج نفس السياسات بشكل جديد.

وهل ستنجح في تحويل هذا الغضب الاجتماعي المتراكم إلى قوة منظمة وتتمكن من إعادة بناء ميزان قوى يفرض على السلطة فتح باب التفاوض؟ أم سنشهد دورة جديدة من الإحباط، تُعمّق أزمة الثقة وتُضعف أكثر فأكثر موقع الشغّالين؟

إن الخروج من هذا المأزق لا يكون بالترقيع، بل بالقطع مع الشعبوية التي تُخدّر الجماهير، ومع البيروقراطية التي تُفرغ النضال من محتواه. البديل إذن واضح في خطوطه الكبرى: عمل نقابي مكافح، متجذر في القواعد، يُراكم القوة عبر النضال، ويتمسك بثلاثية لا تقبل المساومة: الاستقلالية، الديمقراطية، والنضالية.

في زمن تتصاعد وتستعر فيه كلفة العيش وتُقمع فيه أصوات العمال، لا يكفي أن تكون النقابة موجودة… بل يجب أن تكون في موقع المواجهة. إن العيد العالمي للعمال ليس ذكرى فقط، بل موعد متجدد مع الصراع. ومن لا يختار موقعه فيه، يُفرض عليه. إنها معركة مفتوحة، عنوانها الحقيقي: من يملك القرار في هذا البلد؟ ومن يحدد وجهته الاقتصادية والاجتماعية؟ وفي قلب هذه المعركة، تقف الطبقة العاملة، بين خيارين لا ثالث لهما: إما استعادة زمام المبادرة، أو القبول بمزيد من التهميش.

والتاريخ، كما علّمنا، لا يرحم المترددين. ./.

إلى الأعلى
×