الرئيسية / صوت الوطن / الشعبوية تحيي أطماع التفويت في الشركة التونسية للشحن والترصيف (STAM)
الشعبوية تحيي أطماع التفويت في الشركة التونسية للشحن والترصيف (STAM)

الشعبوية تحيي أطماع التفويت في الشركة التونسية للشحن والترصيف (STAM)

بقلم : هيثم المحجوبي

غصت قاعة فرحات حشاد بدار الاتحاد العام التونسي للشغل يوم 8 ماي 2026 الفارط بعاملات وعمال الرّصيف بميناء رادس الذين لبّوا نداء قسم الدواوين والمنشآت العمومية بالاتحاد ونقابتهم الخصوصية للاجتماع ودراسة آخر تطورات الأوضاع بالميناء، تاريخ يعيد إلى الأذهان ذكرى رحيل محمد علي الحامي في 10 ماي 1928 وتأسيس جامعة عموم العملة التونسيين في خضم الملحمة النضالية التي خاضها عمال الرصيف بتونس وخاصة بنزرت صائفة 1924. وجاء هذا الاجتماع كردّة فعل أوّلية من العمّال ونقابتهم على إصدار ما بات يُعرف ضمن طلب العروض 2026/C3 بـالميناء الصناعي، الذي تقبلوه كإعلان حرب ضدهم وضد الشركة التونسية للشحن والترصيف، حرب انطلقت شراراتها الأولى منذ أن أحال قيس سعيد مبادرته التشريعية الأخيرة الخاصة بلزمات الطاقة والشركة التونسية للكهرباء والغاز في ظل غلق باب التفاوض وتواصل الهجمة على الاتحاد والطبقة العاملة.

المشكل من وراء طلب العروض 2026/C3

تتمحور الأزمة الحالية إذن حول طلب عروض أطلقه ديوان البحرية التجارية والموانئ لإسناد لزمة استغلال الفضاء المحاذي للرصيف الصناعي. موضوع قد يبدو للوهلة الأولى إجراءا عاديا يدخل في إطار تنظيم السّير العادي لنشاط الميناء الذي ينطبق على الشركة التونسية للشحن والترصيف مثلها مثل غيرها، ولكن الشيطان يكمن في التفاصيل“. فبالرجوع إلى بعض ما ورد في إعلان طلب العروض نجد مثلا انه قد فتح لـكل شخص معنوي أو في إطار مجمع شركاتوهو تفصيل يقدمه البعض في سياق إنقاذ الاقتصاد الوطنيوألا سبيل للإنقاذ حسب رأيهم إلا عبر فتح باب المنافسة وغلق قوس الخطوط الحمراءوأن موانئ عالمية مثل ميناء روتردام وميناء مرسيليا وميناء دبي أثمرت فيها المنافسة بين الشركات تحسين جودة الخدمات وتسريع حركة البضائع في حين أن ميناء رادس أصبح يمثل أحد أبرز نقاط التعطيل بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية، سواء للمصدرين أو الموردين، بسبب طول آجال معالجة البضائع وضعف نجاعة الخدمات، وهو ما ينعكس سلبا على تنافسية تونس وجاذبيتها للاستثمار(1) وفي الجهة المقابلة يرى منتسبو المرفق العمومي بالميناء ونقابتهم الخصوصية أن الشركة التونسية للشحن والترصيف قد استثمرت من رأسمالها البشري والمالي الكثير وراكمت من التجربة الكثير وأنها هي من حافظت على نشاط رصيف السوائب الصلبة في أحلك الفترات التي مر بها الميناء خاصة بعد أشغال تهيئته بين سنوات 2019-2025 وأنها من تكبد خسائر مالية ضخمة نتيجة ذلك (20 مليون دينار) وأنها رصدت مبالغ هامة (40 مليون دينار) لتأمين انطلاقة جيدة لنشاطها بعد التهيئة وأن السياسات الرسمية قد أنهكتها بما في ذلك عبر فائض انتدابات زاد في إثقال أعبائها وَحَدّ من قدرتها التنافسية رغم أن قوانين البلاد ومنها الأمر عدد 1039 لسنة 2014 المتعلق بتنظيم الصفقات العمومية، لا يكرّس فقط مبدأ المنافسة، بل يقرّ أيضًا باستثناءات تُتِيح اعتماد آليات بديلة، من بينها التفاوض المباشر، خاصة عند توفر مصلحة عامة واضحة ووجود مؤسسة عمومية مختصة وقادرة على ضمان استمرارية المرفق.

الصّمت الذي يسبق العاصفة

إذا كانت سلطات الاستعمار المباشر قد فتحت مفاوضات مع عمال الرصيف التونسيين لمدة شهر كامل قبل أن تؤول المفاوضات للفشل وشروع عمال الرصيف في تنفيذ إضرابهم بداية من يوم 13 أوت 2024 فإن سلطات 25 جويلية اختارت الصمت على مراسلات الهياكل النقابية ورفضت بالتالي التفاعل معها إلى حدّ الآن بما يؤشر على اتخاذها خيار المواجهة، خيار يتماشى مع توجهها العام في علاقة بالتفاوض مع الطرف الاجتماعي وهو غلق باب الحوار. فلا وزارة النقل ولا الهيئة العامة للشراكة بين القطاعين العام والخاص ولا ديوان البحرية التجارية والموانئ قد أجابوا على المراسلات الموجهة لهم من أجل عقد جلسة عمل مع الهياكل النقابية للتباحث في ملف ميناء السوائب الصلبة. ولم يبق أمام الهياكل النقابية غير التصرّف بما يمليه عليها الوضع فنظّمت تجمّعها العمالي يوم 8 ماي الفارط كما سبق وأشرنا وأصدرت بيانات في الغرض. وقد وضع التجمع العمالي في جدول أعمال الهياكل النقابية عقد ندوة صحفية حول واقع الموانئ بتونس ولم يستبعد خوض تحركات نضالية بما في ذلك الإضراب.

سعيد الوطني والسلطة اللاوطنية

يتردد بين الحين والآخر لدى هذا وذاك من الفرقاء حول أزمة STAM فكرة توجيه نداء لرئيس الجمهورية لإنفاذ خياره الوطنيداخل الخريطة المينائية التونسية. ويدافع المتحمسون لهذه الفكرة بالتقائهم المبدئي مع الخيار الوطني لسيادتهويشنون حملاتهم على كل من اختلف معهم في ذلك موجهين له تهمة العمالة واللاوطنية. لقد أصبحت هذه الفكرة بمثابة التعويذة التي يحمي بها الجميع أنفسهم من تهمة الاختلاف مع خيارات سيادته. لكن كل مهتم بالشأن العام يدرك دون صعوبة أن خيار قيس سعيد ومنظومته تجاه المؤسسات العمومية إذا ما استبعدنا المستوى الخطابي هو مواصلة لما شرع فيه سابقوه في رهن البلاد وبيعها قبل الثورة وبعدها. بل يمكن اعتباره أنجب النجباء في تنفيذ أجندات الخارج على حساب المصالح الوطنية وفي السعي إلى القضاء على كل نفس وطني معارض لهذا التوجه علاوة على محاولة تصفية كل تنظيم مستقل سياسي أو نقابي أو حقوقي أو أهلي خارج تصور الشعب يريد“. لقد نجحفيما فشلت النهضة وغيرها في غلق باب الثورة وعودة تحكم أقليات مافيوزية نافذة في مصائر شعب بأكمله. ولعل الاتفاقات الخارجية مع إيطاليا حول ملف ترحيل المهاجرين ومشروع قانونه حول لزمات الطاقة في علاقة بالشركة التونسية للكهرباء والغاز أمثلة بارزة عن حقيقة مشروعه الذي تمثل فيه الحكومة والبرلمان مجرد أدوات عليهم السمع والطاعة ولا شيء غير ذلك ولا يمثل الاتحاد العام التونسي للشغل في نظره سوى جهاز مريض ومترهل سيتكفل الزمن بأمره ولن يصعب إخضاعه إذا ما رام الوقوف أمام خيارات الشعبوية.

بين العم سام وميلوني

أعادت أزمة رصيف السوائب الصلبة إلى أذهان عمال الرصيف اتفاقية هبة مقدمة من طرف مؤسسة تحدي الألفية الأمريكيالتي تبلغ 500 مليون دولار والمخصصة لفائدة تطوير المنظومة اللوجستية للنقل البحري في ميناء رادس ومزيد تعصير آليات التحكم في الموارد المائية وتحسين التصرف فيها حسب مخرجات لقاء انعقد على هامش اجتماعات الربيع سنة 2022 جمع سمير سعيد وزير الاقتصاد الأسبق بالمديرة العامة لمؤسسة أليس أولبرايت. وكان رئيس الحكومة الأسبق هشام المشيشي ورئيس الدولة قد رحبا كل من جهته بهذه الهبة التي تأتي ضمن برنامج مندمج تونس“Compact Tunisia الذي تنفذه مؤسسة تحدي الألفيةببلادنا. كما أعادت إلى الأذهان مطامح الجارة ميلوني لتعزيز مصالح بلادها بالموانئ التونسية وقيامها بإحياء ميناء جرجيس (2) حيث رست بتاريخ 26 أفريل 2026 أول سفينة حاويات في إطار خط بحري منتظم لنقل البضائع يربط بين مينائي جرجيس وتونس وميناء Gioia Tauro بإيطاليا. وكان سامي الجلولي، المستشار المقيم بسويسرا، قد نشر بتاريخ 20 أفريل 2026 على حسابه الشخصي فايسبوك أن الإيطاليين يرون في ميناء جرجيس جسرا بحريا Hub يدمج بين المزايا الجمركية للمناطق الحرة، السرعة اللوجستية بسبب القرب الجغرافي والأمان التجاري للوصول إلى السوق الليبية الواعدة.”

هذا قليل من كثير بخصوص تنافس القوى الاستعمارية الظاهر والخفي على بلادنا. ويجري الحديث عن ارتباطات محتملة لبعض الشركات بالكيان الصهيوني، للتمركز صلب الخارطة المينائية بالبلاد مما عمّق مخاوف عمّال الرّصيف بخصوص مستقبل الشركة التونسية للشحن والترصيف ورسّخ لديهم القناعة بأن ما يحصل من إجراءات وقرارات هو في الحقيقة مؤشر عن ترتيبات جارية على أرض الواقع في هذا الاتجاه. فما يتم إمضاؤه من اتفاقات وما يتم إصداره من طلبات عروض وما يتم الترويج له عبر خبراء مزعومين ما هو إلا الخطوات الأخيرة في طريق القضاء على المؤسسات العمومية بالبلاد. وإذا كان جيل أوت 1924 من النقابيين قد واجه مستعمرا مكشوف الوجه وكان لهم شرف زرع بذرة العمل النقابي بتونس عبر جامعة عموم العملة التونسيين فإن جيل اليوم من النقابيين ولئن كان يواجه فصيلة أخرى من أعداء العمال والحركة النقابية فإن المعركة ظلت وستظل نفسها برهاناتها وتحدياتها. لذلك هو مطالب بخوض معركة استعادة الحق النقابي والحفاظ على استقلالية القرار النقابي ومواجهة شيطنة إعلان الخطوط الحمراء بمزيد التمسك بالخطوط الحمراء وتحويل معركة الميناء إلى معركة المنظمة الشغيلة بل معركة الشعب التونسي ككل ضد شعبوية لم تجلب معها سوى القمع والفقر ورهن البلاد للخارج.

هوامش :

1تصريح لمعز الجودي على أمواج إذاعة express fm بتاريخ 11 ماي 2026.

2مقال صادر بموقع kapitalis بتاريخ 26 أفريل 2026.

إلى الأعلى
×