الرئيسية / صوت الوطن / وداعا جمال مسلم وداعا المناضل الاستثنائي
وداعا جمال مسلم  وداعا المناضل الاستثنائي

وداعا جمال مسلم وداعا المناضل الاستثنائي

بقلم : علي الجلولي

في موكب مهيب حضره المئات من المواطنين والنشطاء من مختلف التيارات الفكرية والسياسية ودّعت مدينة حمام سوسة ابنها البار المناضل الكبير جمال مسلم الذي قضى بعد صراع مضن مع الإنهاك البدني الذي طال جسده ووصل قلبه الذي توقف عن الخفقان يوم الثلاثاء 26 ماي. ودّعت مدينة حمام سوسة بكل حزن ولوعة جمال الذي كان أطيب الرجال وأروع الناس، جمال المناضل السياسي والنقابي والحقوقي والثقافي. جمال الذي التحق مبكرا بالنضال وانخرط في المواقع الأمامية لكل الواجهات التي صادفته في حياته التي لم يدخر فيها لحظة ولا حبّة عرق لغير النضال ولغير العمل للمصلحة العامة.

لقد انخرط جمال منذ شبابه الأول بالكشافة وتدرج في كامل سلم مسؤولياتها، ومنها تعمقت لديه مبادئ التطوع ونكران الذات والتضحية التي ظلت قيما مميزة لشخصية جمال حتى آخر رمق. وكان جمال من مؤسسي فرع الهلال الأحمر بمدينته لذلك ظل يُكنّى لدى منتسبي الهلال بكونه الأب الروحي لفرع حمام سوسة. ولم يتوقف انخراطه على الواجهة الجمعوية والمدنية، بل كانت له منذ المرحلة الثانوية قناعات فكرية اشتراكية تعمقت في الجامعة بانتسابه لمنظمة العامل التونسي ولتيار النقابيين الثوريين، ثم التحاقه بحزب العمال منذ تأسيسه. وحال تخرجّه والتحاقه بالعمل في القطاع الصحي التحق بالنضال النقابي وتحمل مسؤولية عضوية النقابة الأساسية والجهوية للصحة، وكان من قادة نضالات القطاع والحركة النقابية بالجهة. كما انخرط بالرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وحاز عضوية فرع سوسة ثم رئاسته ثم رئاسة الرابطة للمدة النيابية الفارطة (2016/2022).

وقد تمكن جمال من الصعود الى المجلس البلدي بحمام سوسة سنة 1990 بعد ترؤس القائمة المستقلة وذلك رغم التدليس والتخويف الذي مارسته سلطة بن علي الدكتاتورية لفرض سيطرتها الكاملة على المجتمع.

في كل هذه المواقع كان فقيدنا ثابتا مبدئيا يفرض الاحترام على خصومه قبل أصدقائه. كانت طاقته العملية وروحه الوحدوية وشجاعته في مواجهة الظلم خصالا رافقته طوال حياته.

كان جمال الحاضر دائما في التحركات والنضالات، وكان جاهزا دون تردد لتقديم الخدمة لمن يطلبها. كان الى جانب الطلبة حين تعرضوا عديد المرات الى القمع وكان لا يتردد في الالتحاق بالكليات والمبيتات الجامعية ليفك الحصار وليقدم المساعدة الطبية، وكان الى جانب العمال المعتصمين في مقر الاتحاد أو في مواقع العمل (مندوبية السياحة، المصانع والمعامل…)، ومع المعطلين وأصحاب الرأي، وكانت سيارته الحمراء القديمة بدورها علامة ورمزا لقدوم التضامن والمساندة.

كان جمال حاملا بين أضلعه كل القضايا العادلة لذلك لم يتردد سنة 1982 في الالتحاق ببيروت ضمن فيالق الدعم الطبي، وكذلك إبان الحرب الاطلسية على العراق. كما كان في مخيم الشوشة سنوات 2011/2013 لشد أزر اللاجئين على خلفية الأوضاع في الشقيقة ليبيا. كما كان في كل حملات التضامن التي نظمها المجتمع المدني بمناسبة الكوارث الطبيعية في عين دراهم والقصرين وغيرها من جهات البلاد

وكان المرفق الصحي العمومي أحد أهم هواجسه فساهم في تأسيس عديد الأطر والمبادرات للدفاع عنه وعن حق الشعب في الصحة والحياة.

إن ما ذكرناه ليس سوى نزرا من حياة نضالية ثرية. لذلك حظي رفيقنا الراحل بمحبة وتقدير الجميع. لقد كانت لديه طاقة غير محدودة لتقديم العون لكل من يطلب.

ورغم الانعكاسات السيئة لوتيرة حياته على صحته، إلا أن التفاؤل وحب الناس وخاصة بسمته العفوية التي لم تفارق محياه كلها صنعت هويته المميزة.

لقد فقدنا برحيل جمال، الرئيس كما كنا نناديه، رفيقا عزيزا ورجلا شهما ومخلصا. عزاؤنا هو الاحترام اللامحدود الذي حظي به حيا وميتا. لقد ترك لأسرته الصغيرة والكبيرة الأثر الطيب والسمعة الرائعة وهي معين لن ينضب وسيخفف حتما من لوعة الفراق. لقد كتبت ابنته وفاء مباشرة بعد دفنه: ” لم أوار أبي الثرى.. بل غرست وردة لتفوح منها الطيبة والسلام، ويبقى عطرك يا أبي خالدا في الذاكرة والروح

فعلا فإن أمثال جمال مسلم لا يموتون، بل يخلدون بما تركوه من أثر. لقد كان فقيدنا رائعا واستثنائيا ومن معدن إنساني وأخلاقي قل نظيره.

رحماك أيها العزيز

إلى الأعلى
×