بقلم نعيمة الرياحي *
لقد حظيت بشرف أن أكون زميلة وصديقة ورفيقة الشهيد نبيل البركاتي، الذي سيظلّ اسمه علامة وضّاءة في تاريخنا النضالي، لقد كنا من بين أولئك اللذين وضعوا تلك الحلقات النضالية الأولى والأساسية التي لا بدّ منها لنعيش اليوم حدث الثورة.
سأحاول ضمن هذا النص استحضار ذاكرة لا يمكن للزمن أن يأتي عليها، رغم أن المسافة الزمنية قد طال عهدها فقد فاتت الربع قرن، ولكن الذكرى ما زالت راسخة ولن تمّحي.
سأحاول أن أكتب عن الشهيد، كإنسان وكمناضل. جمعنا المكان وهو المعهد الثانوي بتبرسق ولكن ليس المكان فقط بل جمعنا الزمان أيضا بداية الثمانينات وهو ليس زمانا رياضيا بقدر ما هو زمان النضال، من أجل استرجاع حقوق العمال الكادحين. جمعتنا أفكار ومبادئ تقدمية لا تزال إلى اليوم تحتفظ بأصالتها وبجدارتها كبديل عن سياسة الخضوع والقبول بالأمر الواقع واستنزاف مقدّرات الشعب. كنا ولا نزال أوفياء لمبادئنا ونعتقد بأنّ العبودية والضعف هي من جنس الأخلاق الاجتماعية التي تفرضها بعض الطبقات المهيمنة على الطبقات المهيمن عليها وتجعلها تؤمن بها كما لو أنّها أشياء طبيعية لا يمكن أن تتحرّر منها. وكنا نعتقد ولا نزال نعتقد إلى الآن أنّه – على عكس ما تروّجه الطبقات المهيمنة من آراء تأخذ مظهر الحقائق- بأن ما هو إنساني هو الممكن دوما ولا وجود لضعيف وقوي أو فقير أو غني طبيعيّا، بل القوي يمكن أن يتحول إلى ضعيف وكذلك الشأن أيضا بالنسبة للفقير والغني والعكس بالعكس. فلا وجود لماهية إنسانية ثابتة أو طبيعة محددة ما قبليا. التاريخ هو الذي يسبق كلّ المحددات. ولذلك ناضلنا لأجل فرض فضائل إنسانية سليمة وكونية تتجاوز كل تفاوت طبقي أو سياسي أو انثروبولوجي. ناضلنا لنصوّب بعض من حلقات التاريخ الذي وجّه في اتجاه غير سليم لا يحترم إنسانية الإنسان على أن تواصل الأجيال اللاحقة نفس المهمّة. تلك هي أهم الأفكار التي استشهد من أجلها نبيل بركاتي، فاتحا أمام كل القوى التقدمية نهجا نضاليا جديدا لا يبالي بالحياة من أجل المبادئ والقيم النبيلة. أو هو لا يرى تحديدا آخر للحياة غير التحديد العادل الذي يرمي إلى إقامة إنسانية الإنسان.
لقد كان نبيل زميلا وصديقا ورفيقا. كان اسمه يحمل جسمه وروحه الزكية النبيلة. تسعة كنا جمعتنا مبادئ ثورية ضد القهر والظلم والفقر وكل أشكال الاستعباد. بدأنا نضالنا يدا واحدة. كنا نجتمع أثناء أوقات فراغنا في إحدى قاعات الدرس الشاغرة لنتدارس بعض من كتاب مبادئ الفلسفة لبوليتزار أو بعض شذرات البيان الشيوعي لماركس. كنّا نخشى أن نمسك متلبّسين ولكن جرأتنا وقناعتنا كانت أقوى من خشيتنا وكان مطلبنا الأساسي هو كيف نكوّن نخبة مثقّفة واعية بمشاكل بلدنا وعصرنا في بداية الثمانينات. وكان هنالك أيضا نادي السينما حيث كنا نخرج من المعهد كلّ يوم جمعة لا لنؤدي طقوس الصلاة التقليدية بل لنصلّي بطريقة أخرى هي غير التي ألفها العامة. كنا نذهب إلى النادي فرحين مهتزين لمناقشة بعض الأفلام التي تعكس ما نفكر فيه فنتفاعل معها ونناقشها ونتصادم ونختلف لكننا في مسار واحد هو كيف نشكّل لدينا وعيا ثوريا حقيقيا بما يحدث في مجتمعنا وفي اقتصادنا وفي ثقافتنا وفي نمط وجودنا. لم تكن هنالك تقاليد ارتكاسية وحتى وان وجدت فنحن كنا نرفضها لانّ الحياة وإرادة الثورة كانت أقوى من كل شيء لدينا. لم يكن الهدف هو خوض صراع مزيف حول مسائل عقدية أو فكرية خالصة بل منذ ذلك الزمن كان الهدف واضحا: الصراع من أجل قلب السلطة لصالح المضطهدين والمستغلّين. لا أذكر أن نبيل كان يناقش مثلا حول مسألة لباس المرأة أو خروجها أو عملها أو ميراثها ولا أذكر نقاشا خضناه حول مسألة العبادات والبدع والحلال والحرام وغيرها من المسائل التي لا يمكن اعتبارها إلاّ أمرا شخصيا وليست محل نقاش عمومي. كنا نناقش مسائل عمومية تهم الجميع من حيث حياتهم ومعاشهم اليومي. لقد كانت الفترة حبلى بأفكار عظيمة تم فيما بعد إجهاضها أيّما إجهاض.
كان نبيل متحمّسا لتلك الحلقات وكان يحثنا دوما وبصورة مستمرة على العمل والحضور. تراه ثائرا أينما وجد في المطعم وفي قاعات الدرس وفي قاعات المراجعة، رافضا دوما لكلّ وضع استعبادي. كان يتنفس النضال والثورة حيثما تحرّك. قد درس العلوم واحتضنته كلية الهندسة بتونس. نجحنا في امتحان البكالوريا في بداية الثمانينات وبدأت تفرقنا الفضاءات الأكاديمية والسياسية. لم يتخلّ نبيل أبدا عن الروح الثورية التي انطلق بها في التعليم الثانوي يضمنا اللقاء عند كلّ مناسبة ثورية احتفالية.
لازلت أذكر تلك الصورة الحيّة لنبيل في ثورة الخبز سنة 1984. وكان يعي أنّ الثورة لا بدّ أن تستمرّ لأنّ التغيير لا يكون بالعواطف بل بالمبادئ وأنّ الفقر والظلم لا يزول بشراء الأشجان والأحاسيس بل لا بدّ أن يكون هنالك وعي ثوري بمعاني الاستغلال والنهب والسرقة. كنا قرأنا تلك المعاني في نصوص ماركس وأنجلز ولينين. رأس المال هو سرقة واستغلال جهد العامل هو هذه السرقة عينها. التحليل العلمي الاقتصادي هو الذي يدلنا على معنى الظلم والفقر والاستغلال وعلى أنّ فائض القيمة “الذي يذهب إلى خزانة البورجوازي هو استغلال. فلا بد أن يفهم كل الفقراء والعمال هذا الأمر ويتخلّوا عن الوعي الساذج البسيط الذي سرعان ما يقنعه الساسة من أمثال بورقيبة.
أذكر تلك الصورة لنبيل الرفيق والصديق عندما كان يقفز من فوق السيارات، في نهج المنجي سليم إلى أن وصل إلى باب بحر وهو ينادي ويحفز الناس إلى الثورة والعصيان وكأنّه يقول لهم: هذه فرصتكم أيّها العمّال، ألا هبّوا للمطالبة بحقوقكم بكل كرامة وشجاعة وبسالة.
منذ تلك الفترة كنّا على وعي بأنّ الصراع الحقيقي الذي يجب أن نخوضه هو صراع ضد القوى المهيمنة اقتصاديا والتي تحتل المناصب السياسية فتفرض هيمنتها قانونيا وحقوقيا ولم ننخرط أبدا في صراع مغلوط ومزيف حول مسائل اعتبرنا أن التاريخ قد حسم فيها وأتى عليها وولّت دون رجعة. لقد استشهد نبيل أثناء هذا الصراع وكان ضحية لصراع غير متكافئ بين المضطهد والجلاّد. ظلّ نبيل صامدا إلى حدّ الاستشهاد من أجل المبادئ. وهي خاصيات المتمرّد شأنه شأن كل من يؤمن بالحقيقة وشأن من يدرك معاني الالتزام. لكنّ الجلاد كان لا يزال يحمل معاني التعذيب قبل ولادة السجن. كان يعذّب الجسد لأنه خرق تعاليم الحاكم المقدسة ولا بدّ من جلده وقصم جسده. بالفعل هو قضى على جسد فردي ولكنّه لم يكن يدرك أنّه غير قادر على الفضاء على الجسد الجماعي / الإنساني الذي يقدم على الثورة والتضحية من أجل الدفاع عن الحق. كلنا يعرف من هو سقراط الذي أقدم على الموت مقابل الحقيقة.
لقد ترك لنا نبيل كما سقراط كما ابن رشد كما الحلاج وصايا ليس لنا أن نحيد عنها إلى الأبد بل إنّ الحياد عنها يعتبر خيانة. أن لا نسكت ما دمنا مقتنعين بأننا ندافع عن الإنسان وعن الحق. إن الضعف الوحيد هو أن لا نعرف كيف نتدبّر شأن دفاعنا عن المبادئ. فالانصياع إلى الحاكم الأقوى الآن لا يعني أبدا أننا أذكياء. بل الذكاء كل الذكاء أن نعرف كيف نقلب الظلم إلى عدل حتى في أشد لحظات الحكم بطشا وان نحفظ الكرامة حتى في أشدّ لحظات الفقر والحاجة.
ماي 2012
ملاحظة: نبيل بركاتي مناضل في حزب العمال الشيوعي التونسي استشهد تحت التعذيب في مركز الأمن بمدينة قعفور.
* د. مختصة في الفلسفة الحديثة والمعاصرة
صوت الشعب صوت الحقيقة
