بقلم عمر الهمّامي
في الوقت الذي تتصاعد فيه الشعارات الرسمية حول دفع التنمية المندمجة بالمناطق الريفية وصيانة البنية التحتية، تعيش منطقتا الجبّاس والواد الأحمر التابعتان لعمادة السلوقية من معتمدية تستور (ولاية باجة) عزلة تنموية خانقة.
إنها المظلمة التي حوّلت حياة مئات العائلات إلى رحلة مكابدة يومية من أجل الظفر بقطرة ماء صالح للشراب، أو عبور طريق محطم بات يشكل خطراً حقيقياً على مستعمليه.
منظومة مائية مهترئة وعطش مستمر
تعتبر أزمة التزود بالماء الصالح للشراب النقطة الأكثر سخونة ومصدر القلق الأساسي للأهالي في المنطقة. فرغم القرب الجغرافي للمنطقتين من حوض وادي مجردة الخصيب، يعتمد المتساكنون على منظومة “الجمعية المائية الجبّاس – الوادي الأحمر” التي تشهد تعطلاً متكرراً وخلافات تسييرية مزمنة أرهقت كاهل المواطن. ووفقاً للبيانات الميدانية، يعاني ما يزيد عن 250 عائلة من انقطاعات فجئية للمياه تجاوزت في فترات ذروتها حاجز 3 أشهر متتالية. لعل أبرزها الأزمة الحادة التي امتدت بين أواخر سنة 2024 ومطلع سنة 2025 بسبب تراكم الديون المستوجبة لفائدة الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG) والتي فاقت قيمتها 15 ألف دينار، ناهيك عن الربط العشوائي الذي أخل بالتوازن المالي للمجمع. إن الشبكة الحالية، التي يعود تاريخ إنشائها إلى ما يقارب عقدين من الزمن، أصبحت مهترئة بالكامل وتضخ مياهاً ملوثة بالصدأ بسبب تآكل القنوات وغياب الصيانة الدورية للخزانات، وهو ما بات يهدد الصحة العامة للمتساكنين وأطفالهم بشكل مباشر.
طريق معبّد.. ولكن محطّم وخارج الخدمة
أمّا على مستوى البنية التحتية، فإن المعاناة تأخذ شكلاً آخر من أشكال الإهمال؛ فالطريق الرئيسي الرابط بين منطقتي الجبّاس والواد الأحمر بالطريق الوطنية رقم 5 هو في الأصل طريق معبّد ومزفّت، ولكنه تعرض لتخريب وتآكل تام على طول قرابة 4.5 كيلومترات. لقد تحول هذا الشريان الحيوي إلى حفر عميقة ومطبات عشوائية حطمت السيارات والآليات الفلاحية. ومع كل موسم أمطار، تتحول تلك الحفر الكبيرة إلى مستنقعات مائية غامرة تعيق حركة السير تماماً، وتجعل العبور مجازفة غير مأمونة العواقب. هذه الوضعية الكارثية أدت، حسب شهادات الفلاحين بالمنطقة، إلى تكبد صغار مزارعي الزيتون خسائر نتيجة الارتفاع المشط في كلفة نقل المحاصيل، حيث ترفض شاحنات النقل المجازفة بالدخول عبر طريق محطم يهدد سلامة عرباتهم، دون نسيان المعاناة اليومية لعشرات التلاميذ الذين يتعثرون في هذه الحفر والمستنقعات للوصول إلى مقاعد الدراسة.
صرخة فزع ودعوة للتحرك
أمام تواصل هذا الثالوث المقيت: غياب الماء، الطريق المخرب، وانعدام فرص التشغيل البديلة، تسجل المنطقتان معدلات نزوح ريفي مرتفعة جداً، لاسيما في صفوف الشباب. وتفتقر المنطقة بالكامل لأبسط المرافق الاجتماعية من مستوصفات مجهزة أو فضاءات ترفيهية وشبابية قادرة على استيعاب طاقات أبناء الجهة. ورغم الوعود وجلسات العمل المتكررة بمقر معتمدية تستور وولاية باجة لجدولة ديون المجمع المائي وبحث إمكانية إلحاق المنطقتين مباشرة بشبكة الشركة الوطنية للاستغلال وتوزيع المياه (SONEDE)، لا يزال التفعيل بطيئاً على أرض الواقع. ومن موقعنا كناشطين سياسيين ومتابعين للشأن المحلي، نطلق هذه الصرخة نيابة عن أهالي الجبّاس والواد الأحمر، وندعو وزارة التجهيز والإسكان والسلطات الجهوية لإدراج هذا الطريق بصفة عاجلة ضمن برامج إعادة التهيئة والصيانة الشاملة، رداً للاعتبار لجهة لطالما عُرفت بإنتاجها الفلاحي السخي وتمسك أهاليها بأراضيهم.
صوت الشعب صوت الحقيقة
