الرئيسية / عربي / حركة التحرر الوطني الفلسطينية: من نكسة 67 إلى ملحمة طوفان الأقصى
حركة التحرر الوطني الفلسطينية: من نكسة 67 إلى ملحمة طوفان الأقصى

حركة التحرر الوطني الفلسطينية: من نكسة 67 إلى ملحمة طوفان الأقصى

بقلم منذر خلفاوي

تمثل ذكرى هزيمة الأنظمة العربية في الحرب التي قابلت بين الجيوش النظامية العربية وكيان الاحتلال سنة 1967 محطة هامة للشعوب العربية وقواها الثورية والتقدمية لاستخلاص الدروس ورسم أفق نضالي تحرري للقضية الفلسطينية، وهو ما تمّ استيعابه من طرف القوى والفصائل الفلسطينية المناضلة بعد مدة وجيزة من تلك الحرب لتحديد خيار الكفاح المسلح والتعويل على الذات بدل ترقب الدعم الخارجي.

بعد عدة عقود من الزمن، أكدت عملية طوفان الأقصى البطولية صحة الخط المقاوم بالرغم من الظروف الموضوعية الأخطر والأكثر تعقيدا من الستينات التي تميّزت، على خلاف اليوم، بوجود أنظمة قومية عربية ممانعة ومعادية للكيان الصهيوني (العراق، سوريا، مصر، لبنان… الخ.). تميزت ظروف ما قبل هجوم 8 أكتوبر سنة 2023 بهرولة أنظمة العمالة نحو التطبيع وتسارع الاتفاقات الإبراهيمية مع دولة الاحتلال الممعنة في التهجير والتقتيل والاستيطان والتنكيل بالأسرى… الخ.

أحداث حرب الستة أيام وأسباب الهزيمة العربية

استغلت حكومة الكيان الصهيوني قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر إغلاق مضيق “تيران” الرابط بين البحر الأحمر والمتوسط وسحبه قوات الأمم المتحدة من سيناء وتحشيد الجيش المصري وكذلك التوتر مع الأردن إثر مقتل جنود إسرائيليين، إلى جانب العمليات الفدائية السورية على المستعمرات لتشن هجوما مباغتا متعللة بالدفاع عن أمنها. وقد أدّت الضربة الاستباقية واستغلال عنصر المفاجأة صبيحة الخامس من جوان إلى تدمير سلاح الجو المصري الرابض في المطارات كما في عدة دول عربية بالقنابل الأمريكية الثقيلة (ذات الـ 180 رطلا) مما أدّى إلى تدمير 70 إلى 80 بالمائة من العتاد وخاصة الطائرات (204 طائرة مصرية) وما بين 15 إلى 25 ألف قتيل وتهجير ما يقارب الـ 300 ألف فلسطيني، إلى جانب احتلال الكيان الصهيوني كامل شبه جزيرة سيناء (التي تمثل 6 % من مساحة مصر) وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية ومرتفعات الجولان، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف مساحة إسرائيل. ويعتبر تغيير خريطة المنطقة مكسبا استراتيجيا للكيان على الصعيد الدفاعي. وكان التفوق العسكري الإسرائيلي واقعا مفروغا منه بفضل المساندة والدعم الأوروبي والأمريكي.

نتائج الهزيمة

انعكست الهزيمة على الشعوب العربية بالسلب فانهارت المعنويات وساد الإحباط وحصلت القناعة أن خيار الجيوش العربية النظامية في غير محله بالنظر لعدم قدرتها على تصنيع الأسلحة وخاصة عدم وجود قيادة موحدة وتكتيك موحد، وأنه من الضروري الانتقال إلى أشكال أخرى من الحرب الكلاسيكية كحرب الأنصار وحرب العصابات لاستنزاف قوة العدو العصابات المستنزفة للعدو والكفاح المسلح لتجاوز روح الانتظارية لدى الأنظمة العربية والتعويل على التسويات تحت رعاية القوى الامبريالية وخاصة الامبريالية الأمريكية.

انعقدت قمة الخرطوم مباشرة الحرب لتقرير كيفية التفاعل وخرجت باستخلاص وتقييم مفاده أن الهزيمة عسكرية وليست هزيمة مشروع، وأكدت القمة مواصلة حرب الاستنزاف من خلال شعار “لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض”. وبالفعل لم يتأخر رد الفعل، إذ شنت مصر وسوريا حرب أكتوبر سنة 1973 حققت خلالها انتصارا محدودا باسترجاع جزء من سيناء. كما حققت انتصارا سياسيا باستعمال سلاح النفط في 15 أكتوبر 1973 عندما فرضت الدول العربية المصدرة للنفط (عن طريق الأوبيك) حظراً على الولايات المتحدة والدول الغربية الداعمة لإسرائيل رداً على حرب أكتوبر. وقد أدّى الحظر، الذي استمر حتى مارس 1974، إلى تغييرات جذرية في الاقتصاد العالمي. ومع مجيء أنور السادات الذي وقّع معاهدة التطبيع مع الكيان الصهيوني توسّع النهج الاستسلامي ليشمل عديد الأنظمة العربية بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية التي أمضت اتفاق أوسلو والاعتراف بالدولة الصهيونية.

طوفان الأقصى يعزز الثقة بالقدرة على المقاومة

في سابقة تاريخية اخترقت المقاومة الفلسطينية يوم السابع من أكتوبر سنة 2023 الحواجز الأمنية والاستخباراتية وشنت هجوما مباغتا مثّل تحولا استراتيجيا ضدّ الاحتلال الذي لم تكفّ حكومته عن التبجح بتفوقها العسكري والنووي والاستخباراتي في الشرق الأوسط ومناعة القبة الحديدية، ليتبيّن للعالم وخاصة الشعب الفلسطيني وبقية الشعوب العربية أن الاحتلال ليس بقوة لا تهزم. وفي ردة فعل انتقامية من طرف الدول الإمبريالية والرجعيات العربية التي شنت جميعها بصفة مباشرة أو غير مباشرة حرب إبادة جماعية وتطهير عرقي ضد الأهالي الأبرياء في غزة ذات مساحة الـ 370 كلم2، فسقط عشرات آلاف الشهداء من أطفال ونساء وشيوخ ومئات آلاف الجرحى على مدى سنتين. لقد أسقطت المقاومة مشروع الشرق الأوسط الجديد الإمبريالي الأمريكي وأسقطت مشاريع التطبيع، كما ردّت الاعتبار في الساحة الدولية إلى عدالة قضية التحرر الفلسطينية التي كادت تدخل طي النسيان، كما فضحت طبيعة الكيان الصهيوني النازي وجرائمه وامتدّ التضامن مع الشعب الفلسطيني إلى لبنان واليمن والعراق تجسيدا لوحدة الساحات وشهدت أغلب مدن العالم الاحتجاجات والمظاهرات الداعمة لفلسطين والمطالبة بوقف الحرب والمنددة بالأنظمة الشريكة في الإبادة.

رغم حجم الخسائر في صفوف المقاومة واغتيال القيادات في مختلف محاور الاشتباك أو في صفوف الشعب فإن العدوّ وحلفاؤه لم يقدروا على نزع سلاح المقاومة وجرها إلى الاستسلام ورفع الراية البيضاء، لقد لقنت فصائل المقاومة دروسا في التضحية والتعويل على الذات وراكمت تجربة ثرية للأجيال القادمة.

الاستنتاج

ما أنجزته المقاومة المسلحة في رقعة جغرافية محدودة ولمدة سنتين من الحرب غير العادلة التي تقودها أقوى جيوش العالم والأساطيل البحرية للامبريالية الغربية لم تتمكن من تحقيقه جيوش عديد الدول العربية مجتمعة التي خسرت الحرب في أيام معدودة كما أنها حققت مكسبا لا يقدّر بثمن إذ أعادت قضية التحرر الوطني إلى صدارة جدول أعمال القوى الاشتراكية والثورية في العالم.

إلى الأعلى
×