بقلم وليد المرداسي
تواجه ليبيا اليوم معضلة السيادة المجزأة؛ ببلدٍ ذي رأسين وسلطتين، تتقاسم جغرافيّته الولاءات العائلية والقبلية، وتعبث بقراره قوى خارجية وجدت في تشققاته الداخلية ألف باب للتدخل. ورغم نجاح الضغوط الدولية مؤخراً في انتزاع اتفاق مالي لتقسيم عوائد النفط، فإن هذه الخطوة لا تأسس لصلح حقيقي، بل تظل “صفقة مصالح” مؤقتة صاغتها الرأسمالية النفطية لعزل الإرادة الشعبية الحقيقية. وفي ظل تعطيل صناديق الاقتراع وتأجيل الانتخابات، يترسخ استقرار هش يخفي وراءه مستقبلاً غامضاً تحركه أصابع أجنبية. ولم يقف مشهد الانقسام عند هذا الحد، بل اتخذ مؤخراً فصلاً جديداً بأدوات قديمة، تمثل في إحياء جدل اللامركزية عبر التأسيس الأخير لاتحادات البلديات الأمازيغية؛ فهل يشكل هذا الحراك البلدي خطوة نحو تفكيك المركزية الفوقية واسترداد الشعب الليبي لقراره الإداري والتنموي، أم أنه مجرد ارتداد جديد يخفي نوايا خبيثة لتعميق تمزيق وحدة الشعب الليبي؟
لا يمكن قراءة خطوة تأسيس “اتحاد البلديات الأمازيغية” في 20 جوان 2026 كحدث إداري فحسب، بل هي النتيجة الحتمية لتواصل انهيار شرعية الدولة المركزية وتواطؤ عاصمتيها، طرابلس وبنغازي. إن إعلان ست بلديات وازنة ممتدة من ثقل الساحل إلى عمق الجبل، وهي زوارة، كاباو، جادو، يفرن، القلعة، ووازن، نحو تنظيم نفسها أفقياً، هو في ظاهره يبدو للوهلة الأولى كأنه فعل احتجاجي ضد سلطة “الرأسين” الفوقية. فتلك النخبة الحاكمة التي حوّلت قانون الإدارة المحلية رقم 59 لسنة 2012 من أداة للتمكين إلى واجهة شكلية لاحتكار القرار، بينما تتقاسم عوائد النفط مع الكارتيلات العابرة للحدود. ويأتي هذا التكتل ليحاكي موضوعياً حراك “إقليم المنطقة الوسطى” بزعامة مصراتة، معلناً رغبة القواعد في استرداد قرارها التنموي والخدمي. ومع ذلك، يواجه هذا التنظم مأزقاً هيكليا ومجتمعيا في غاية من الخطورة ؛ فحصر المطالب السياسية والاقتصادية للشعب في قوالب هوياتية ضيقة، يفتح الثغرات أمام قوى الهيمنة الإمبريالية، والتي تجلت في الاتصالات السريعة للاتحاد في روما عقب التأسيس مباشرة، لتوظيف هذه الكيانات كـ”كانتونات جهوية” معزولة. وبذلك، تصبح اللامركزية مهددة بالتحول من أداة لترسيخ قطار وطني للتنمية المحلية، إلى فخ يكرس “تأبيد التشظي” وتفتيت وحدة الشعب الليبي أمام ناهبي ثرواته.
اللامركزية في فخ التوظيف الامبريالي
وفي هذا المشهد، لا يمكن عزل “الاتفاق المالي لتقسيم عوائد النفط” عن حراك البلديات الأمازيغية الناشئ، بل هما الركيزتان الجغرافية والمالية لنفس الإستراتيجية الدولية الرامية لتأبيد إدارة الأزمة الليبية. إن القوى الإمبريالية، التي فرضت هذا الاتفاق لانتزاع “استقرار تقني” يضمن تدفق الطاقة وتأمين صفقات الاستكشاف ومقاسمة الإنتاج الضخمة التي وُقّعت مؤخراً مع كارتيلات الطاقة الكبرى كشركتي “إيني” الإيطالية و”توتال” الفرنسية، تدرك بدقة الثقل الجيوسياسي لبلديات التحالف الست. فهذا الحزام الجغرافي يطوق شريان الطاقة الأوروبي المتمثل في مجمع “مليتة” الصناعي للنفط والغاز، ويحتضن المغذي الرئيس لجنوب القارة العجوز عبر أنبوب “جرين ستريم” (Greenstream)، بالتزامن مع إطلاق مشروعات الغاز الإستراتيجية بمنصة صبراتة وحقل البوري البحرية. ومن هذا المنطلق، تتكشف الخلفية الحقيقية لفتح روما قنوات اتصال عاجلة مع الاتحاد البلدي فور إعلانه؛ فالرأسمالية النفطية المعولمة لا تعنيها عدالة التنمية المحلية للشعب الليبي، بل تتحرك ببراغماتية فجة لتنصيب “حراس جغرافيا” محليين يضمنون أمن خطوط التدفق وسط ترهل سلطتي طرابلس وبنغازي وتنازعهما على مصرف ليبيا المركزي. وهكذا، تلتقي محاصصة الثروة النفطية من الأعلى مع تفتيت الإدارة والمطالب الهوياتية المشروعة من الأسفل؛ لتتحول اللامركزية، عبر الجهل بمآلات اللعبة الدولية للأسف، إلى حزام أمني مجالي يحمي مصالح الشركات عابرة الحدود، وهو ما يقود حتماً إلى تجميد الحل السياسي الشامل، وتأجيل استحقاق صناديق الاقتراع، وتفتيت وحدة ليبيا لمنعها من صياغة أي مشروع وطني متكامل يسترد قرارها الوطني وثرواتها المنهوبة.
خطر الانقسام الداخلي
ولا تقتصر مخاطر هذا المشروع على الارتهان الخارجي لكارتيلات الطاقة، بل تمتد لتضرب في الصميم البنية الاجتماعية والسياسية للهوية الوطنية للشعب الليبي محولةً الصراع الحقيقي للتحرر الوطني إلى نزاع هوياتي مفتعل. إن خطورة تفكيك المركزية الفوقية عبر لافتات العرق تتجلى بوضوح في بنية هذا التحالف ذاته؛ فوفقاً للبيان التأسيسي الصادر من قصر الضيافة بزوارة في 20 جوان 2026، لم يقف طموح اتحادات البلديات المحلية الناشئة عند التنسيق الخدمي، بل تجاوزه إلى مأسسة الانقسام عبر إنشاء “مجلس حكماء وأعيان الأمازيغ” كمرجعية اجتماعية موازية، والدفع نحو انتخابات “المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا” لمنحه واجهة سياسية موحدة. إن هذا التفتيت المحمي بسلاح المجموعات المحلية يمثل سابقة تاريخية تُهدد بتحويل البلاد إلى فصائل معزولة، لا سيما وأنه يأتي كارتداد مباشر لبروز “إقليم المنطقة الوسطى” بقيادة مصراتة؛ وهو المشروع الإقليمي الذي جوبه برفض واحتجاجات حادة من القواعد الشعبية في مدن كبرى مثل بني وليد وترهونة رفعت شعار الحفاظ على وحدة المصير التاريخي في وجه بوابات التفتيت الجهوي. ومن هنا، تنجح النخب في تزييف وعي الجماهير؛ حيث يتحول الصراع من مواجهة مجتمعية وطنية ضد ناهبي الثروة ومن أجل التنمية العادلة، إلى فرز مجالي خطير يقسم جغرافيا الوطن على مقاسات عرقية وقبلية متباينة. وبدلاً من أن تكون اللامركزية أداة لتمكين المواطن من كل حقوقه الاقتصادية والسياسية، فإن إنتاجها عبر قوالب هوياتية ضيقة يمنح سلطتي طرابلس وبنغازي الذريعة المثالية للاستمرار في الانقسام بحجة انهيار السلم الأهلي.
في نهاية المطاف، وفي ظل هذا المشهد السياسي الليبي فإن “السيادة المجزأة” لا يمكننا وصفها بالفوضى العفوية، بل هي هندسة مقصودة لإدارة أزمة البلاد وتأبيدها. والتحذير الذي يجب الوعي به وإدراكه، هو أن ترويض المجتمع القبلي والعشائري عبر صفقات النفط، والتي قفزت بالإنتاج إلى 1.5 مليون برميل يومياً في جوان 2026، فإنه لا يصنع استقراراً، بل يشتري الوقت لصالح القوى الخارجية والسوق الدولية، وعليه فإن هذه المليارات التي تدخل خزائن المحاصصة شهرياً، يجري امتصاصها بالكامل لتغذية صراعات النخب الحاكمة ومصرفها المركزي، بينما يُترك الشعب الليبي لمواجهة أزمات الفقر والسيولة الخانقة. وبالتالي فتمرير مشروع مجموعات العرقية تحت لافتة اللامركزية، ما هو إلا آلية لتحويل جغرافيا البلاد إلى “حزام أمني” يحرس أنابيب الغاز للقوى الإمبريالية، مقابل بقاء نخب طرابلس وبنغازي في السلطة فوق ركام الدولة المفتتة ؛ وإذا لم يدرك الشعب الليبي بخطورة هذا التوظيف الدولي، ويتجاوز هذه الفخاخ نحو جبهة تحررية وطنية جامعة، فإن المستقبل لن يحمل إلا إعادة إنتاج للتبعية، ليظل الوطن رهينة وثرواته منهوبة بيد الإمبريالية ووكلائها في الداخل.
صوت الشعب صوت الحقيقة
