الرئيسية / صوت الثقافة / العنف لفاضل الجعايبي :الآن وهنا..ميديا الجريمة ملحمة شعرية
العنف لفاضل الجعايبي :الآن وهنا..ميديا الجريمة ملحمة شعرية

العنف لفاضل الجعايبي :الآن وهنا..ميديا الجريمة ملحمة شعرية

فاضل“كل ما بالشر يبدأ، إنما بالشر يقوى” مكبث يروى عن بيتهوفن أنه أراد مقابلة الإمبراطور لكن الحراس نهروه، وسدّوا الأبواب في وجهه واحتقروه، وعندها صرخ في وجوههم بأن يقولوا لقيصر: إن الزمن يلد كل يوم قيصرا يحكم ويذهب إلى الشيطان فينسى، أما التاريخ فيلد بيتهوفن مرّة كل ألف عام.

لا تتعلق هذه المقدمة بمسألة الخلود أو عرضية الأفعال، إنما أن يكون الفاضل الجعايبي في عمق العالم وفي قلب الصراع لا على سطح الأشياء أو هامشها. الآن وهنا، تمر بشوارع العاصمة قاصدا المسرح لا ذنب لك سوى مشاهدة مسرحية، فقبل الوصول تسلبك أنوار المدينة كل ما سعيت تخزينه من طاقة تساعدك على اللحاق بالجمهور والاستعداد للفرجة لكن الجزئي والكلي في المدينة وضواحيها بات منهكا للروح. لا يمكن أن تتدعي البطولية ولا الضحية في هذا الراهن القتيل كل ما حولك يقوم بتلويث ثيابك ،روحك، رائحتك ،زمنك ،تمردك ،غبطتك ولحظات صرختك المدوية ذات ثورة حتى تصير لحما يقاوم البرد الجامد المبثوث في الهواء كاللعنة. الآن وهنا مرة أخرى نعترف أننا نعيش عصر القبح بامتياز كما وصفه دوستويفسكي بعصر “فساد الروح البشرية”الذي يحتّم علينا مقاومة الوحش الضاري الكامن في داخلنا والمحيط بنا رغم أن سبل هذه المقاومة تبدو دونكيشوتية في نهاياتها إلا أننا ندرك أن القدر بالمفهوم الإنساني هو الصراع والصراع هو الجوهر الحقيقي لفن الشعر. الرجّة تكرّس الجمال في مسرحية العنف عند الدخول إلى قاعة العرض لمشاهدة مسرحية للفاضل الجعايبي تعلم يقينا أنك ستشاهد عرضا مسرحيا متكاملا ومتناسقا بين عناصر عرضه دون أي ثغرة كما تتجلى لديك الأطروحة المقدمة بخرافة مضبوطة وجمالية ملحمية متوازنة وجميلة من خلال النص والأداء بالنسبة للممثلين.

لكن اليوم في مسرحية “العنف” يظهر لنا الفاضل الجعايبي في عدة تمظهرات يمكن أن نصفها بالخارقة لما يقوم به الجعايبي –الفنان اليوم، بعد المرور بتجربة مثقلة بالبحث والتفكير والجدل الجدي حدّ القسوة. فمن يعرف الفاضل الجعايبي عن قرب أو عن بعد يلاحظ ملامح القسوة والجدية التي يخفيهما بين الابتسامة والوجع. يرجع الجعايبي هذه القسوة دائما إلى الفعل المسرحي الذي يعيشه وما يستبطنه داخل ذاته المسرحية من عنف حقيقي تجلى في أثر فني متكامل.

تتبنى مسرحية “عنف” للفاضل الجعايبي – المخرج على الصفعة لجاهزية المفهوم داخل تاريخه الفني لما اعتاده من ضوابط في البحث لمنظومة “الاخراج”كفكر تميز لدى الفاضل الجعايبي بالتوليف والتأليف بين عناصر العرض الجمالية والخطاب الفكري لتشتمل منظومة الإخراج في مسرحية عنف الآن وهنا على الرجّة في جميع مقاييسها الركحية والفكرية لتتجاوز حقيقة الفن المسرحي بأنه ثابت بل هو متحوّل شأنه شأن أبطال شعراء الإغريق خاصة عندما يشتد الصراع. جسّد الجعايبي – المخرج في مسرحية عنف معنى أن تولد من رحم الثورة فنا نبيلا تاما متكاملا من نفسه سالكا طريقا وعرة رغم أنه مهّد لفورة ثورته الجمالية في أعماله السابقة الأخيرة إلا أن تصوفّ التجربة أمضاه في مسرحية عنف. تعامل الجعايبي – المخرج مع الفضاء المسرحي والفضاء الدرامي بالقطع التام مع المساحة فنجد الصراع القائم بين الضيق والمساحة يطرح إشكالا حقيقيا هندسيا لمساحة الوجود اليوم وهل من الممكن أن نجد الهواء غدا والحصار محيط بنا ويضيق كل يوم؟ بنى الجعايبي – المخرج فضائه الدرامي على مبدأ الاستغناء عن ما لا يمكننا الوصول إليه فأخضع الفن المسرحي إلى آليات جمالية تنبض دما وحسا تكاد تستنشق معه الاختناق والضيق والغموض في الرؤى عبر المسرب المظلم العابر للجدار العازل للضوء.

التشكيل الهندسي للركح في بساطته وتعقيده يتلوّن ليتحول من فضاء إلى أفضية تعبرها الشخصيات والشخوص فنلاحظ سحرية الفضاء فبمجرد مرور طبيبة حتى يتحول الفضاء الجامد من سجن إلى مستشفى ،ينتج هذا الشكل الجمالي للفضاء قدرة عالية على التعامل مع التقبل الذهني للمتفرج وجعله يتفاعل ذهنيا مع الأشكال ليبعده عن الجمود والاستهلاك المبهّم.

يصفعنا الجعايبي في مسرحية “عنف” صارخا “لا ضرورة للون هنا ولا للروح”، فنرى أزياء تكتسي الأجساد تمر من الرمادي إلى الأسود أي تتدحرج من القيمة للأسود الذي يمتص كل ضوء إلى اللون الأول وهو لون الجسد والورد وأحمر الشفاه،أما ما تبقى من خطف للألوان فهي تمثل الشيب والزمن المنقضي والتعب وما خلّفه العمر من جرح أو أكثر. أزياء منسدلة وخفيفة لا يستطيع الجسد حمل أكثر من ذلك بعد الذي حدث… أزياء تتحرك لتسقط وأقدام عارية لتطير فتسقط …أزياء تحاكي الهاوية داخل ذواتها ..

يرتقي ويتكامل فن الإخراج المسرحي مع الفنون الجميلة لتصبح الحقيقة والجسد والواقع لونا حقيقيا نراه ونلتمسه ثم نخشى حدوثه مثلما وصف بيكاسو أنه بعض الرسامين يحولون الشمس إلى بقعة صفراء،والبعض الآخر يحول البقعة الصفراء إلى شمس.هكذا حول الجعايبي لحم أجساد الشخصيات إلى ألوان تعبرعلى أبعادها النفسية والاجتماعية والفيزيولوجية دون اللجوء إلى الألوان الساطعة أو الماكياج ليبرز الملامح بل العكس قام بابراز الجسد لا ظل الجسد. كل مجالات الضوء ومسارب الإضاءة في عرض عنف للفاضل الجعايبي تتجاوز الدلالات والتأويلات لترجّ المتفرج الثابت في مكانه فتعمّق الجمود وتسليط ضوء الجثة وتعرية الموت فعليا وحقيقيا كبديل نعيشه في صمت ورضا ،حتى الإضاءة خلصها الجعايبي من اللون ليكتسي الضوء موقف القيمة فنجد اللون الثابت في الحقل الذهني الحسي للمتقبل لون بارد باهت كخيبتنا اليومية الشرعية.

يتّسم التوجه الجمالي للإخراج في مسرحية الجعايبي على السلبية وتجنيب كل عنصر مسرحي من الهذيان والتخمة ليتمكن من استبطان روح عناصر العرض الحقيقية وتفعيلها على الركح لتكون المجال المرئي الحقيقي المادي أمامنا وأمام حقيقة الفن المسرحي كفعل ثوري متجدد يولد من رحم التجربة والجدية والصدق الذي لا يغيب.

الموسيقى في مسرحية عنف للفاضل الجعايبي واقعة حية مضيئة فهي كما يصفها لودفيج فان بيتهوفن “الوسيط بين الحياتين الروحية والحسية” أوجد الجعايبي وجودا موسيقيا مستقلا بذاته المسرحية ليربط الإيقاع بالصخب الذي تعيشه الشخصيات والضجيج الذي تمر به فتخرج الموسيقى من عمق آلة الإيقاع إلى عمق آلة الممثل أي عالمه الواقعي – الحسي إلى العالم التخييلي الدرامي.

يشكّل قيس رستم الألوان والإيقاع والأشكال داخل رؤية الجعايبي الجمالية لتتكامل الفنون مرة أخرى الآن وهنا ليرتفع الفن المسرحي فعلا كليا يستوعب الفنون في عمقها كالثورة التي تحمل مفكريها ومجانينها إلى ذروة الصراع. مسرحية “عنف” رقّة شعرية “الغرض من الكتابة تحقيق حالة من التوحد بين كل القوى الوضاءة القادرة على الحياة وتحريض الإنسان على بذل قصارى جهده لتجاوز الوحش الكامن في أعماقه” (نيكوس كازنزاكي)

نرى في دراماتورجيا مسرحية “عنف” مسار للكتابة المسرحية المعاصرة والمتطورة والتي يمكن أن أقول أنها تتنزل بين الطرافة والعبقرية في تشكيل وتركيب الوضعيات الدرامية بسحر شعري ملحمي جميل. نقطة الانطلاق من الواقعة لتذهب إلى واقعة ميتاقيزيقية لا تنتمي إلى زمان ومكان الممثلين لكنها ترتبط بهم بشكل ما ليس مجانيا ولكنه الفن المسرحي الذي ألزم الفاعل الدرامي داخله بالتورط في الجريمة حتى تصبح المحاكاة سلاحا يشهر ضد الكتابة الكلاسيكية.

ترتكز الكتابة الملحمية في مسرحية عنف على مفهوم أساسي وهو التغريب الذي نسجت من خلاله كاتبة النص معنى الاغتراب بين الشخص – الشخصية في شكل لعبة خطرة يتعرض لاعبها لأخطر الأفعال الإنسانية الدموية التي تفرزها الجريمة في شتى تشكلاتها. تبنت الكتابة الدرامية لمسرحية عنف على واقع الممثلين وجعلت منهم بداية الصراع فنجد الممثلة جليلة بكار والممثلة فاطمة بن سعيدان والممثلة لبنى مليكة يصيغون طريقا للشخصيات بواسطة تاريخهم المسرحي –المعنوي فتشكل بلاغة شعرية تكسر كل المعايير الكلاسيكية للجملة المسرحية عند تحوّلها إلى فعل ركحي نشاهده بل أصبحت الجملة تستمد روحها من جسد الممثل الخاص ومن وجعه لتضعه الخرافة في السجن والمستشفى في قسوة أشد من الراهن حزنا.

استعمال العنف كتقنية للكتابة وصناعة المشهد المسرحي في أصدق صورة حدّ البلاغة التي وجدناها خاصة في الرمز فكل الشخصيات – الممثلين هم رموز للفن المسرحي التونسي اليوم. نجد في الكتابة المسرحية ضيفا مرجعيا جديدا على النص في مسرح الفاضل الجعايبي وجليلة بكار وهو تيار العبث الذي يتموقع فقط مع تركيبة شخصية جليلة بكار أي عندما تتحول جليلة بكار إلى رمز مسرحي على الركح ويكون مجروحا فنجد الرمز الذي ارتبط عضويا بعرق المسرح النبيل في السجن دون جريمة فترفض الخروج من السجن لفساد متأصل في شباك المسرح البلدي فيكون الوجود عبثا.

 العمل على التحول الأرسطي بطريقة خارقة فعندما تفقد فاطمة بن سعيدان ذاكرتها وتوقظ الوحش الكامن فيها للتحول بحكمة مسرحية إلى ميديا تقتل ثم تنسى… يتطور نسق الجريمة داخل الخرافة بتطور إيقاع الكتابة فكل جريمة جديدة ترتبط ببناء جديد لارتباطها بجدلية الشخص – الشخصية حد التورط الحقيقي الذي يذكرنا بنهايات أبطال التراجيديا الإغريقية الذين أرهقهم صراعهم ضد القدر.

يتركز الصراع في شخصيات مسرحية عنف على مجموعة من المستويات: – الصراع الشكسبيري أي بين الشخصية وطيفها القاتل والمتمتع بهذا الفعل الدموي بل ويجد في داخله شرعية للقتل مثال ذلك الشخصيتين التي قامت بالعمل عليهما الممثلة فاطمة بن سعيدان. – الصراع الفوكوي عندما تحدث ميشال فوكو على أن المثلية الجنسية هي موجودة بالطبيعة في التركيبة الجنسية الإنسانية فنجد كتابة الشخصية “أيمن” عميقة فتسأل الشخصية بعد بحث مطول عن هذه الظاهرة من قبل علماء اجتماع وعلماء الجريمة والعلماء الفقه أنهم لم يفقهوا العلّة الأولى للقتل وهو الحب.

 العمل في الكتابة المسرحية على العنف كمفهوم يتسلل إلى الممثلين منه إلى الشخصيات ليصبح بألوان بشرية مختلفة فتصبح الجريمة متعددة والقتل واحد لكن الرهان يختلف من نفس بشرية إلى أخرى فترتج التساؤلات هل أن الجريمة جزء إنساني متأصل لتصبح مكون أساسي من تركيبتنا النفسية الإنسانية؟أم هي نتاج مادي لتركيبة مجتمعية ارتكزت على العنف في الكلّ حد الجريمة؟

تطرح الكتابة في مسرحية عنف إشكالات فلسفية وأسئلة قاطعة تواجه الإنسان في مطلق إنسانيته وعن مداها وقصرها.فقد أشار نعمان حمدة إلى التلاميذ الذين قتلوا أستاذة الفلسفة أن “الإنسان يمتنع” مثلما أوردها سارتر. تنخرط الشخصيات في دوامة العنف ومعها دوامة السؤال لتستفيق على واقعك الذاتي لتسأل نفسك هل يمكن أن تلتجئ للقاتل الكامن داخلك يوما أم أنك ستمتنع وإن امتنعت فما الذي جعلك تمتنع عن هذا الغول المريع ؟ نعيش على وقع الجريمة اليومية منذ زمن بعيد لكن سهولة مرور الخبر اليوم نجد كل يوم التطرق إلى جريمة بشعة ضمن أخبار سقوط الشهداء والهجرة وارتفاع سعر النفط… هذا الإعلام التونسي اليوم البشع بشاعة الجريمة لا يرتقي حتى إلى درجة التساؤل والتفكير لكن الفعل المسرحي في مسرحية عنف تكامل مع الرؤية الفلسفية والرؤية الفنية لينبض العقل التونسي ويستفيق من الخمود والبلاهة فتصفعه الصورة وترجه الكلمة والحركة علّه يجد مخرجا للسؤال داخله عما حدث وما سيحدث.

الدراماتورجيا في مسرحية عنف متطورة وطريفة رغم ما سلبته من روح الممثلين ووجعهم فلقاء الوردة الحمراء بين الممثلة جليلة بكار والممثلة فاطمة بن سعيدان والعودة إلى ذكرى شخصيات فاميليا هو لقاء ينحني فيه المسرح لهما وجعا ووفاء. تتناسق رؤى الجمال وتكتمل في مسرحية عنف للفاضل الجعايبي بين الإخراج المسرحي المتطور والأداء المتميز للممثلين بواسطة نص مكتمل الجذور في الشعرية الملحمية المعاصرة. “لا شيء يبدو لي أفظع من سقوط الفن خارج تاريخه ،لأنه بسقوطه في هذه الفوضى لا يعود ممكنا إدراك القيم الجمالية” هكذا يقرّ ميلان كونديرا في الوصايا المغدورة بضرورة ارتباط المثقف عضويا بتاريخه كي يتمكن من استيعاب الجمالية التي تحيط براهنه فمسرحية عنف للفاضل الجعايبي جعلت من الجريمة درسا جماليا يخط به تاريخ المسرح التونسي من الشعر إلى الملحمة في هدوء وسلم جميلين.

بقلم سهام عقيل

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×