الرئيسية / صوت الوطن / حكومة إعادة إنتاج أسباب الأزمة وتعميقها // جيلاني الهمامي
حكومة إعادة إنتاج أسباب الأزمة  وتعميقها  // جيلاني الهمامي

حكومة إعادة إنتاج أسباب الأزمة وتعميقها // جيلاني الهمامي

عين رئيس الدولة الباجي قائد السبسي يوم الأربعاء 3 أوت 2016، كما كان متوقعا يوسف الشاهد رئيسا لـ”حكومة الوحدة الوطنية”. وتبنّت أغلبية الأطراف المشاركة في مشاورات مبادرة الباجي هذا التعيين، فيما أعلن 4 أحزاب (حركة مشروع تونس وحزب المسار والحزب الجمهوري وحركة الشعب) عن استيائهم بدرجات متفاوتة من هذا الاختيار، وممّا اعتبروه قرارا مسقطا من رئيس الدولة لم يحترم نواميس التشاور.

3b04befec86798a8e7e4cdffa435f27c_XL

 

والحقيقة أنّ هذا الاختيار لم يكن مفاجئا بل كان تتويجا طبيعيا لمبادرة “حكومة الوحدة الوطنية” التي أطلقها رئيس الدولة يوم 2 جوان الماضي. فالباجي قائد السبسي لم يُقدم على هذه المبادرة إلا بعد مدة من الصراع الخفي بين قصر قرطاج ورئيس الحكومة. ونذكّر جميعا الحملة التي انطلقت منذ أكثر من 4 أشهر حول “ضرورة تنقيح الدستور ومراجعة النظام السياسي” باتجاه تمكين رئيس الدولة من صلاحيات أوسع لمواجهة الأزمة التي تمرّ بها البلاد. كما نُذكّر الحملة التي جرت بخصوص مراجعة قانون أوت 2015 المتعلق بالتسميات في الوظائف السامية في الأمن والدفاع. وقد جاءت هذه الحملات في الواقع على خلفية الصراع الدائر آنذاك في الكواليس بين قصر قرطاج وقصر الحكومة في القصبة حول جملة من التعيينات التي طالت وظائف في بعض الوزارات (وزارة الداخلية خاصة) وفي الولايات والمعتمديات والسلك الديبلوماسي والمنشآت العمومية.

وكان رئيس الحكومة عقد جلسات مع كتلة نداء تونس ورئيسها حول ذات الموضوع وحول العلاقة بين حزب النداء والحكومة. كلّ تلك المشاورات والتجاذبات انتهت بعد مدة من الجفاء إلى قرار بضرورة إزاحة الحبيب الصيد من على رئاسة الحكومة. لقد حصلت لدى رئيس الجمهورية القناعة بأنه خسر ولاء الصيد له وفقد نفوذه عليه. وقد مارست أوساط في النداء وفي حاشية القصر ضغوطا متنوعة من أجل إقناع الباجي بأنّ الصيد الذي أحاط نفسه بعدد من المستشارين المحسوبين على النهضة قد تحوّل إلى خدمة هذه الأخيرة على حساب النداء ورئيس الدولة نفسه.

كان هدف المبادرة هو تغيير الصيد واستبداله بشخص أكثر ولاء وإخلاصا لرئيس الدولة. وكان لا بدّ من استحضار جملة من المبررات السياسية الأخرى لتمرير الخطة وكسب التأييد لها في الأوساط السياسية والشعبية وللتغطية على الحقيقة، أي على الأزمة التي باتت منظومة الحكم تتخبّط فيها.

لهذه الأسباب قلنا إنّمبادرة الباجي لا هدف لها إلاّ إنقاذ منظومة الحكم وحزب النداء. ولهذه الأسباب أيضا كنا ننتظر من هذه المبادرة أن تنتهي إلى تسمية شخص من الحلقة الضيّقة القريبة من الباجي والموالية لشخصه تمام الولاء.

مرّة أخرى تُخطئ أحزاب المعارضة المرمى

أياما قبل إعلان الباجي عن مبادرته كانت أحزاب المعارضة قد دخلت ببادرة من الجبهة الشعبية في حركة اتصال وتشاور نشيطة أثمرت اتفاقات مهمة في تشخيص أوضاع الأزمة ورسمت ملامح عامة لعمل مشترك لمواجهة هذه الأوضاع. لكن وما إن أطلق الباجي مبادرته حتى قطع حبل التواصل وشقّ صفوف المعارضة مرة أخرى اختلاف في التقدير حول سبل التعامل مع هذا المستجد السياسي. ومرة أخرى وللأسف بدا وأنّ أحزابا كالمسار والجمهوري وحركة الشعب لم يتّعضوا من تجربة الماضي (المشاورات مع النهضة بعد استقالة الجبالي ومآل الاتحاد من أجل تونس قبيل الانتخابات الماضية الخ.. ) فصدّقت نوايا الباجي وأخذته على ظاهر كلامه وتجاهلت حقيقة الأسباب التي استوجبت المبادرة والمرامي المرسومة لها. ولم تتفطّن هذه الأحزاب أنّ من جملة أهداف الباجي والنداء وعموم الائتلاف الحاكم هو تفكيك اتحاد كل أطياف المعارضة حول تحليل وبرنامج مشترك لمواجهة الوضع في البلاد.

وككل مرّة يكشف لهم الباجي حقيقة أهدافه من وراء جرّهم في مواقف لا تخدم إلاّ حزبه ومنظومة الحكم التي اختارها والتي تتعارض تماما مع مصلحة البلاد والشعب ومع توجهاتهم كأحزاب اختاروا أن يكون في موقع المعارضة (أو على الأقل مع ما يعلنونه للشعب).

لقد فاتهم أنّ مشاركتهم في مشاورات مبادرة “حكومة الوحدة الوطنية” قد استخدمها الباجي لإضفاء شرعية على مناورته ولمحاولة عزل القوى الثورية والتقدمية في تونس وعلى رأسها الجبهة الشعبية. وفاتهم أنّ الخطاب المعسول حول “الوحدة الوطنية” و”مصلحة الشعب” وأنّالحديث عن أولوية العمل من أجل مقاومة الفساد والإرهاب ومن أجل تسريع التنمية والتشغيل ليست سوى شعارات كلامية لمغالطة الناس وإخفاء حقيقة مسعاه إلى إعادة ترتيب بيت حزبه وإعادة تعديل موازين القوى داخل الائتلاف الحاكم مع النهضة.

ولم ينتظر الباجي كثيرا حتى يكشف لهم عن هذه الحقيقة ما إن تمّ الفراغ من الثرثرة حول برنامج “حكومة الوحدة الوطنية”. ولم يكلّف نفسه حتى عناء استشارتهم كشركاء في المبادرة حول الشخصية الواجب اختيارها لرئاسة الحكومة القادمة بدل الحبيب الصيد.

الآن وقد انكشفت الحقيقة وظهرت أغراض مباردة “حكومة الوحدة الوطنية” بصورة جلية وانطلق يوسف الشاهد في مشاوراته من أجل تشكيل الحكومة، هل ستواصل أحزاب المعارضة تعليق أوهامها على أن يجدوا موقعا في الحكومة القادمة؟ وحتى إن أدركوا أنّ الباجي لا يعوّل عليهم في استكمال مشوار تشكيل الحكومة واستبعدهم بطريقة لبقة وذكية، هل سيصوّتون للحكومة القادمة في البرلمان، وهل من مصلحتهم أن يعلنوا دعمهم لهذه الحكومة بتعلة أنها ستلتزم بتطبيق مضمون “اتفاقية قرطاج”؟

تصريحات بعض قادة الأحزاب لم تبدّد هذا الغموض. ذلك أنّ سمير بالطيب مثلا أكّد إثر لقائه بمعية ممثلي الحزب الجمهوري وحركة الشعب أنه لن يشارك في الحكومة ولكنه سيدعمها في تطبيق برنامج وثيقة قرطاج. وفي تصريح له إثر نفس اللقاء أعلن يوسف الشاهد أنّ المشاورات مع ” أحزاب المعارضة ” ما تزال متواصلة من أجل تشريكهم في الحكومة.

المحاصصة من جديد

ما إن تسلّم رسالة التكليف حتى شرع رئيس الحكومة المعيّن في لقاءاته مع ممثلي الأطراف المشاركة في مشاورات المبادرة أحزابا ومنظمات. ولئن جرت هذه اللقاءات وسط تكتّم كبير فإنّ ما رشح من أخبار عمّا تمّ تداوله فيها يؤكّد مرّة أخرى أنه، رغم التصريحات، سيقع تشكيل الحكومة على قاعدة المحاصصة الحزبية. فحزب النداء بعد أن ضمن رئاسة الحكومة يطلب 9 حقائب وزارية،منها وزارة الفلاحة لناطقه الرسمي ووزارة الداخلية والخارجية. وفي نفس الوقت يضع شروطا على وزارات أخرى حتى إن لم يطالب بها مثل وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التنمية والمالية.

أمّا حركة النهضة فقد غيّرت تكتيكها مقارنة بحكومة الحبيب الصيد. فقد صرّح الغنوشي أنّ حركته تودّأن “يقع احترام نتائج الانتخابات” في إشارة إلى أنّ النهضة تطالب هذه المرة بما لا يقلّ عن وزارات (الفلاحة والصناعة والتجارة والصحة على ما يبدو). والملاحظ أنّ النهضة خيّرت هذه المرة السيطرة على الوزارات الاقتصادية وتعمل على أن تقنع النداء بتحييد وزارات السيادة وخاصة الداخلية والعدل والدفاع مع استعدادها للتنازل وقبول منح وزارة الخارجية للنداء التي سيظلّ على رأسها الوزير الحالي (الجهيناوي).

ويواجه حزبا الوطني الحر وآفاق صعوبة في الحفاظ على نفس عدد الحقائب التي كانا يتمتعان بها في الحكومة السابقة. إذ تتّجه النيّة إلى ألاّ يزيد نصيب كلّ واحد منهما وزارتين فقط. وإلى جانب ذلك هناك إصرار على استبعاد ياسين إبراهيم من وزارة التنمية، الأمر الذي جعل حزبه يُلوّح بالخروج من الائتلاف. ويقابل طلب سليم الرياحي تقلّد حزبه وزارة مكافحة الفساد بالسخرية مقابل ترضيته بإزاحة ماهر بن ضياء من وزارة الشباب والرياضة تنفيذا لثأر قديم منه.

في مثل هذه الأجواء يجري التشاور حول تركيبة الحكومة القادمة التي يراد لها أن تكون جاهزة قبل يوم 15 من الشهر الجاري. ولكن الطلبات المتنافرة والاشتراطات المتناقضة ستحول على أقرب الظن دون بلوغ هذا الهدف الذي يعمل الشاهد جاهدا على تحقيقه لإثبات نجاعته وإعطاء أولى مؤشرات قدرته. ومهما كان من أمر فإنّ الواضح أنّ حكومة الشاهد ستكون أبعد ما يكون عن تمثّل، فعلا، حكومة وحدة وطنية ولا حتى حكومة وحدة بالمعنى الذي أراده لها الباجي والمشهد الذي تشكّل عند انطلاق المشاورات حول البرنامج. لقد بات واضحا أنها حكومة الائتلاف الرباعي السابق الذي لن يتوسع لأكثر من حزب المبادرة في أحسن الأحوال وبعض الوجوه “المستقلة” من قبيل المهدي بن غربية. وبذلك يتأكّد أنّ مبادرة الباجي مهما حاولت التمويه بـ”الوحدة الوطنية” وتجاوز فشل الحكومة السابقة، ومهما تباهت بمشاركة المنظمات الوطنية الكبرى وبصياغة برنامج جديد فإنها في نهاية المطاف أعادت إنتاج نفس المشهد في الحكم في انتظار أن تعيد إنتاج نفس الفشل إن لم يكن فشلا أكبر وأخطر.

وحسب ما يقتضيه الدستور سيكون موفّى شهر أوت هو الأجل القانوني لتقديم الحكومة للمجلس النيابي للحصول على التزكية. أمّا إذا اُضطرّ الشاهد إلى تأجيله لشهر آخر وفق ما ينصّ عليه الدستور فمعنى ذلك أنّ حكومته ستكون موضوع استياء وربما حتى سخط.

الفشل المحتوم

أن نتوقع الفشل لا ينبع البتة من رغبات تحرّكها مشاعر كراهية أو شماتة، بقدر ما هو حكم ينبني على معطيات واقعية ومؤشرات ملموسة. فالأزمة التي تمرّ بها البلاد على درجة من التعقيد والتشعب والشمولية بما يجعلنا نقول أنّ تجاوزها أمر صعب وليس في متناول أيّ حكومة قادمة، بالنظر إلى المصاعب المحيطة بنا على المستوى الإقليمي والدولي زيادة عن العوائق المحلية. وإذا أضفنا إلى كلّ ذلك البرامج المزمع اتّباعها على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي خاصة يصبح الفشل هو المآل المحتوم للحكومة الجديدة.

معلوم أنّ القاعدة المادية للأزمة العامة التي تعيشها البلاد هيأزمة اقتصادية حادة، أعطت كنتيجة طبيعية أزمة اجتماعية عميقة، في ظلّها يبقى تحقيق الاستقرار الاجتماعي والأمني والسياسي أمرا غير ممكن. لذلك فإنّ معالجة الأزمة لا يمكن أن تتمّ دون معالجة الملف الاقتصادي على الوجه الأمثل من أجل تمويل استحقاقات الوضع الاجتماعي وبالتالي الأمني والسياسي. ولا شك في أنّ معالجة الأزمة الاقتصادية لا تتمّ إلاّ باعتماد خطة تنموية جديدة ومغايرة في اختياراتها وأهدافها وإجراءاتها عن الاختيارات القديمة التي تمّ اتّباعها منذ 1956 إلى اليوم. ولكن هل يمكن أن يتحلّى الائتلاف الرجعي الحالي بالوطنية والتقدمية والشجاعة الكافية كي يتبنّى نمط تنمية جديد يحفظ استقلال القرار الوطني ويبني اقتصادا وطنيا حقيقيا ويخدم مصالح جماهير الشعب الواسعة ويضمن مستقبل الأجيال القادمة؟ قطعا لا.فأنّى لهذا الائتلاف العميل المعروف بارتباطاته بمراكز رأس المال العالمية خارجيا (دولا واحتكارات) وبحفنة من كبار الرأسماليين في الداخل،هذا الائتلاف المعادي للشعب والذي لا يهمه مستقبل البلاد إلاّ بالقدر الذي يتعلق بمصالحه الأنانية الضيقة، أن يتبنّى مثل هذا النّمط من التنمية المتعارض مع طبيعته؟

لا نقول هذا من منطلق ايديولوجي مجرد، وإنما بناء على الوقائع والمعطيات والحقائق المعاشة والتي يدركها القاصي والداني. وللتدليل على ذلك يكفي أن نعود إلى”وثيقة قرطاج” والاتفاق بين الحكومة التونسية وصندوق النقد الدولي (بناء على رسالة النوايا لوزير المالية ومحافظ البنك المركزي بتاريخ 2 ماي 2016).

فوثيقة قرطاج علاوة على أنها “خلطة” من المقترحات غير المنسجمة والتي صيغت لترضية كلّ الأطراف المشاركة في مشاورات “برنامج حكومة الوحدة الوطنية”، فهي تفتقد لأيّ تصوّر للاختيارات الواجب اتّباعها لمواجهة الأزمة. بل هب في جوهرها تثبت الاختيارات القديمة ولا تتحدث إلاّ عن “إصلاحات” وأهداف عامة وبعض التفاصيل الجزئية. وهي في هذا الباب بالذات تتقاطع مع نفس المنطق الوارد في رسالة النوايا المشار إليها (الإصلاحات) من أجل الحفاظ على التوازنات المالية الكبرى للدولة. ولا تختلف عن الرسالة إلاّ في أمر وحيد وهي أنّ الرسالة كانت واضحة وصريحة في نوعية الإصلاحات المزمع القيام بها في الوظيفة العمومية وفي المنشآت العمومية (على الأقل 5 منها هي وكالة التبغ وديوان الحبوب والستاغ والستير وتونس الجوية) وفي القطاع البنكي والمصرفي وفي منظومة التعويض الخ… بينما أشارت وثيقة قرطاج إلى”الإصلاحات” في شكل تعميمي مبهم مقصود لتبرير “الإجراءات المؤلمة” التي طالما تحدّث عنها ساسة الائتلاف الحاكم.

أمّا رسالة النوايا التي تحوّلت منذ يوم 20 ماي 2016 إلى وثيقة رسمية (انظر التصريح الصحفي الرسمي لمجلس إدارة صندوق النقد الدوليCommuniqué de presse n° 16/238 Le 20 mai2016 ) فقد وضعت خطة الإصلاحات للفترة الممتدة ما بين 2016 و2019 دون عرضها على المجلس للمصادقة ولا عرضها على استشارة وطنية أو أيّ شكل آخر من مشاركة الشعب وفعالياته الحزبية والجمعياتية الممثلة له في صياغتها. وقد لا تهدف كلّ هذه الإصلاحات إلاّ إلى ترقيع التوازنات العامة من أجل أن تكون تونس قادرة على تسديد القرض المتّفق فيه وقيمته 2.9 مليار دولار أمريكي.

تتراوح إصلاحات هذا البرنامج بين التقليص في كلفة الأجور في الوظيفة العمومية إلى 12 % وذلك عبر غلق باب الانتدابات طيلة 4 سنوات وتسريح الموظفين في تقاعد مبكّر دون تعويض، وإعادة انتشارهم على مختلف الجهات، وانسحاب الدولة من كل القطاعات تقريبا،وخوصصة البنوك العمومية والـ5 منشآت العمومية،وبين تطبيق نظام الربط الآلي بين أسعار المحروقات وسعر برميل البترول في السوق العالمية أي رفع الدعم عن المحروقات، وبين “إصلاح” أنظمة التقاعد والترفيع في عدد سنوات العمل والتخفيض في قاعدة احتساب جراية التقاعد وما إلى ذلك من الإجراءات و”الإصلاحات”.

إنّ جملة هذه الإجراءات من شأنها أن تعقّد معضلة البطالة وتزيد في حجم الفقر وتدهور أوضاع الصحة وظروف الحياة ككل خصوصا وأنه سيقع التعويل مجددا على القطاع الخاص وتمكينه من المزيد من مؤسسات الدولة والمنشآت الاقتصادية العمومية التي تمّ بناؤها من عرق الشعب.وفي كلمة هذه الإجراءات لن تزيد الأزمة إلا تشعّبا وتعقيدا وستظلّالانتظارات الاجتماعية معلّقة مما سيزيد في مخزون الغضب الشعبي والاحتقان الاجتماعي.

إنّ “حكومة الوحدة الوطنية” غير قادرة منطقيا على الصمود طويلا وسيكون مآلها مجددا الفشل. وستكون مهيّأة أكثر من سابقاتها للسقوط تحت ضربات الاحتجاجات الشعبية وربما حتى من تلقاء نفسها تماما كما جرى لحكومة الحبيب الصيد. إنها حكومة إعادة إنتاج الفشل وتصعيد الأزمات وهي بهذا المعنى تعدّ البلاد لمخاطر حقيقية بما في ذلك عودة التهديد الإرهابي الذي سيجد في الاضطرابات والاحتجاج والفوضى الظروف الأسنح للاندساس والانتشار والتخريب.

وفي كلمة نحن اليوم بصدد جريمة تنسج خيوطها تحت ضباب كثيف من الكذب والمغالطات.

خيارات جديدة وإجراءات مستعجلة

 

إنّ الأوضاع الاقتصادية المتأزمة بشكل ينبئ بانهيار وشيك (وقد بات الحديث عن فراغ الخزينة وعجزها عن خلاص الأجور) تحتاج إلى أمرين اثنين: اختيارات جديدة وإجراءات مستعجلة. ففي باب الاختيارات لن يصلح أمر اقتصادنا طالما بقي اقتصادا ريعيا يعيش على عائدات صادراتنا من المواد الأولية والفلاحية، غير مصنع تحت رحمة التوريد،وفلاحته متخلفة وضعيفة المردودية ويعوّل على عائدات خدمات السياحة والبنوك الخ…

إنّ المفتاح للخروج من الأزمة خروجا نهائيا وآمنا هو بناء صناعة وطنية وتطوير الفلاحة وتصنيعها وتقديم خدمات متقدمة لبناء اقتصاد مندمج ومنتج ومشغّل وضامن لحماية البلاد من الهزات التي تطرأ على الاقتصاد الرأسمالي العالمي، اقتصاد موجه لخدمة مصالح الشعب وتوفير بنية أساسية صلبة ومتطورة وإطار لائق للعيش وضامن لمستقبل الأجيال القادمة.

وإذا كان هذا النمط من التنمية يتطلب فترة زمنية لإرسائه وتثبيته، فإنّ جملة من الإجراءات تفرض نفسها دون انتظار وخاصة فيما يتعلق بجملة الإصلاحات الحقيقية الواجب اتّباعها لتحسين مداخيل الدولة في مجال الجباية ومقاومة الفساد وإدماج القطاع الموازي في الدورة الاقتصادية المهيكلة والمنظمة ومعالجة سليمة لملف الأملاك المصادرة وتعليق تسديد الديون والتحكم في الواردات الكمالية والتحكم في مصاريف الدولة.

إنّ طرح المسألة من هذه الزاوية الاقتصادية لن يغنينا عن المعالجات الأخرى ذات الطابع السياسي والاجتماعي والتي لا تقلّ عنها أهمية. ولكنّهذه الزّاوية هي المفتاح الذي من دونه لا أمل في تجاوز الأزمة وإنقاذ تونس منها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

4 × واحد =

إلى الأعلى