الرئيسية / صوت الوطن / كيف نفهم عودة الاعتداءات والمحاكمات اليوم؟
كيف نفهم عودة الاعتداءات والمحاكمات اليوم؟

كيف نفهم عودة الاعتداءات والمحاكمات اليوم؟

علي البعزاوي

لئن تراجعت البلطجة الأمنية والاستهداف الممنهج للاحتجاجات مع رحيل النظام البوليسي النوفمبري فإنها لم تغِبْ نهائيا عن الواقع رغم الحديث عن “الأمن الجمهوري” ورغم وضوح الدستور, سيّد القوانين, الذي يضمن حرية التعبير والتظاهر السلمي. لكن إلى الآن لم يقع سنّ قوانين تجرّم الاعتداءات على المحتجّين ولم نشهد مبادراتٍ في الغرض، رغم الاعتداءات المتكرّرة على الصحافيّين وعلى نشطاء المجتمع المدني بما في ذلك النقابيين. بل على العكس من ذلك، قُدِّمت مشاريع قوانين لحماية الأمنيين من الشّعب وأخرى لتكميم الأفواه، وذلك في إطار ما ابتدع على تسميته بـ”أخْلَقة الحياة السياسية”.

كيف نفهم هذه الاعتداءات؟ وما هي أسبابها؟

الاعتداءات ارتبطت دائما بأوضاع منظومة الحكم. فكلّما كانت هذه الأخيرة قادرة على التّنازلات والاستجابة ولو جزئيّا لمطالب المحتجّين كلّما تعاملت بمُرونة مع الاحتجاجات التي تقابل أيضا بالشّيطنة والتنكيل عندما تتجاوز سقفًا معيّنا من شأنه تهديد استقرار المنظومة. وهي مرتبطة من جانبٍ آخر بموازين القوى بين الحكم والمعارضة. فكلّما كانت هذه الأخيرة ضعيفة كلّما اشتدّ القمع. ونعتقد أنّ طبيعة اختيارات وسياسات المنظومة اللّاشعبية واللاوطنية، مهما تغيّرت التشكيلات الحكومية، تستوجب هذا التدخّل القمعي لضرب الحريات العامة والفردية بهدف الحفاظ على سيطرة المنظومة الرأسمالية التابعة وعلى مصالح التحالف الطبقي المافيوزي المهيمن، وهو سلوك يمارس منذ حكومة حمادي الجبالي إلى اليوم.

في هذا السياق تلعب المؤسّسة الأمنية، مثلها مثل المؤسّستين القضائية والعسكريّة، دور الحفاظ على المنظومة وتكريس هذه الهيمنة الطبقية من خلال تكريس شعار “الحفاظ على النظام العام”.

بالعودة إلى الأدبيّات الماركسيّة، فقد أوضح لينين دور الدولة ليس كحَكَمٍ بين الطبقات مثلما يذهب إلى ذلك البعض، بل كأداةٍ للقمع وتكريس هيمنة الطبقة المُسيطِرة اقتصاديا على المجتمع. هذا القمع يأخذ أحيانا طابعا ديمقراطيًّا، وهو حال اليوم في تونس الثورة، مثلما يأخذ أحيانا أخرى طابعًا دكتاتوريًّا مثلما كان في العهدين البورقيبي والنوفمبري. 

الهدف من القمعِ، سواء كان شكله ديمقراطيا أو دكتاتوريا فاشيّا، هو الحفاظ على المنظومة. ونعتقد أن مختلف المؤسّسات لا تتمتّع بالاستقلالية، وهي خاضعة لتعليمات السلطة التنفيذيّة ولتعليمات أحزاب الحُكْم أحيانا التي تتدخّل لدى أتباعها ومناصريها في مختلف مؤسّسات الدولة للتدخّل ولو بالتعسّف على القوانين بما في ذلك الدستور. وفي هذا السّياق نفهم ما رشح مؤخّرا من أخبارٍ تؤكّد إطلاق بعض القيادات الأمنية القريبة من النهضة لتعليماتٍ شفاهية إلى الأعوان لقمع الاحتجاجات، خاصّة عندما يكون تأطيرها من جهات يسارية. 

مؤسسات الدولة هي إذًا أذْرعٌ للقمع وتكريس السيطرة واستقرار النظام، ولا تنتظر منها مساندة أو حماية للاحتجاجات ولا حتّى موقفا محايدا لأن الدولة هي دولة المنظومة الحاكمة والمؤسّسات المختلفة جزء منها بل هي أذرعها. وتكريسا لهذا الدور أصرّت منظومة ما بعد 14 جانفي على عدم تطهير المؤسسات الأمنية والقضائية والعسكرية والإدارية والإعلامية وحافظت على أذرع النظام القديم وعناصر الفساد والاستبداد داخلها رغم مساعي القِوى الديمقراطية والتقدمية الحزبية والمدنيّة للدفع نحو ذلك.

خيار القمع لأسبابٍ تكتيكيّة مباشرة

إن الإيقافات وعمليّات الاعتداءات الأخيرة، سواء على المدوّنين أو على القطاعات المحتجّة (المعطلين عن العمل، خريجي الشباب والطفولة، تحرّكات التشغيل والتنمية بالحوض المنجمي وبالمكناسي…) تهدف أيضا إلى تغيير وجهة الصّراع في هذه المرحلة. فدعوات حلّ البرلمان والحكومة، وحتى تجاوز كلّ المنظومة الذي تطرحه بعض الأطراف، وانطلاق الاحتجاجات في أكثر من قطاعٍ وجهةٍ والتهيّؤ لانطلاق اعتصام باردو، باتت تمثّل اليوم خطرًا حقيقيا على استقرار منظومة الاستغلال والتبعيّة والفساد. وبما أن هذه الأخيرة لا تتوفّر على حلولٍ، وهي مُجبَرة سياسيّا على المواصلة بل المضيّ بأكثر سرعة، مثلما عبّر عن ذلك رئيس الحكومة، في تنفيذ الإجراءات و”الاصلاحات المؤلمة” (بيع المؤسسات العموميّة للخواص الأجانب والمحلّيين والضغط على الأجور وسدّ الباب أمام الانتدابات في الوظيفة والقطاع العموميّين وتحرير الأسعار ودهْورة الخدمات الأساسية ..الخ) فسيبقى أحد الحلول لفرْضِ الاستقرار يتمثّل في تحويل وجهة الصراع من صراعٍ حول السّلطة بين مشروعين إلى صراعٍ حول الاعتداءات الأمنية والمحاكمات الجائرة، بما فيها من اعتداءٍ على القانون والدستور وعلى مدنيّة الدولة.

الائتلاف الحاكم يريد فرض تناقضٍ جديدٍ غير التناقض الأصلي الذي يفرضه الواقع اليوم وفرض صراع في إطار المنظومة لا على أنقاضها، وهو يسعى من خلال هذا التكتيك إلى ربح الوقت إلى حين ترتيب بيته الداخلي ومعالجة التّجاذبات والصّراعات بين مكوّناته وإعادة تشكيل مشهد الحكم لتوفير أكثر ما يمكن من التوافق والتعاون، أو ما أطلَق عليه رئيس الحكومة شعار “التّضامن الحكومي”. وحركة النهضة باعتبار أن الحكم حكمها والدولة دولتها هي اليوم الطرف الأكثر حِرصا على معالجة أزمة المنظومة وضمان استقرارها وسيطرتها بما يساعدها على خدمة المصالح الطبقيّة التي وجدت من أجلها، ونعني مصالح التحالف الطبقي الكمبرادوري المُهيمِن.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×