الرئيسية / صوت الوطن / نفق المخاطر والاصطفافات المغشوشة
نفق المخاطر والاصطفافات المغشوشة

نفق المخاطر والاصطفافات المغشوشة

عمار عمروسية

يبدو أنّ الإنجاز الأهمّ لمنظومة الحكم الحاليّة هي قذف تونس وشعبها في منطقة شديدة المخاطر على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكذلك الأمنية والصحية والأخلاقية.
فكلّ تلك المجالات حملت علاّتها طوال السّنوات الماضية. غير أنّ جميع تلك العلل تفاقمت بشكل مريع بعد انتخابات أكتوبر 2019.
فوتائر التّقهقر والتّردّي أضحت بنسق شديد التّسارع والشمول.
فقبلة السيّر واحدة نحو القاع الذي لا قاع له وهو مايجد ترجمته في شيوع مشاعر القلق والحيرة وحتّى الخوف من القادم في أوساط “النخبة” وغيرها.
منظومة الحكم الحاليّة بسياستها وأعمالها الإجراميّة نقلت تلك المشاعر إلى مدارات أعلى ودوائر أوسع. فالخوف سيّد المزاج العامّ واليقين بالقادم الأسوإ هو الغالب في جميع المجالس والتّعليقات رغم اختلاف أساليب التّعبير من شريحة اجتماعيّة إلى أخرى. فالبلد في “هفهوف” و”داخلة في حيط” الخ… على لسان أبناء الطبقات الشعبية والفئات المسحوقة وهي – أي البلد” في عنق الزجاجة والدّولة في طور التّفكّك ومرحلة الموت السّريري الخ… في تعليقات “النخب” والمثقفين. فالهوّة بين طغمة الحكم وعموم الشعب زادت في الاتسّاع وأضحى من غير الممكن ردمها أو حتّى التّقليص منها. فالأولى أشاحت بوجهها عن هموم النّاس واندفعت في معاركها الخاصّة وأوصلت تطاحنها على الحكم إلى درجات لا تقبل التسويات والتّوافقات. والثانية غارقة في أتعاب تأمين ضروريات العيش تحت لهيب الارتفاع الجنوني للأسعار ومخاطر الكورونا ومصاعب شهر رمضان.
تلعب الطّغمة الحاكمة المتهوّرة بأجهزة الدّولة الأكثر حساسيّة مثل القضاء والأمن. تفعل ذلك على المكشوف لتحقيق أهداف تطاحنها المستدام وتتسابق على وضع اليد على تلك المؤسسات. فالدّولة ضمن صراع قطبي الحكم تشارف على الانشطار إلى دويلتين واحدة تحت قبضة “قرطاج” وأخرى تحت كلاكل “البرلمان والقصبة.
للرئيس قضاؤه وأمنه وعساكره ولـ”الغنوشي-المشيشي قضاؤهما وأمنهما وما خفي قد يكون أعظم!!!.
قطبي المعركة الرجعية نقلا مجالات الصّراع في الأيّام القليلة الماضية إلى مربّع السّلاح وكلّ أدوات “العنف” لدى الدّولة. نقلاه مرفقا بتصعيد التّراشق الخطابي والإعلامي المستند إلى قاموس لغوي حربي فيه الكثير من الفضاضة والخشونة.
يحدث كلّ هذا التّحوّل غير المسبوق ببلادنا ضمن محاولات حثيثة لقطبي الصّراع من أجل تثبيت مواقعهما ضمن محاور إقليمية ودوليّة معادية لتونس وشعبها. فشلت الأسلحة السياسيّة والقانونيّة والدّستوريّة في حسم معركة خصوم الحكم فاستحضرا ثقافة العهود البائدة القائمة على تطويع الأجهزة الثقيلة في تأمين الاستفراد بالحكم وأوّلهما بطبيعة الحال حاملي السلاح والقضاء…
هذا الانتقال ليس بالأمر الهيّن. فهو يفتح البلاد على فوضى السّلاح والعنف وأنهار الدّماء مثلما حدث بالعديد من البلدان العربيّة وخصوصا تلك التي عرفت انتفاضات وتحولات سياسية.
تتدّرج البلاد بخطى متسارعة نحو العنف والإرهاب ضمن صراع يحمل بين قطبيه المتصارعين بذور النْكوص نحو الاستبداد والحكم الفردي. فصراع الفوق منظورا له من زاوية مشاريع أصحابه ردّة فظيعة عن تطًلعات الشعب التّونسي وتعميق لأزماته الاقتصادية والاجتماعيّة وفتح طريق واسعة أمام تدخلات القوى الامبريالية والرجعيّة.
وصراع الفوق مداره الأهم مقود الحكم اليوم وغدا ضمن المواصلة في ذات الخيارات الاقتصادية والاجتماعية المتوحشة التي تنذر بالأسوإ في ظلّ المفاوضات المرتقبة قريبا مع المؤسسات المالية النّهابة (صندوق النقد الدّولي، البنك العالمي..).
معركة الفوق بأبعادها الحاليّة تعبيد طريق لدوامة عنف دموي واقتتال أهلي الخاسر الأكبر فيه الوطن. فمجريات تلك المعركة وبلوغها هذه الدّرجة من التّعفنّ والتّعقيد تطرح أكثر من أيّ وقت مضى على القوى الثورية والديمقراطية والتقدمية المسارعة بنحت طريق مستقلّ عن قطبي الصّراع والمثابرة في شقّ هذا السبيل رغم مشاقّه وصعوباته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

خمسة × ثلاثة =

إلى الأعلى