الرئيسية / ملفات / 1 ماي / هل يستعيد يوم الفاتح من ماي مغزاه الحقيقي؟
هل يستعيد يوم الفاتح من ماي مغزاه الحقيقي؟

هل يستعيد يوم الفاتح من ماي مغزاه الحقيقي؟

مرتضى العبيدي

يُعتبر فاتح ماي يوما للوحدة والنضال والتضامن الأممي للطبقة العاملة، الطبقة المقدر لها أن تلعب دور الطليعة في نضال المستغلين والمضطهدين لإنهاء النظام الرأسمالي المهيمن وبناء المجتمع العمالي والاشتراكية. إنّ نضال العمال والشعوب في جميع القارات ضد السياسات التي تبنّتها البرجوازية العالمية لتحميل أعباء الأزمة الرأسمالية على كاهل العمال وحماية مصالح أصحاب رؤوس الأموال، يتزايد سواء من خلال الإضرابات في المصانع أو الإضرابات العامة، ومظاهرات الشوارع، والنضالات السياسية، إلخ. وهي ترفع اليوم مطالب لا من أجل تحسين الأجور وتثبيت الوظائف فقط بل من أجل كامل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومن أجل الحرية السياسية، أي من أجل الحق في حياة كريمة.

الظروف التي يحلّ فيها فاتح ماي 2021
وللسنة الثانية على التوالي تحلّ ذكرى غرة ماي في ظروف استثنائية بسبب وباء كوفيد 19 الذي عطّل الحياة والعمل والحريات الفردية والجماعية للسكان في جميع القارات. خاصة وأنّ هذه الأزمة الصحية تقترن بأزمة اقتصادية واجتماعية خطيرة للغاية كشفت عن هشاشة منظومة الحماية الاجتماعية في أغلب بلدان العالم بحكم السياسات النيوليبرالية التي لا تقيم وزنا للبشر، والتي كان لها تأثير عميق على الوظائف والأجور من المتوقع أن يتواصل على المدى الطويل. كما يتأكد يوما بعد يوم عدم اليقين بشأن ما إذا كانت العديد من الصناعات ستستأنف نشاطها أو أنها ستتوقف عن العمل لمدة أطول، وعواقب ذلك على الكادحين.

وهو ما جعل المطالب المرفوعة بهذه المناسبة تتشابه من بلد إلى آخر، إذ تحوم معظمها حول مقاومة الوباء، والحفاظ على الوظائف، ورفض السياسات النيولبرالية. تضاف إليها بعض المطالب الخصوصية بهذا البلد أو ذاك حسب الواقع المحلي. ففي البيانات المشتركة التي أصدرتها بالمناسبة المركزيات النقابية الفرنسية على سبيل المثال، تمحورت المطالب المستعجلة حول:

– رفع القيود على براءات اختراع اللقاحات وتأميم صناعة الأدوية،
– تعزيز فعلي للخدمات العامة بما في ذلك الصحة والتعليم،
– حظر تسريح العمال في الشركات التي تواصل تحقيق الأرباح في ظل الجائحة،
– ربط المساعدات العامة للشركات بالتزامها بتحسين الظروف الاجتماعية والبيئية،
– الرفع من الأجر الأدنى المضمون،
– تمكين الشبان من فئة 18 ـ 25 سنة من التغطية الاجتماعية ومن المساعدات الاجتماعية،
– ولمقاومة البطالة: إحداث مواطن شغل جديدة بتعميم نظام العمل بـ32 ساعة أسبوعيا دون المساس بالرواتب أو اللجوء إلى سياسات مرونة التشغيل.

وفي هذه الظروف يتزايد انعدام الأمن والفقر، لا سيما بين الشباب والنساء والأجراء الذين أضعفتهم سياسات التشغيل الهش، فيزداد شعور الشباب بكونهم جيلا تمت التضحية به، فتزداد نقمته على منظومة الحكم التي لم يعد يرى حلاّ إلاّ في القطع معها. لكن غياب البدائل الثورية في عديد البلدان تجعل منه لقمة سائغة للدعاية الشعبوية والفاشية والعنصرية ولمنظماتها، مثلما يحدث في عديد البلدان الأوروبية خاصة.

النّضال من أجل الحقوق الأساسيّة
وفي أماكن أخرى من العالم، يحلّ “عيد” العمال الذي تمّ إقراره رسميا من قبل الأممية الثانية منذ 132 سنة (سنة 1889)، والطبقة العاملة مازالت تكابد من أجل حقها في التمتع ببعض الحقوق الأساسية التي تضمنها جميع الدساتير ومدوّنات الشغل في العالم، وهو أمر يهمّ العمال في “أعرق الديمقراطيات” (الولايات المتحدة الأمريكية) كما في أكثر الأنظمة استبدادا (إيران الملالي).

إذ يحل فاتح ماي 2021، وعمال شركة “أمازون” في ولاية “ألاباما” الأمريكية مازالوا يخوضون معركة الحق النقابي التي افتتحوها في شهر مارس الماضي ويواصلونها حدّ اليوم. وقد كانوا يمنّون النفس بأن يحتفلوا بانتصارهم على “دجاف بيزوس Jeff Bezos ” مالك الشركة وأغنى رجل في العالم، مثلما انتصر رفاقهم سنة 1856 بفرض تحديد يوم العمل بـ8 ساعات. إلاّ أنّ مناورات صاحب الشركة وخيانة النقابات الصفراء أرجأت تحقيق هذا الانتصار إلى موعد لاحق. إذ أنّ قانون العمل الأمريكي يقيّد تأسيس النقابات بمطالبة 30℅ من عمال المؤسسة بذلك. إلاّ أنه في الاستفتاء المجرى للغرض لم يصوّت بـ “نعم” إلاّ 738 عامل بينما صوّت بـ”لا” 1798 عامل، في حين امتنع الأغلبية عن التصويت. وتضمّ الشركة في هذا الموقع 5805 من العمال.

وفي المقابل يواصل عمّال إيران النضال من أجل حق التنظم في النقابات، هذا الحق المسلوب منذ وصول الإسلاميين إلى الحكم منذ 42 سنة، والذي يكلف العمال سنويا عشرات الاعتقالات والأحكام الجائرة إذا ما تجرّؤوا على الإضراب للمطالبة بأبسط الحقوق الأساسي، هذا إذا ما نجوا من التصفية الجسدية التي تمارسا ميليشيات الملالي الملقبة بـ”حرّاس الثورة”.

فاتح ماي يسترجع هويّته
وزيادة على مثل هذه الممارسات القمعية أو التقييدية للحق النقابي، سعت البورجوازية إلى الانحراف بهذا اليوم عن مغزاه الحقيقي وعن دلالته الطبقية وجعله مجرّد يوم للراحة بالنسبة إلى العمّال، بل يوما للوفاق الطبقي بإطلاق التسميات التمويهية عليه كـ”عيد الشغل” كما هو الحال عندنا، وتنظيمه بشكل يوحي بذلك. ففي تونس مثلا، انتظمت احتفالات فاتح ماي زمني الديكتاتورية تحت إشراف حكومي وبحضور صوري لنقابتي العمال والأعراف. وهو اليوم الذي تعلن فيه الزيادات في الأجور والترفيع في الأجر الأدنى، ويوزع فيه رئيس الجمهورية وسام الشغل على كلّ من هبّ ودبّ من غير مستحقيه.

لكن السنوات الأخيرة والتي شهدت احتداد أزمة الرأسمالية، حتّمت على الطبقة العاملة في جميع أنحاء العالم العودة إلى المغزى الأصلي لهذا اليوم والعمل على جعله موعدا متجددا مع النضال من أجل حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولتقييم منجزاتها والتخطيط لمستقبل نضالاتها وللتعبير عن استعدادها الدائم لخوضها، رغم كل الادّعاءات البورجوازية القائلة بانتهاء الدور الريادي للطبقة العاملة في قيادة الشعوب نحو مجتمعات أكثر حرية ورخاء وعدالة اجتماعية. بل إنه كثيرا ما اتخذ في بعض البلدان شكل مواجهات دامية كما هو الشأن في تركيا في مناسبات متكررة وخاصة بعد انتفاضة ميدان تقسيم سنة 2014.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

13 − 8 =

إلى الأعلى